الرئيسية / الافتتاحية / إلغاء السياسة وشطب الأجسام الوسيطة
إلغاء السياسة وشطب الأجسام الوسيطة

إلغاء السياسة وشطب الأجسام الوسيطة

تزايدت في الآونة الأخيرة المؤشرات التّي لا تقبل الدّحض على تصميم النّظام الشعبوي ببلادنا على ترفيع وتائر التضييق على الحقوق والحرّيات بشكل أعاد إلى الأذهان فظاعات سنوات الجمر زمن الديكتاتورية النوفمبرية.
فسلطة الحاكم بأمره أعادت الحياة، من جهة للأساليب البالية في التعاطي مع الخصوم السياسيين وكلّ المنتقدين والمتذمرين، تلك الآليات القائمة على التشويه وفبركة القضايا المسندة بألاعيب التّحايل القانوني، ومن جهة أخرى نشّطت أذرع القمع وأطلقت العنان أمامها لإفراغ السّاحة أكثر ما أمكن أمام تمدّد المشروع الشعبوي الفاشستي القائم على نفي الآخر فردا أو جماعة والعداء السّافر للتنوّع والإختلاف.
فالفضاء العامّ بجميع أبعاده الفكرية والسياسية والإجتماعية وحتّى الرّوحية – الدينيّة، وفق التصوّر الشعبوي، مجال خاصّ بالرئيس وفضاء لا يسع سوى الأخير ومشروعه الرثّ الهجين.
فـ”جمهورية” “قيس سعيد” الغريبة عن عصرنا الرّاهن تُدار بشخصه وحده وتضيق ذرعا بالأجسام الوسيطة وخصوصا الأحزاب التّي لم تندثر من تلقاء نفسها مثلما زعم، بل هي في أوضاع صعبة نتيجة القمع والشّيطنة والتضييقات المتزايدة من قِبل السلطة.
و”جمهوريته الجديدة” الخارجة عن التّاريخ ضيّقت كما لم يحدث على مجالات الفعل السياسي والمدني والإجتماعي بكلّ مضامينه الإنسانية والثقافية والرياضية بأساليب وقحة مزجت بين ديماغوجيا ترديد الشّعارات السياسية وقوّة القوانين القمعيّة مثل المرسوم 54 سيّء الصّيت.
نضّم الحكم الشعبوي بخطى متسارعة تقهقر البلاد على جميع الاصعدة نحو الوراء الذي تتكثّف ملامحه الخطيرة أولاّ في العودة القويّة لمحاكمات الرأي والسياسة بما تعنيه من عودة انفتاح السّجون لمنتقدي الحكم ومعارضيه بمختلف توجّهاتهم وثانيا في البروز المتجدّد لأشكال الإحتجاج القائمة على إضرابات الجوع داخل السّجون أو خارجها وثالثا في اتّساع دوائر الخوف والاستنكاف المتنامي من الخوض في الشأن العامّ.
تختنق البلاد تحت وطأة سياسات التهميش والتّفقير ويشتدّ الخناق على القوى السياسية والمدنية والاجتماعيّة بما ينذر بالأسوإ القادم تحت نظام حكمٍ فرديّ وضع مدار جميع سياساته القبض على مقود الحكم في الاستحقاق الرئاسي القادم.
إنّ الكثير من تصريحات الرئيس حول ذاك الاستحقاق تدفع إلى رفض الأخير أيّ منافسة نزيهة على كرسيّ “قرطاج” فهو كما قال “ليس في أيّ منافسة مع أيٍّ كان”!!!!
فهو فوق الجميع وقبل الكلّ، بل وجد الجرأة للتصريح مرّة أخرى في علاقة بالرئاسيّة القادمة قائلا: “لن أسلّم البلاد للخونة…. لديّ مشروع…”!!!!.
لا شكّ بأنّ الولع بالسلطة ومغانمها أقوى من مزاعم التعفّف والتّرفع وغيرهما من تلك المساحيق التّي أزالها بشكل نهائي إنقلاب 25 جويلية 2021 وما تلاها من بنود خارطة طريق إعادة بناء نظام حكم فرديٍّ (مهزلة الإستفتاء على الدستور، مسخرتيْ الانتخابات البرلمانية والمجالس المحلية…) يشقّ طريقه مستغلاّ حتّى النهاية الأوضاع الدولية والإقليمية وتراجع الحركة الإجتماعية والشعبية ببلادنا وضعف القوى الديمقراطية والتقدميّة وتشتّت صفوفها.
يسابق النظام الشعبوي الوقت لاستكمال القليل المتبقّي من أسُس ما يسمّى بالبناء القاعدي ويبدو جليّا أنَّ استحقاق الانتخابات الرئاسية القادمة محطّة مصيريّة لا تقبل بأيّ شكل من الأشكال المنافسة النّزيهة والحقيقيّـة حتّى يخلف الرئيس نفسه ويواصل خديعة تثبيت الجمهورية الجديدة.
لا شيء في اهتمامات الرئيس منذ أشهر وحتّى موعد تجديد تلك البيعة سوى تعبيد الطريق لتحقيق هدف البقاء في دفّة الحكم، الأمر الذي استوجب تصفية هوامش الحريّات وتدجين الإعلام وتصفية الخصوم السياسيّين والانتقام من أسرهم ومحيطهم الاجتماعي.
فجرّافة القمع شغّالة لخلق الفراغ أمام الرئيس في ذاك الاستحقاق والأهمّ من ذلك أنّ كلّ خيوط اللّعبة بيديه تماما كما كان يحدث زمن أبشع الديكتاتوريات.
إنّ مجمل هذه الأوضاع وغيرها كثيرٌ تصبّ في تأكيد أنّ الطريق الأفضل للقوى الديموقراطيّة والثوريّة هو خوض معركتها ضدّ المهزلة الانتخابية من خارج أرضيّة الانقلاب وشروطه التّي لن تسمح في أفضل الحالات إلاّ بوجود بعض الترشيحات الصورية التّي يلعب أصحابها دور” التيّاسة” المُجمّلين لوجه الديكتاتوريّة القبيح.
إنّ خوض المعركة ضدّ البيعة المرتقبة من خلال التمسّك بدينامكيات الفرز والتباين مع المسار الانقلابي وجوقة داعميه أفضل مستقبلا للحركة الاجتماعية والشعبية.
فالمقاطعة النّشيطة للمسخرة والعمل الدؤوب في شرح أهدافها ومراميها وسط “النخبة” وضمن الطبقات والفئات الشعبيّة وجمهور المهمّشين من شأنه التقدّم في وضع اللَّبِنات الأولى لرسم خطّ التمايز بين منظومة الحكم وبين ضحاياه.
والمقاطعة النشيطة من خلال تكتيل البعض من القوى السّياسية الدّيموقراطية والمدنية والإجتماعيّة هي رافعة التقدّم لاحقا في الشروع الجادّ في تغيير موازين القوى الطبقيّة الذي بإمكانه تقليم أظافر الديكتاتورية وإيقاف زحفها في انتظار الظروف المُواتية لكنسها والتخلّص النهائي من شرورها.

إلى الأعلى
×