بقلم هيثم المحجوبي
“..وعهد بالقضية لرئيس المحكمة الابتدائية بصفاقس المنصف الحمزاوي والذي لم يكن يجلس في العادة الاّ في القضايا المدنية لكن بصفة استثنائية طلب منه محمد فرحات(الوكيل العام للجمهورية آنذاك) أن يتعهّد بالملف ويقضي في القضية. كما طلب من وكيل الجمهورية بصفاقس بولبابة بن يحيى إلقاء مرافعة النيابة العمومية وكانت مرافعة مكتوبة. .وكان بولبابة بن يحيى لا يخفي قناعته ببراءة الحبيب عاشور، وما أن بدأ في إلقاء المرافعة التي تضمنت إدانة شديدة للحبيب عاشور حتى بدأ العرق يتصبّب غزيرا منه وأخذ وجهه يصفرّ وخفت صوته ثم سقط من كرسيه مغشيا عليه “
هكذا تحدث الفقيد العميد الأستاذ منصور الشفي في سياق شهادته بخصوص محاكمة الحبيب عاشور على خلفية غرق الباخرة الرابطة بين قرقنة وصفاقس.(*) ولعل أول ما قد يجول بخلد كل قارئ مهما كانت درجة اطلاعه على اوضاع البلاد اليوم ان الأجيال السابقة من النقابيين لم تكن أوفر حظا من الجيل الحالي وأن كل النقابيين بتونس “في الهم شرق” على قول الشاعر أحمد شوقي. وسنحاول من خلال هذا النص رصد أهم مرتكزات توظيف القضاء لضرب حرية العمل ونعني أولا عدم الاعتراف القانوني بالحق النقابي وثانيا توظيف الجهاز القضائي لضرب حرية العمل النقابي.
عدم الاعتراف بالحق النقابي سياسة دولة
كثيرا ما يتردد على أسماعنا أن لا أحد في تونس يحاكم من أجل التعبير عن رأيه وأن مسيرات للمعارضة تجوب البلاد بحماية من الأجهزة الرسمية للدولة وأن محاكمات الناشطين السياسيين والجمعياتيين والحقوقيين وأنصار البيئة وغيرهم هي إنفاذ للقانون ضد مجموعات من الجناة والجانحين. ولقد كان للاتحاد والحركة النقابية ككل نصيب لا بأس به من هذه المحاكمات طورا بتكييف قانوني يجرم ممارسة الحق النقابي وبتهم كيدية انتقامية طورا آخر. وجدير بالملاحظة في البداية أن الحق النقابي وسلاحه التاريخي، أي الحق في الإضراب كان بالنسبة لدولة الاستعمار الجديد منذ مشروع دستور 9 جانفي 1957 أداة غير مرغوب فيها مستقبلا ووجب قبرها. فقد نص مشروع الدستور المذكور مثلا على الحق في الإضراب لكنه قيده بشروط يضبطها القانون ويخنقه فعليا. أما مشروع دستور 30 جانفي 1958 ولئن نص على أن “الحق النقابي للدفاع عن المصالح المهنية مضمون لجميع المواطنين والحق في الإضراب يضبطه القانون” فإنه تم إسقاط هذا المشروع فجاء الفصل 22 من الدستور في صيغة عامة أقرب الى إعلان النوايا منها الى تثبيت الحقوق والتأكيد أن”الحق النقابي مضمون”.
ولقد تضمن دستور 2014 أول اعتراف قانوني بالحق النقابي والحق في الإضراب كركيزة أساسية له حيث نص في الفصل 36 منه على أن”الحق النقابي بما في ذلك الحق في الإضراب مضمون “. ولئن أقر دستور 2014 وما أعقبه الحق النقابي والحق في الإضراب فإن ممارسة هذه الحقوق ظلت منقادة بصيغة إعلان النوايا لدستور 1958. فلا أثر في قانون الوظيفة العمومية ولا مجلة الشغل ولا غيرها من النصوص القانونية لأي تعريف قانوني دقيق للحق النقابي أو الحق في الإضراب الشيء الذي أضعف قدرة العمال عموما على استعماله بنجاعة وبقاء هذا الحق رهين تأويلات تفرغه في كثير من الأحيان من كل محتوى. وجدير بالذكر أن أول تعريف قانوني للحق في الإضراب قد صدر عن الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب تحت عــ44885دد المؤرخ في 23 نوفمبر 1995 لتجاوز حالة الفراغ التشريعي بخصوص الحق في الإضراب دون أن تتوسع في ضبط تعريف للحق النقابي.أما مجلة الشغل فقد وقفت في حدود تنظيمه وتحديد شروط ممارسته تحت عنوان تسوية نزاعات الشغل الجماعية وهو ما اعتبره كثيرون إخراجا للحق في الإضراب من محور الحق النقابي إلى محور النزاعات الشغلية. أما الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي تحظى بمكانة أرفع من القوانين وأدنى من الدستور حسب السلم القانوني في تونس فإنها ظلت رهينة المماطلة في ملاءمة التشريعات التونسية لها أحيانا ورهينة الخطاب الشعبوي الأجوف حول السيادة الوطنية ورفض التدخل الأجنبي. وإذا كانت محكمة التعقيب قد عرّفت الاضراب بكونه “توقف مجموعة من العملة معا عن العمل قصد تحقيق طلبات مهنية وهو يقام خلافا للعقد ويستمد شرعيته من القانون الذي خوله للأجراء وفق شروط معينة وإجراءات وشروط محددة باعتباره وسيلة تمكنهم من الدفاع عن مصالحهم والحصول على تعديل في شروط العمل في مجابهة ما يتمتع به المؤجر من وسائل تنظيمية واقتصادية تجعل من الأجير تابعا له” فإن هذا التعريف ولئن تجاوز سكوت القانون عن تعريف الإضراب فإنه يظل مبتورا ولا يوفر الحماية القانونية من تكييف حق الإضراب كجريمة سالبة للحرية.
القضاء الوظيفي أداة لتجريم الحق النقابي
لئن انبنى العمل النقابي على مفاهيم التضحية والتضامن وخدمة قضايا العمال بالفكر والساعد فإن الضريبة التي دفعتها وتدفعها المنظمة النقابية منذ التأسيس إلى اليوم تظل ضريبة باهظة ولعل ذلك من أهم أسباب الاحترام الذي تكنّه الحركة النقابية العربية والعالمية للحركة النقابية في تونس. ولقد وجدت الطبقة العاملة نفسها عقب الاستقلال الشكلي في مواجهة تحالف طبقي سخر قوانين البلاد ومؤسساتها للحفاظ على العبودية المأجورة. ولقد لعب القضاء في هذا المضمار دورا ردعيا تجاه الطبقة العاملة وقادتها النقابيين فمن الاختلاف حول هيمنة حزب الدستور على المنظمات أواسط الستينات من القرن الماضي الى جانفي 1978 الى محاولة اقتحام المقر المركزي للإتحاد في 4 ديسمبر 2011 الى إعادة الكرّة الصائفة الفارطة الى طرد وسجن عشرات النقابيين في قطاعات وجهات مختلفة، واصل القضاء الوظيفي لـ25 جويلية ما بدأه قضاء حزب الدستور والتجمع الدستوري وحكومات ما بعد الثورة في ظل محاولات محتشمة وببطولات فردية أحيانا من القضاة وهياكلهم التمثيلية للثبات على مبادئ سلطة قضائية مستقلة. وقد نالت هذه الأصوات ما ناله إخوانها من قمع ومحاكمات وإيقاف عن العمل.
ولعل ما يميز سير مرفق العدالة اليوم عما مضى هو المجاهرة الرسمية بالتوظيف التام للقضاء أي اعتباره وظيفة في يد السلطة التنفيذية وويل لكل من خرج عن سراط “من برأهم فهو شريك لهم”. ولقد وجد القضاء الوظيفي في مجلة الشغل والمجلة الجزائية ترساتة من الفصول لتسليطها ضد العمال والنقابيين والزج بهم في السجون لمجرد الشبهة أحيانا ودون مراعاة لأبسط مقومات المحاكمة العادلة. ولم تسعف مصادقة تونس على اتفاقات ومعاهدات دولية تؤكد على الحق النقابي ولا عُلويتها على القوانين العمال والنقابيين من ممارسة حقوقهم في تنظيم الاجراء دفاعا عن حقوقهم. بل إن الصفة النقابية أصبحت ظرف تشديد غاب معها الحق في قرينة البراءة. كثيرا ما يتم اللجوء للفصول الأكثر زجرية في وجه النقابيين دون مراعاة للمبادئ العامة للقانون الجزائي من تطبيق النص القانوني الأرفق بالمتهم. فإذا كانت التشريعات التونسية تخرج الحق في الإضراب من مجال ممارسة الحق النقابي فإن تكييف النيابة العمومية لممارسة الحق في الإضراب يخرجه من مجال النزاعات الشغلية الذي تنظمه مجلة الشغل إلى مجال مجلة الإجراءات الجزائية كل ذلك بالتوازي مع حملات الشيطنة للنقابيين “المجرمين” المحالين من أجل قضايا جزائية. ولم يفت القضاء الوظيفي أن يستحضر آليات تشويه النقابيين أسوة بقضاة بورقيبة في فبركة ملفات بعناوين مالية أو إدارية أو حتى من قبيل تكوين وفاق إجرامي..ولم يعد خافيا على أحد ان لسان الدفاع في أغلب الأحيان يحضر للترافع مع قناعة مسبقة بأن الحكم جاهز وألا فائدة من تذكير بمبادئ المحاكمة العادلة وإجراءات تقاضي سليمة. ولا أدل على ذلك من مقاطعة الهياكل الممثلة للمحامين لعديد الدوائر وانطلاق تحركات احتجاجية من أجل إصلاح أوضاع مرفق العدالة، تشخيص تتفق حول ملامحه العامة مجمل مكونات مرفق العدالة..
لئن يمثل الحق النقابي محور الصراع الرئيسي اليوم فإن حسمه لفائدة الأجراء والاتحاد والبلاد ككل يقتضي إعادة الاعتبار لقيم النضال والتضحية والتضامن كما يقتضي رص صفوف كل القوى النقابية المقتنعة بإتحاد ديمقراطي مستقل ومناضل خلف مهمة استنهاض الحركة النقابية وفتح أفق مرحلة جديدة من تاريخ تونس ينعم فيها التونسيون بحقوقهم في ظل قضاء مستقل كضامن للاستقرار والنمو والسيادة.
______________
* قضية دبرت أواخر سنة 1965 ضد الحبيب عاشور لفقت له خلالها تهم هضم جانب حاكم تحقيق و التدليس والسماح بسياقة باخرة بدون رخصة والمشاركة في إصدار شيك بدون رصيد وتجهيز سفينة فاقدة لبعض الأوراق القانونية أصدر خلالها حاكم الناحية بصفاقس السيد الذهبي العباسي، بخصوص تهمة هضم جانب حاكم التحقيق حكما بعدم سماع الدعوى بتاريخ 30 ديسمبر 1965 فتمت نقلته بعد ثلاثة أيام من ذلك إلى أحد المحاكم بأقصى الجنوب التونسي حيث قضى خمس سنوات بها.. قبل استئناف هذا الحكم واصدار أحكام تدين عاشور. وطرد على اثرها من الديوان السياسي وهي قضية يؤكد نقابيون ومؤرخون أنها مفتعلة على خلفية رفض عاشور لمخرجات مؤتمر الحزب عام 1964 التي قضت بوضع اليد على المنظمات الوطنية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
