بقلم منور السعيدي
ما يُطرح اليوم تحت مسمّى “مشروع الخبز بالنخالة” ليس مجرد إجراء تقني أو خيار غذائي عابر، بل هو عنوان فجّ لمرحلة كاملة من السياسات التي تستهدف قوت الشعب وكرامته معًا. إن محاولة تسويق هذا المشروع كحل صحي أو بديل اقتصادي ليست سوى غطاء مفضوح لسياسة تقشفية عدوانية تُفرض بالقوة الناعمة على الفئات الشعبية، وتُغلّف بخطاب مضلل يخفي حقيقتها: تجويع منظم، وإعادة هندسة الفقر ليصبح قاعدة دائمة لا استثناء عابر.
لا يمكن قراءة هذا التوجه إلا في سياق تاريخي طويل من الصراع بين شعبٍ يطالب بحقه في العيش الكريم، وسلطةٍ دأبت على المساس بقوته كلما اشتدت أزماتها. فالخبز في تونس لم يكن يومًا مجرد مادة غذائية، بل كان دائمًا خطًا أحمر، وكل من حاول تجاوزه وجد نفسه في مواجهة غضب شعبي لا يُقهر. والتاريخ شاهد لا يُكذّب.
حين اندلعت أحداث الخبز 1984، لم يكن السبب مجرد زيادة في الأسعار، بل كان تعبيرًا عن تراكم طويل من التهميش والاحتقار لذكاء الشعب وكرامته. آنذاك، خرجت الجماهير إلى الشوارع لأنها أدركت أن المساس بالخبز هو إعلان حرب على الفقراء. وقد دفعت السلطة الثمن سياسيًا واجتماعيًا، واضطرت إلى التراجع تحت ضغط الشارع. لم تكن تلك الأحداث مجرد “أعمال شغب” كما حاول البعض تصويرها، بل كانت انتفاضة كرامة ضدّ سياسات التجويع.
وقبل ذلك، شهدت البلاد إضراب 26 جانفي 1978، الذي شكّل محطة مفصلية في تاريخ الصراع الاجتماعي، حيث انفجر الاحتقان نتيجة سياسات التفقير وقمع العمل النقابي. كان ذلك اليوم إعلانًا واضحًا بأن الطبقات الشعبية لن تقبل بأن تُداس حقوقها باسم الاستقرار أو التوازنات الاقتصادية.
ثم جاءت انتفاضة الحوض المنجمي 2008، لتؤكد من جديد أن التهميش ليس مجرد رقم في تقارير التنمية، بل هو واقع يومي يولد الغضب والانفجار. هناك، في عمق البلاد، حيث الثروات تُستخرج ولا تعود على أصحاب الأرض، عبّر الناس عن رفضهم لسياسات الإقصاء والحرمان.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن تتوج هذه المسارات بـ الثورة التونسية 2011، التي أسقطت رأس النظام لكنها لم تسقط منظومته الاقتصادية. كانت تلك الثورة صرخة مدوية ضدّ البطالة والفقر واللاعدالة وضد دولة تعاملت مع مواطنيها كأرقام يمكن التضحية بها في سبيل إرضاء الدوائر المالية الدولية.
اليوم، ومع طرح مشروع الخبز بالنخالة، يبدو وكأن السلطة لم تتعلم شيئًا من هذا التاريخ. بل إنها تُعيد إنتاج نفس الأخطاء، بنفس الغطرسة، ونفس الاستخفاف بوعي الشعب. الفرق الوحيد هو أن الخطاب أصبح أكثر مراوغة، حيث يتمّ تقديم التراجع كـ“إصلاح“، والتقشف كـ“ضرورة“، والتجويع كـ“خيار صحي“.
إن الحديث عن إدخال النخالة في الخبز تحت ذريعة الفوائد الصحية هو إهانة مزدوجة: إهانة للعقل وإهانة للكرامة. لأن المسألة ليست خيارًا حرًا بين أنواع مختلفة من الغذاء، بل هي فرض قسري على من لا يملك القدرة على الاختيار. هل يُطلب من الأغنياء أيضًا استهلاك هذا الخبز؟ هل تُفرض عليهم نفس “الإصلاحات الصحية“؟ الجواب واضح: لا. وهنا ينكشف الطابع الطبقي الفجّ لهذه السياسات.
ما يحدث اليوم هو إعادة إنتاج لنفس منطق “شدّ الحزام” الذي لم يُشد يومًا إلا على بطون الفقراء. نفس الفئات تُطالب بالتضحية، ونفس الفئات تُحمّل مسؤولية الأزمة، بينما تظل الامتيازات محفوظة لمن راكموا الثروات على حساب الشعب. لا ضرائب جدية على كبار الأثرياء، ولا محاسبة للفاسدين، ولا استرجاع للأموال المنهوبة، فقط مزيد من الضغط على من لا يملكون شيئًا.
إن مشروع الخبز بالنخالة ليس إجراءً معزولًا، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من السياسات التي تهدف إلى تفكيك ما تبقى من الدولة الاجتماعية. تقليص الدعم ورفع الأسعار وتدهور الخدمات، والآن المساس بجودة الغذاء الأساسي. كل ذلك يتمّ تحت شعار “الإصلاح“، بينما الحقيقة هي إعادة توزيع للفقر، لا للثروة.
الأخطر من ذلك أن هذه السياسات تسعى إلى تطبيع التراجع، وجعل الفقر أمرًا عاديًا. يُقال للناس: “تأقلموا، هذا هو الواقع“. لكن التاريخ التونسي يقول العكس: كلما تمادت السلطة في الضغط، انفجر الشارع. الشعب الذي انتفض في 1978 و1984 و2008 و2011 لن يقبل بأن يُدفع مرة أخرى إلى الهامش دون ردّ.
إنّ ما يُطرح اليوم هو شكل من أشكال العنف الاجتماعي الممنهج، حيث يتمّ تجويع الناس ببطء، دون إعلان رسمي، لكن بنتائج ملموسة في حياتهم اليومية. وهذا أخطر من القرارات الصريحة، لأنه يُمرر تحت غطاء تقني، ويُفرض كأمر واقع.
كما أن هذا المشروع يكشف عن غياب كامل لرؤية وطنية مستقلة في مجال الأمن الغذائي. فبدل الاستثمار في الفلاحة، ودعم الفلاحين، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، يتمّ اللجوء إلى حلول ترقيعية تُكرس التبعية للخارج وتُضعف قدرة البلاد على الصمود.
إن الحل لا يكمن في تغيير مكونات الخبز، بل في تغيير السياسات. يجب إعادة الاعتبار للفلاحة الوطنية، وتوفير الدعم الحقيقي لصغار الفلاحين، وضمان أسعار عادلة، ومكافحة الاحتكار، وفرض ضرائب على الثروات الكبرى. هذه هي الإصلاحات الحقيقية، لا فرض خبز أقل جودة على الفقراء.
إن المعركة اليوم ليست تقنية، بل سياسية بامتياز. هي معركة حول من يدفع ثمن الأزمة، ومن يستفيد منها. وهي أيضًا معركة حول الكرامة: هل يُقبل أن يُفرض على الشعب أن يعيش على الحد الأدنى، بينما تُهدر ثرواته؟
في الختام، فإن مشروع الخبز بالنخالة ليس سوى شرارة جديدة في سياق قابل للاشتعال. والتاريخ التونسي مليء بالدروس لمن يريد أن يتعلم: المساس بالخبز ليس تفصيلًا، بل خط أحمر. ومن يتجاهل هذا الخط، إنما يغامر بدفع البلاد نحو موجة جديدة من الاحتجاجات، قد تكون أعنف وأعمق من سابقاتها. لأن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى، ولا تقبل أن تُجَوَّع بصمت.
صوت الشعب صوت الحقيقة
