بقلم عمار عمروسية
شهد المشرق العربي طوال العامين الماضيين من العدوانات الصهيو-أمريكية تغييرات عميقة متسارعة مثّل “لبنان “واحدا من فضاءاتها التّي تكثفت فيها تلك التداعيات التي يمكن حوصلتها في عمق الضربات العسكرية والاستخباراتية التي لحقت حزب الله، الأمر الذي زاد من حجم ليس فقط الأسئلة حول مستقبل حزب الله والمقاومة اللبنانية وإنما غذّى منسوب الشكوك حول قدرات الحزب على مواصلة لعب أدواره على الساحتين المحلية والإقليمية.
ومعلوم أن تلك الأسئلة والشكوك قد تزايدت بعد كمون حزب الله وانضباطه التام لمقتضيات اتفاقية 27 أكتوبر 2024 بالرغم من استمرار العدوان الصهيوني وبلوغه مستويات شديدة المخاطر على المقدّرات البشرية والعسكرية للحزب زيادة عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بيئته الحاضنة بالجنوب وعلى امتداد الأراضي اللبنانية.
فالخمسة عشر شهر التي أعقبت تلك الهدنة كانت بالنسبة للكيان الصهيوني بمثابة الفرصة الأنسب للعربدة والصلف ضد المقاومة وشعبها لاستكمال مشروع تصفية المقاومة والإجهاز عليها لتعبيد الطريق أمام إدخال “لبنان” إلى زريبة دول التطبيع بما ينسجم مع مقتضيات النظام الرسمي العربي القابل بكل صنوف الإذلال والتبعية المخزية للإمبريالية الأمريكية وقاعدتها المتقدمة “إسرائيل “.
لقد كمن الحزب وصمت سلاحه، الأمر الذي جعل قوى اليمين الرجعي العميل على الساحتين العربية والمحلية تسارع الزمن من أجل الثأر من المقاومة، وبلغ الأمر حدود التآمر من أجل تصفية وجودها من المشهد السياسي اللبناني لفائدة سلطة عون /سلام الموغلة في الغدر والخيانة غير أن جميع تلك الحسابات تقريبا عصفت بها إطلالة الحزب القوية الذي اختار بحنكة كبيرة ساعة دخوله ساحة المعركة بالتوازي مع الحرب الدائرة بين “إيران” وقوى العدوان الهمجي.
فالحزب رمى بثقله العسكري معلنا وضع حدّ لصبره مثلما قال أمينه العام “نعيم قاسم” ومؤذنا بمرحلة جديدة أكثر فعالية ونشاطا أولا لوحدة ساحات المقاومة وثانيا للفعل المقاوم بلبنان أهمّ مميزاته:
إعادة البناء التنظيمي
لقد أمكن للحزب استيعاب جميع الصدمات العنيفة التي لحقته وتجاوز بسرعة عجيبة أوضاعه العسيرة فأعاد ترميم بنيته التنظيمية وسدّ كل الشغورات بقيادات شابة تجمع بين الخبرات العسكرية والمعارف العلمية زيادة عن ابتعادها عن مجهر المخابرات العسكرية واستعلاماته التي بدت في المواجهة الأخيرة تائهة وشبه عمياء على حدّ تعبير أحد أكبر جنرالات الكيان الذي كتب بوضوح في مقال صدر بصحيفة “هاريتس” ما يلي “…عرفنا ما يلزم عن نصرالله وفؤاد شكر وغيرهما من القيادات… نالوا جزاءهم أمّا اليوم نحن نعلم القليل عن بعض القادة الجدد والخطير في المسألة أننا نجهل أكثرهم فهم كالأشباح بالنسبة لشعبة الاستعلامات”.
سرعة التكيف مع الأوضاع المستجدّة
كشفت الوقائع الميدانية الأخيرة حجم التغييرات العميقة التي أقدم عليها الحزب طوال العام والنصف الماضي. ففترة الكمون كانت بمثابة الفسحة الزمنية لإعادة من جهة مراجعة الاستراتيجية العسكرية للحزب ومن جهة أخرى تجديد الهيكلة البشرية لمجمل الجناح العسكري بما يتلاءم مع مستلزمات اللامركزية والمساحات الكبيرة للقادة الميدانيين في الحركة وتنفيذ المهمات القتالية بعيدا عن المركزية واستتباعاتها المضنية والمكلفة في ظل التفوق التكنولوجي للكيان.
فالعمل المقاوم خلال المنازلة الأخيرة خرج عن سياقات حرب الإسناد وأعاد الحزب تقريبا إلى تكتيكات سنوات التأسيس ومنازلات المقاومة حتى حدود عام 2000 حيث كانت المواجهة قائمة على تنظيمها وفق القوانين العامة لحرب العصابات عمودها الفقري الخلايا العسكرية صغيرة العدد وهدفها العام كسر شوكة العدو ورفع التكلفة أمام كلٍ محاولات تقدّمه في الجغرافيا اللبنانية.
فالأرض والدفاع عنها وفق هذه العقيدة لا تقتضي خطوط الدفاع الثابتة مثلما هو الأمر بالنسبة للجيوش النظامية بل هي تستلزم حركية دائمة للمقاومين ومرونة كبيرة للتنظيم والمقاتلين حتى يسهل ضرب قوات الاحتلال من وراء الخطوط الأمامية لقواته المتقدّمة.
فوقائع منازلة مقاتلي حزب الله في الحرب الأخيرة أكدّت العمل الكبير الذي قام به الحزب للتعلّم من معاركه السابقة والإعداد الجيّد لإنجاح استراتيجيته الجديدة التي اعتمدت على عمل شاق ومضني تمثل في إعداد ساحة المعركة بالجنوب اللبناني حيث تمّ تخزين السلاح في مخابئ كثيرة في القرى والبلدات بما فيها تلك الموجودة على الشريط الحدودي والتي يقع أغلبها منذ أشهر تحت سيطرة جيش الاحتلال.
حسن توظيف السلاح والأرض
أظهرت المقاومة في جولتها الأخيرة ضد الكيان قدرات هائلة في توظيف الأرض وتضاريسها لدعم فعالية الدفاع عن لبنان.
فجبال لبنان وأحراشها وغاباتها وأوديتها كانت الحليف الوفي للمقاومين وأسلحتهم. فالأرض بمجمل تضاريسها كانت بمثابة الدروع الواقية للعنصر المقاوم وسلاحه أمام التفوّق الجوي الهائل للكيان وهي من خلال الإعداد المسبق طوال فترة الكمون بمثابة مناطق وحل لجيش العدو ومعداته العسكرية.
“بنت جبيل” ملحمة الصمود الأسطورية
اندفع الجيش الصهيوني في عدوانه على لبنان بقوات عسكرية هائلة تجاوزت 150 ألف جندي ووضعت ترسانتها الحربية في خدمة أهداف معلنة أقصاها نزع سلاح حزب الله وأدناها إقامة منطقة عازلة تمتد حتى جنوب نهر الليطاني.
وبالرغم من اختلال موازين القوى لفائدة جيش الاحتلال فإن مجريات المعركة أكدّت الانتكاسات المتعاقبة للمشروع الصهيوني فالتقدّم في الأراضي اللبنانية كان بطيئا ومكلفا باعتراف قائد الأركان الصهيوني وفي هذا الصدد بالإمكان ذكر حجم الخسائر البشرية والمادية لأقوى آلة حربية بالإقليم. فالعدو وجد نفسه طوال 45 يوما غير قادر على بسط سيطرته على مدينة “بنت جبيل” التي أطبق الحصار حولها وأمطرها بآلاف القنابل والصواريخ زيادة عن الأحزمة النارية غير المسبوقة الأمر الذي جعل “زامير” قائد الأركان يصرخ في إحدى زيارته لمناطق بالجنوب اللبناني “لا أريد أن أرى بيتا واحدا في هذه المدينة.. فلتكن خان يونس أخرى”!!!
تعرضت المدينة إلى تدمير ممنهج ولم يبق حجر فوق حجر مثلما قال بعض شهود العيان غير أن مدينة المقاومة ظلّت وفيّة لاسمها وشموخها ولم تمنح قوى العدو من فرصة الثأر المعنوي من فضاء عرف سنة 2000 واحدة من أشهر مقولات الشهيد الكبير “حسن نصرالله” الذي وصف “إسرائيل” بالقول “أنها أهون من بيت العنكبوت”.
التكريس العملي لوحدة الساحات
لقد اختار الحزب لحظة خروجه عن حالة الكمون دفاعا ليس فقط عن نفسه وحاضنته مثلما يزعم البعض وإنما للذّود عن كل شعب لبنان وسيادته أمام سياسات التوسع الصهيوني.
فالدخول كان لمصلحة لبنانية متساوقة مع مبدإ وحدة الساحات الذي عرف زخما متناميا ضمن الهجوم الصهيوـ-أمريكي المتواصل من أجل كسر شوكة محور المقاومة والإجهاز على جميع مكامن قوتها لتعبيد الطريق أمام بزوغ ملامح مشروع الشرق الأوسط الجديد الخلو من جميع أشكال المقاومة والممانعة والقابل بجميع أشكال الإذلال والتبعية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
