الرئيسية / عربي / تنقيح الدستور في الجزائر: تعبيد الطريق إلى الحكم الفردي المطلق
تنقيح الدستور في الجزائر: تعبيد الطريق إلى الحكم الفردي المطلق

تنقيح الدستور في الجزائر: تعبيد الطريق إلى الحكم الفردي المطلق

بقلم عياشي بالسايحية

تتلاعب الأنظمة الاستبدادية بدساتير بلدانها وقوانينها من أجل تأمين استمرار نفوذها وهي في أغلبها أنظمة رئاسوية تعود فيها كل السلط إلى الرئيس. وعلى خلاف الأنظمة الديمقراطية التي يكون فيها الرئيس مواطنا منتخبا يتمتع بسلطة محدودة دستوريا وقانونيا له حقوق وعليه واجبات وحالما تنتهي عهدته يغادرها دون ضجيج، فرئيس أنظمة الاستبداد ليس له من همّ سوى تأبيد حكمه وديمومة عرشه؛ فهو ومنذ تسلمه الكرسي تبدو له العهدة قصيرة ولا تكفيه من أجل تحصيل الأقصى من امتيازات السلطة، فيباشر التفكير في وضع أسس لتأمين وجوده. وحتى لا يكون ذلك بشكل مفضوح وسافر ليس أمامه من سبيل أفضل من تأثيث النصوص الدستورية والقانونية على قياسه ووفق رغباته. وهو بالضبط ما أقدم عليه الرئيس الجزائري تبون في خطوة أثارت جدلا واسعا لا داخل الأواسط الجزائرية وحسب بل وأيضا لدى المتابعين للشأن السياسي في العالم، ولا يتطلب الأمر عبقرية سياسية ولا جهدا كبيرا لفهم الأهداف الحقيقية من وراء هذه الخطوة التي أطلق عليها مسمى “تنقيح تقني للدستور” لإيهام الرأي العام الجزائري بأنه مجرد تنقيح شكلي لسد بعض الثغرات التي تضمنها تنقيح 2020 ولدعم “الانسجام بين السلط”. ولكن الحقيقة غير ذلك تماما؛ فهو تنقيح أصلي يمس عمق الحكم والسلطة وليس المقصود بـ”الانسجام بين السلط” سوى تقنين الاصطفاف السلطوي وراء الرئيس الذي يكون بمقتضى ذلك برتبة ملك تخضع له جميع السلط والمؤسسات أو بعبارة أدق يتحول الرئيس إلى السلطة الوحيدة التي تجمع كل السلطات وتتحول كل السلطات إلى مجرد وظائف تأتمر بأوامر الحاكم بأمره. ولا يتطلب منا الأمر عناء كبيرا للتأكد من مظاهر التوجه نحو إرساء معالم الحكم الفردي المطلق. إذ من جهة أوكلت مهمة الإعداد لكل الانتخابات إلى مصالح وزارة الداخلية من إعداد السجل الانتخابي وتحيينه إلى التدخل في قسط كبير من مراقبة الانتخابات وبالتالي تهميش دور ما يسمى بالسلطة الوطنية للانتخابات المنتج الأساسي لكل السلطات وحصر مهمتها في المراقبة الشكلية التي لا يمكن في أي حال من الأحوال أن تضمن نزاهة الانتخابات وشفافيتها.

ومن جهة ثانية ألغى التنقيح التمثيل النقابي داخل المجلس الأعلى للقضاء أي محو كل صوت يمكن أن يكون نشازا داخل هذه المؤسسة ومعكّرا لصفو “الانسجام” بين السلط. ومن جهة ثالثة فإن هذا التنقيح عزز صلاحيات الرئيس في الدعوة إلى انتخابات محلية مبكرة وهي الانتخابات التي يمكن اعتبارها المحددة في نتائج كل الانتخابات الأخرى لطبيعة علاقتها المباشرة بالمواطنين ومصالحهم.

وخلاصة القول فبهذا التنقيح يكون تبون رئيسا للسلطة التنفيذية وفق أحكام القانون ورئيسا للسلطة التشريعية بحكم الواقع السياسي وموازين القوى السياسية ورئيسا للسلطة القضائية لتحكمه في تشكيل المجلس الأعلى للقضاء وأيضا متحكما في العمليات الانتخابية بتهميشه للسلطة الوطنية للانتخابات وإخضاع هذه الأخيرة لوزارة الداخلية.

فالرئيس تبون أعلن بعد التنقيح الأخير بأنه الملك الذي يحكم الجزائر ولا سلطان عليه بل هو السلطان الأوحد الأحد ، وبهذه الصورة فإن الشعب الجزائري العظيم يقدم على مرحلة حالكة قد تعصف بما أنجزه من مكاسب اجتماعية وسياسية في نضاله ضد عصابات الاستعمار خلال معركة التحرير وضد عصابات الإرهاب خلال العشرية السوداء وضد نظام العمالة والاستبداد الحاكم في الجزائر، ولم يبق أمام الشعب الجزائري الشقيق سوى العودة إلى النضال من أجل إجلاء منظومة الحكم الفردي ومزيدا من النضال المنظم من أجل قطع الطريق أمام عودتها في أشكال وألوان جديدة وإرساء منظومة الحكم الشعبي الديمقراطي الذي يضمن سيادة الشعب وكرامته على قراره السياسي وعلى ثروات بلاده وتوزيعها توزيعا عادلا على أبناء الشعب الواحد.

إلى الأعلى
×