*بقلم: سليم بوخذير
لعبة “الغُمّيضة” التي ملخصها اختفاء قيس سعيد لأيام ثم خروجه، هل هي لعبة اتصالية ذكية بل قُلْ مخادعة ومخاتِلة، قد تكون لجأت إليها السلطة بغرض اللعب في paramètre تراتُبِيّة أسئلة الرأي العام المستعجلة وتراتبية أولوياته الحارقة وسُلّم ذروة اهتماماته؟
في كل مرة يشتد الخناق على السلطة نتيجة فشلها الذريع بل عجزها المتفاقم عن توفير ضروريات الحياة الكريمة للتونسيين، نلاحظ اختفاء رئيس المنظومة المسؤولة عن الأزمة لأيام دون تبرير مع انطلاق الشائعات عن مرضه، وهكذا يقع اللعب في paramètre تراتبية الأسئلة المستعجلة لدى المجتمع وتراتبية أولياته واهتماماته العاجلة.
لقد لاحظنا انصراف قيس سعيد إلى لعبة الغميضة هذه أكثر من مرة وهذه ليست المرة الأولى، وفي كل مرة تخرج الشائعات لتُحول اهمتامات الرأي العام من الانشغال بحاجاتهم المستعجلة إلى الانصراف إلى قصة مرض الرئيس المروّجة.
ويتغذى انتشار شائعات المرض أساسا من التعتيم الذي ضربه سعيد منذ توليه السلطة على ملفه الطبي.
قد لا يكون هذا يحدث بالصدفة في كل مرة..
فقد اشتد الخناق على سلطة المستبد في الأيام القليلة الماضية بسبب عجزها عن توفير الكهرباء ودخلت تونس في الظلام لساعات لأول مرة في تاريخها وتكرر الأمر في كل يوم، وصار السؤال الأولوي في تراتبية أسئلة الرأي العام وسؤال ذروة أولياتهم هو :أين الكهرباء؟
وبدرجة أقل: أين الماء؟
وبدرجة أقل وأقل: أين عديد المواد الأساسية المقطوعة وأين عديد الأدوية المفقودة؟
وبدرجة أقل وأقل وأقل السؤال كان: أين الديمقراطية وأين الحرية؟
لِتشتد أزمة الكهرباء في الأيام الماضية وتصل ذروتها، فيختفي الرئيس المسؤول عن كل شيء في البر والبحر والجو في البلد حسب الدستور الذي أخرجه لنا من عِنديّاته.
وبالتوازي خرجت لنا من الهامش المظلم فجأة شائعة أن قيس سعيد مريض نزيل المستشفى، ثم لتسري الشائعة سريان النار في الهشيم وتتسرب إلى وسائل الإعلام الدولية ويرددها معارضون، ومع أنه لا دليل موثق خرج يثبت صحة الشائعة.. فلا فيديو ولا وثيقة طبية ولا شهود موثوقون ولا تصريحات طبية، إلا أنه لم يكن ممكنا منطقيا وقتها الجزم مطلقا بعدم صحتها نظرا للتعتيم المتواصل على الملف الطبي لسعيد وصمت السلطة عن الشائعة.
فمع بث الشائعة وانتشارها لم يخرج أي مصدر من السلطة إلى اليوم لنفيها مع أنُ وسائل اعلام دولية تداولت فحواها، لتتوالى الأيام ويكبر انتشار الشائعة ولا رئيس ظٓهٓر ولا مصدر من السلطة نفى.
وكان هذا الصمت من السلطة وتعتيمها أمرين مريبين.
وهكذا وقع في ظل صمت السلطة عن الشائعة، تسليط موجة من الضغط على تراتبية الأسئلة المستعجلة للرأي العام وذروة أهتمامات الناس.
فوقع التلاعب بلوحة اعدادات (paramètre) تراتبية الأسئلة المستعجلة للمجتمع، وصار فجأة السؤال الحارق هو:أين الرئيس؟ بدل سؤال: أين الكهرباء؟ ولماذا تغرق البلاد في الظلام؟ وأين باقي الحقوق التي سلبتنا إياها منظومة المستبد الشعبوي قيس سعيد؟
حتى أقرّب لك الصورة أكثر، دعني أذكّرك أنه في اعلام تسليط التعبئة المكثفة على الرأي العام (la propagande) الذي تتقنه جيدا الأنظمة الدكتاتورية ومثال ذلك نظام التضليل الإعلامي الألماني زمن النازية بقيادة شيطان التضليل جوزيف غوبلز، انتشرت ممارسات كثيرة للتضليل الاعلامي.
فأهل التضليل الإعلامي يظهرون في كل زمن ولهم طرق عديدة لصنع التعبئة المكثفة للرأي العام لا يعرفها عامة الناس لكننا نحن الصحافيون نعرفها.
يقول مهندسو التضليل لدى الأنظمة الدكتاتورية لبعضهم حين يشتد تعبّؤ الرأي العام حول قضية تنال من صورة النظام الذي يدافعون عنه: “إنّه إذا ارتفعت موجة اهتمام الناس بقضية لا يناسبنا اهتمام الرأي العام بها، فٓلْنصنع قضية أخرى حتى ولو كانت غير حقيقية وننشرها بين الناس بوفرة وهكذا ترتفع موجة جديدة من اهتمام الناس تكون أعلى من موجة اهتمامهم بالقضية الأولى لتذوب بذلك موجة اهتمامهم بالقضية السابقة وتتبخر بالتدريج هذه الموجة السابقة وينسون القضية الأولى التي كانت تستأثر بذروة اهتمامهم، أو على الأقل يضعف اهتمامهم بها”.
ومن “الأقول المأثورة” للمضللين قولتهم التالية: “اصنعْ كذبة وانشرها كثيرا وردّدها كثيرا من الصباح إلى المساء، لن يأتي المساء إلا وقد صدقتها الأغلبية بما في ذلك أنت”.
نعود إلى خِرٓافِنا كما يقول الفرنسيون، أي إلى مشهدنا التونسي: لقد نجحت إشاعة مرض الرئيس مع أنها بلا سند ولا دليل وانتشارها بسبب عدم نفي السلطة لها، في تغيير السؤال الأولوي لدى الرأي العام (ولو إلى حين) كما ذكرنا.
فبعد أن كان السؤال الأولوي لدى الناس هو: أين الكهرباء؟ صار السؤال الأكثر استئثارا بالتداول الأسبوع الماضي هو: أين الرئيس؟ وهل هو مريض فعلا؟
لتتوالى الأيام وسعيد مختفٍ، فيكبر هذا السؤال ويحتل ذروة اهتمام المجتمع المكتوى بلظى الحرارة العالية مع لظى الاسعار، ويخرج بعد ذلك الرئيس فجأة ويجيب بخروجه عن هذا السؤال الذي لم يكن أصلا مطروحا قبل أزمة الكهرباء، وهو طبعا سؤال إجابته غير مكلفة على السلطة، فيكفي أن يظهر الرئيس حتى تقع الإجابة وهو ما حصل.
بينما سؤال: أين الكهرباء؟ هو السؤال المكلف حقا على السلطة لأنها عاجزة عن تقديم الإجابة العملية عنه نظرا لفشلها المتفاقم في إدارة البلاد.
ولذلك فقد ناسب جيدا هذه السلطة (سواء كان مرض سعيد حقيقة أم إشاعة) ظهور سؤال جديد لدى الناس هو: أين الرئيس؟ إجابته غير مكلفة البتة من ناحية ومن ناحية أخرى هو سؤال حقق ظهوره بالنسبة للسلطة الاستعاضة به عن سؤال: أين الكهرباء؟ السؤال الأكثر عبئا عليها وغيرها من الأسئلة الحارقة الأخرى لدى التونسيات والتونسيين عن حقوقهم السليبة.
وهكذا تهيأت الأجواء لدى الرأي العام ليقع التعاطي مع خروج قيس سعيد في ٱخر حلقة من مسلسل “الغمّيضة”إلى النور على أنه هو الحدث الحقيقي و”الشو” اللافت ، بدل أن يكون الخروج من أزمة الكهرباء هو الحدث المأمول، وهو حدث تعجز السلطة عن تحقيقه، بل إنها بعثت بعديد الإشارات على أنه ما مِن حل تراهن عليه حاليا بشأنه غير تطبيع التونسيين مع هذه الأزمة ومع القطع المتواصل للنور.
وفي المحصلة: قد تكون لعبة “الغُمّيضة” باختفاء سعيد ثم ظهوره، نجحت في اللعب مؤقتا في لوحة اعدادات تراتبية أولويات الرأي العام ومحاولة إلهاء الناس نسبيا عن المطالبة بأبسط حقوقهم وهو النور والماء، زيادة عن حقوقهم الأخرى السليبة في ظل نظام دكتاتوري شعبوي لا يروج سوى الأوهام ولا ينتج سوى الأزمات تلو الأزمات ويقود البلاد إلى المجهول، من ذلك حقهم في القدرة الشرائية المتوازنة وفي المواد الأساسية وفي الصحة وفي التشغيل وحقهم في الحرية الذي سلبهم إياها نظام الاعتقالات والقمع.
ولكنّ هذا الإلهاء الذي يغذيه تعمد عدم كشف الملف الطبي للرئيس، هو بلا شك مؤقت وانتهى، وغدا لن تنطلي الطرق الاتصالية المخاتلة لسلطة المستبد الشعبوي ولا تعتيمها. ولن يصمت الشعب عن المطالبة بحقوقه وسيخرج ليثور على هذا النظام الذي أغرق البلاد في الظلم وأيضا في العطش والظلام.
كما أن حبل اختفاء قيس سعيد قصير وعلاوة عن أنه لن ينجح دائما في الهاء المجتمع عن أولوياته بصرف النظر عن مسألة أن سعيد يعاني من أمراض أم لا، في غياب أي دليل ملموس لنا على مضمون ملفه الطبي.
فإن لعبة الغميضة هذه بالاختفاء بين الفينة والأخرى كلما اشتد الخناق على سلطته الفاشلة وارتفعت وتيرة غضب المجتمع منه، انقلب سحرها على الساحر لأنها أعادت بقوة إلى السطح الجدل غير المريح لقيس سعيد حول مسألة الشغور في منصب رئيس الدولة في حالة عجزه أو وفاته في غياب رئيس المحكمة الدستورية التي أبى سعيد ارساءها. والتأم من جديد النقاش بين خبراء القانون الدستوري حتى بالجامعة التونسية إبان بدء اختفاء سعيد الأخير حول هذه المسألة بما زاد من أعباء الانتقادات لصاحب دستور حرص أن لا يقرأ أي حساب ليوم يحصل فيه شغور بما قد يدخل البلاد في حالة فراغ غير مأمون.
هذا الجدل الذي عاد بقوة بين أهل القانون بعد اختفاء سعيد، والانتقادات له بشأن المسألة، بدأت وقد لا تنتهي..
*كاتب وصحفي تونسي
صوت الشعب صوت الحقيقة
