الرئيسية / صوت الوطن / عن السّلطة والمعارضة في منظومة 54 جويلية
عن السّلطة والمعارضة في منظومة 54 جويلية

عن السّلطة والمعارضة في منظومة 54 جويلية

بقلم ماهر الزعق

إنّ الواقع عنيد ويكشف المكر البدائي والمُبالغات السخيفة والمُغالطات عديمة الحياء، إملاءات صندوق النقد الدولي تُنفّذ بدهاءٍ، ارتفعت المديونية الخارجية، ازدهر التهريب، تمّ تجريم “تجريم التطبيع” مع الكيان الصهيوني، الحقّ النقابي والحقّ في الإضراب أصبحا من الذكريات… بالاستبلاه والاستعراض، بالتدفئة والتنويم، “يقاوم” غلاء المعيشة الذي لم يسبق له مثيل والانحدار الذي يطال كلّ الميادين، ومهما كُنت حَسن الطويّة ومهما فتّشت فلن تجد إنجازا واحدا يُحسب لمنظومة 54 جويلية، إلاّ إذا اعتبرت ترسيخ الاستبداد من ضمن الإنجازات.
استبداد 54 جويلية فريد من نوعه، حتى وإن سبق لحركة النهضة أن حاولت فرض صيغة مشابهة، إلاّ أنّها مُنِيت بهزيمة ثقيلة وبفشل ذريع، فالجمع بين احتكار السلطة وتقمّص دور المعارضة بالإضافة إلى تركيع المعارضة هي برِكة الاستبداد الجديد وهو أمر يستحّق التدريس ومهزلة بكلّ المقاييس.

احتكار السلطة

هو الآمر الناهي، لا يُحاسب ولا حتى يُسأل، هو الرئيس، هو الوزير والسفير، هو الوالي والمدير، هو المرسوم والقانون، هو الدستور، هو القاضي وهو النيابة العمومية، هو الإمام وهو الإعلام، هو البوليس وهو السجّان، وحده من يتكلّم والبقية الباقية عليها السمع والطاعة، دعك من جوقة المفسّرين والمهرّجين فمهمّتهم احتكار العفَن والتفاهة، لكن معاليه، معاليه فوق الجميع، معاليه مكلّف برسالة وكما قال الشاعر: “ما كيفو حدّ”.

الاحتجاج على السلطة

يحتكر السلطة ويحتجّ عليها، يحتجّ على فقدان السيادة الوطنية، على سرقة أموال الشعب، على استفحال الخصاصة وازدهار الفساد وتنامي الاحتكار وتفاقم البطالة وعلى “أمّك صنّافة”، وطبعا دغدغة العواطف و”لبّيك يا أقصى”… لكن وكما سبق أن ذكرنا فإنّ الواقع عنيد ويكشف التعارض العُضال بين الأقوال والأفعال.

ترهيب المعارضة

المعارضة الفعلية والمعارضة الانتهازية، المعارضة السياسية والمعارضة المدنية، لا ولن يسلم أحد، لا حزب ولا نقابة، لا منظمة ولا جمعية ،لا مدوّن ولا صحافة، لا من حكم ولا من عارض، لا من تملّقه ولا من تجنّبه… إلخ. كلّهم مدانون مُسبقا، الجميع سُجناء، سُجناء مع النفاذ العاجل أو مع تأجيل التنفيذ؛ مولانا لا يمزح مع القانون، لكن في الأمر بعض من المنطق إن كنتم لا تعلمون، فما دام هو المعارضة فالآخرون هم أطراف المؤامرة والواجب يقتضي التشهير بهم وتسليط أشدّ العقاب عليهم، انتهت الفسحة وبُهت الذي كفر!

أين المشكل؟

يكمن المشكل في تزييف الوعي وتشويش الذهن، فحين يكون الواقع باعث على اليأس والحزن والخمول والعجز والانصياع والاستسلام، حين تكون الأفعال والنتائج مخيّبة للآمال، حين يلهث المواطن كامل اليوم لتوفير الغذاء والأمان، حين يضيع الطريق عن البصر والبصائر، حين يؤدي التستّر على الإحباط والتنفيس عن الغمّ إلى التشبّث بالأوهام وتصديق ما يقوله الإعلام، حينها يصبح الرئيس / المعارضة ليس مسؤولا عن تدهور الأوضاع، لأنّ المسؤولية تقع على عاتق من يعارضون الرئيس الزاهد والنظيف، وبناء عليه ينبغي على الرئيس / السلطة أن يقتصّ منهم وأن يقطع دابرهم، هؤلاء “الخونة الأشرار، ألا لعنة الله عليهم “، وكلّما زادت الأوضاع سوءً، نتيجة غياب الإرادة وانعدام الكفاءة لدى الماسك بالسلطة، كلّما زادت الحاجة إلى الاستعراض والتهريج وإلى تقليم أظافر المعارضين للرئيس، الجهاز يتوالى المنع والقمع والجمهور يرقص جوعا وشماتة و”اعطس يا أبانا، نحن في ديمقراطية” هكذا توجّه العمدة للأب مانويل في رواية “ساعة شرّ” لغابريال غارسيا ماركيز.
لتلخيص المقال، إليكم هذا السؤال: خطّ الصدع واضح في البناء الفكري والسياسي للرئيس، فلماذا لا تراه الجماهير؟ ولا بأس من تذكير كلّ ماكر نصّاب أنّ ما تأتي به الزّوابع تأخذه الرّياح.

إلى الأعلى
×