بقلم : علي الجلولي
بتجاوز العدوان الصهيو–أمريكي أسبوعه الخامس، وافق إيران على هدنة لمدة أسبوعبن تبدأ يوم 8 أفريل ليتحوّل ميدان القتال إلى طاولة التفاوض الذي يبدو أنه سيكون مباشرا هذه المرة. بالتوازي مع ذلك يتواصل السجال لتقييم ما يجري وآفاق تطوره. ففيما يتجه بعض المحللين العسكريين إلى اعتبار أن هذه الحرب لا غالب فيها ولا مغلوب، فالاستهداف ووتيرته وحجم آثاره يكاد يكون متناسبا إن لم يكن كمّيا فنوعيا. يتجه محللون آخرون إلى اعتبار حقيقة ما يجري في ميدان الحرب إنما هو تفوّق واضح لإيران من جهة الكثير من المعطيات والمحددات التي يجب اعتبارها في تقييم الوضع. فيما يتجه صنف ثالث إلى تأكيد انهزام إيران وهو موقف الاستسلاميين، والطابور الخامس الذي لا يكاد صوته يُسمع في ضوضاء ما يجري. وفي كل الحالات يكاد الجميع يتفق على أن المنطقة تعيش تحولا مهمّا في معادلات الصراع وحقيقة ميزان القوى بين الفاعلين الإقليميين والقوى الدولية التي تقف وراءها.
إيران تصمد وتلوح بمزيد من الصمود
إن الإقرار بهذا الأمر لا يستند إلى خلفية الانحياز والتعاطف مع إيران باعتبارها الطرف المعتدى عليه في هذه الحرب العدوانية اللصوصية، بل استنادا إلى المعطيات الحسّية والواقعية التي تبدو أمام أنظارنا رغم الحرص الكبير لكيان الاحتلال ولإدارة الحرب الأمريكية على التكتم الشديد على حقيقة الضربات التي تصل الجهات المعتدية وتشمل مقدراتها ومنشآتها العسكرية والأمنية والمدنية، ومن المعلوم أن ذلك ظل على الدوام جزء من سيرورة الحروب العدوانية بهدف المسّ من نفسية ومعنويات العدو وأنصاره. ورغم ذلك فإن ما رشح من معطيات يؤكد صمود إيران التي تعاني الحصار الجائر منذ قرابة نصف قرن، ولا أدلّ على صمودها هو استمرارها في الرد لمدة خمسة أسابيع دون انقطاع، وهي لا تكتفي بالرد بل أحيانا تبادر بالقصف وتوجيه الضربات التي تستهدف واجهات متعددة وكبيرة تمتد من كيان الاحتلال إلى مجمل القواعد الأمريكية على طول الخليج. كما أنه من المعلوم أن هذه الحرب تقابل إيران مع قوتين عسكريتين ضخمتين هما الولايات المتحدة القوة العسكرية الأولى في العالم وكيان الاحتلال المرتب خامسا في قدراته العسكرية، وهو كيان حرب محترف، فيما تعاني إيران صعوبات اقتصادية متراكمة علما وأن آلة الحرب الأمريكية تجد التمويل السخي من أنظمة الخليج التي ارتهن وجودها أصلا بالحماية الأمريكية، لذلك فهي توزع ريع نفطها بين فساد عروشها وبين جيوب حماتها بمن فيهم كيان الاحتلال الذي يعتبر حليفهم الأساسي والاستراتيجي في وجه “المحور الشيعي” بقيادة إيران.
إن ما يرجح لدينا صمود إيران ليس فقط استمرارها في المواجهة بل أيضا وأساسا فرضها لمعادلات جديدة في الصراع وأهمها الاحتكام إلى قاعدة “العين بالعين” فكلما طال منشآتها عدوان ردت لمنشآت تقابله، وآخرها استهداف المستشفيات والجامعات. كما أن توجيه ضربات متزامنة إلى أكثر من مكان في كيان الاحتلال وعلى القواعد العسكرية والمواقع الأمنية والاستخباراتية الأكثر تحصينا بما أسقط أكذوبة القبة الحديدية، وكذلك في إمارات الخليج والمحيط الهندي، وأيضا استهداف المنشئات النفطية والطاقية، إنما هو تحول مهمّ في قدرات إيران التي صرح المجرم ترامب أكثر من مرة بكونه نسف قدراتها وأنها باتت عاجزة على رد الفعل، لكن معطيات شاشات الأثير سفهته ألف مرة. وثالث الأدلة القطعية على الصمود والثبات هو رفض الهدنة بالشروط الأمريكية ورفض التفاوض المباشر ومقابلة شروط ترامب بشروط تضاهيها بما أسس لمعادلة جديدة تقابل قوتين متوازنتين وهو معطى مهمّ وأساسي ويعكس تحولا في الأوضاع الإقليمية والدولية ومفاده أن يد الوحش الأمريكي بدأت ترتخي ولم تعد طولى ومطلقة النفوذ. وما الآجال التي أعلنها ترامب تباعا، فضلا عن المغالطات التي يسوقها في خطاباته اليومية ومن أهمها أكاذيبه في خطابه إلى الشعب الأمريكي حول الحرب وعزل قائد الأركان والتضارب الذي تصاعد في تصريحاته ممّا دفع بعضا من المقربين منه، أي من صقور إدارته، إلى الاستقالة والإقالة مثلما فعل أعضاء من المجلس القومي الأمريكي وخاصة المرتبطين بالمجال السيبراني وهو ما يعكس حالة الارتباك في إدارة الحرب الأمريكية. كما يعتبر الجدل الكبير في مجلسي النواب والشيوخ الرافض لتخصيص 800 مليار دولار إضافية للمجهود الحربي، والذي يشهد تداعيات كبيرة في المجتمع الأمريكي الذي يتحرك اليوم بالملايين رفضا لسياسات ترامب الداخلية والخارجية وهو معطى مهمّ يذكّر بالتحركات الجماهيرية الواسعة ضد حرب الفيتنام التي شكلت ضغطا حيويا على الإدارة الأمريكية لإيقاف العدوان. علما وأن شعبية المجرم ترامب وصلت إلى الحضيض في الأيام الأخيرة.
في المقابل من ذلك تعرف الساحة الإيرانية تعزيزا لعناصر القوة وخاصة من خلال إعادة ترتيب الأولويات والتناقضات من جهة قوى المعارضة الوطنية وعلى رأسها المعارضة اليسارية الثورية والنقابات والفعاليات المدنية التي انخرطت دون تردد في الدفاع عن الوطن المستهدف، وهي بذلك تكون قد صفعت أعداء إيران الذين يراهنون على غضب الشعب الإيراني وسخطه حتى يصطف وراء الغزاة لإسقاط النظام وتعويضه بنظام طيّع وعميل. وقد عكست صور الآلاف من النساء والرجال محتشدين فوق الجسور وأمام المنشآت المستهدفة بالنسف حقيقة دور المجتمع الإيراني ووعيه الحاد بمهمات المرحلة.
العدوان وتداعياته على المنطقة
لا شك أن تعقيدات الوضع ومراوحته –على العموم– مكانه أمر لن يستمر إلى ما لا نهاية، وما الهدنة رغم هشاشتها إلا لحظة في سيرورة الصراع المعقد في المنطقة والعالم. لقد عمل الحلف الصهيو–أمريكي–خليجي أقصى جهده على حسم العدوان بإسقاط نظام إيران وإضعاف قدراته بما ييسّر عملية الانتقال بمشروع الشرق الأوسط الجديد إلى نقطتها الحاسمة أي نقطة تصفية الخصوم الأكثر شراسة وإزعاجا بقيادة إيران حتى يتم الاستفراد بـ“الخصوم” الناعمين ممثلين في “المحور السني” وخاصة مثلث تركيا/السعودية/مصر ثم أقطار شمال إفريقيا وتحديدا الجزائر، وذلك حتى يستقر الوضع لصالح الحلف الصهيو–أمريكي ليستفرد بالمنطقة ومقدراتها وثرواتها.
إن وضوح أهداف هذا الحلف تتصادم اليوم لا مع تمسك إيران باستقلالها واستقلاليتها وبتحرك “محور الممانعة” لإسنادها، بل أيضا من قبل بقية القوى الامبريالية بما فيها الأقرب إلى الولايات المتحدة وكيان الاحتلال أي الدول الأوروبية التي تعرف علاقتها بإدارة ترامب تصادما شهد ذروته في رفضها الالتحاق بالعدوان حتى تحرير مضيق هرمز الذي أصبح أحد أبرز عناوين الصراع في المنطقة. إن انحصار العدوان في مجرمي الحرب ناتن ياهو وترامب، مقابل تمايز معلن وخفي من قبل بقية القوى الغربية والشرقية (روسيا والصين)، يعسّر مهمة الوحش الصهيو–امريكي الذي بات معزولا في حرب أرادها خاطفة. إن استمرار الحرب بتكاليفها الاقتصادية والمالية الباهظة والتي باتت تعمق أزمة دولتي العدوان، فرض اليوم على ترامب تحويل عدد كبير من جنوده إلى المنطقة والتلويح بنشرهم لاختراق الأراضي الإيرانية تارة، وتحرير مضيق هرمز طورا، وهو ما غبطت له إيران التي تريد جرّ المجرم الأمريكي إلى حرب استنزاف طويلة الأمد كما تريد جره إلى الحرب على الأرض كي تذيقه ما يرعبه ويرعب جيشه من حروب المسافة صفر. إن هذا التخبط يعكس من جهة العنجهية ومنطق البلطجة واللصوصية التي قادت هذا العدوان منذ لحظته الأولى، ومن جهة التخبط والفشل الذي تدفع فاتورته الشعوب بما فيها الشعب الأمريكي ذاته الذي تشهد أوضاعه الاجتماعية والمعاشية تدهورا كبيرا، فضلا عن تسميم السلم الاجتماعية في مجتمع متعدد الأعراق والديانات والثقافات.
أمّا عن كيان الاحتلال فتشهد أوضاعه تدهورا غير مسبوق وهو الذي تعود على الحروب الخاطفة والرابحة. إنه يتجرع اليوم سموم ما زرعه منذ عقود باغتصاب أرض واحتلال شعب. إن رعاياه يعيشون بالكامل في الأنفاق والملاجئ، ومجمل حراكه الاقتصادي والاجتماعي متعطل منذ مدة وتعرف سردية السيطرة والتفوق في صفوفه تراجعا يعكسه تنامي الهجرة العكسية التي تقابلها أجهزة الاحتلال بالقمع والمنع، كما تشهد حرية التعليق على الأحداث والنشر مصادرة شاملة تنسف أكذوبة أن كيان الاحتلال هو “الديمقراطية الوحيدة” في غابة الاستبداد المحيط بها. علما وأن تركيز آلته الحربية على تدمير لبنان وإلحاقها بقطاع غزة عززت العداء له في العالم بمزيد كشف طبيعته الموغلة في النازية.
الحروب اللصوصية تعزز مناهضتها
بالعودة إلى التجربة الإنسانية المعاصرة يتأكد لنا أن أغلب الحروب اللصوصية التي تم خوضها من طرف الامبريالية وأذنابها في أماكن عديدة من العالم تخلق قناعة عميقة لدى جمهور واسع بضرورة مناهضة هذه الحروب التي يعيش الجمهور الواسع تداعياتها بالملموس في معيشه اليومي. لقد تضاعفت أسعار النفط والطاقة وتجاوزت 120 دولار بعد أن كانت قبل شهر لا تتجاوز 70 دولار. صحيح أن الامبريالية وجدت بعض الحلول الترقيعية والمؤقتة بفتح الباب أمام النفط الروسي كي يلج السوق العالمية للضغط على الأسعار، لكن بعض البلدان وفي مقدمتها الولايات المتحدة فتحت الباب للتصرف في احتياطاتها الاستراتيجية وهو ما ستكون لديه كلفة مالية واقتصادية باهظة، وها هي دول العالم تشرع تباعا في ضخ تمويلات إضافية وإعداد ميزانيات تكميلية، وهو ما سيكون حتما على حساب الواجهات الأساسية في التعليم والصحة والنقل والبيئة… لقد كان شعار المتظاهرين الأمريكيين “لا ملوك” معبّرا وعميقا وعبّأ الملايين في مختلف الولايات الأمريكية ضد عنجهية المجرم ترامب وإدارته، كما أن خروج الحرائر والأحرار في أغلب بلدان العالم ضد الهيمنة الامبريالية والحروب العدوانية هي بصدد تعزيز تيار أممي مؤثر ضد الحروب اللصوصية والعدوانية، تيار يعي تدريجيا ارتباط العدوان بالرأسمالية كطبقة لم تجلب للمجتمع سوى التدمير لذلك لا بد من مجتمع جديد وحضارة جديدة تكون إنسانية فعلا وبلا حروب ولا ملوك ولا أمراء حروب، إنه مجتمع الاشتراكية وحضارتها.
صوت الشعب صوت الحقيقة
