بقلم رشيد السوايح
منذ انقلاب 25 جويلية 2021، لم يقتصر الجدل السياسي في تونس على الدستور أو المؤسسات أو الانتخابات، بل شمل أيضا مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي مكانة الأجسام الوسيطة ودورها في الحياة العامة. فخلف الصراع الظاهر بين السلطة ومعارضيها، يدور نقاش أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبالسؤال التالي: هل يمكن إدارة مجتمع حديث ومعقد ومتعدد المصالح دون أحزاب سياسية قوية، ونقابات مستقلة، ومنظمات وطنية فاعلة، وجمعيات مدنية حرة؟
لقد أعادت السنوات الأخيرة إلى الواجهة قضية الأجسام الوسيطة باعتبارها إحدى القضايا المركزية التي تحدد طبيعة النظام السياسي ومستقبله. فالموقف من الأحزاب والنقابات والمنظمات ليس مجرد تفصيل سياسي، بل هو مؤشر يكشف رؤية السلطة للمجتمع ولأساليب الحكم ولحدود المشاركة الشعبية في إدارة الشأن العام.
الأجسام الوسيطة: ضرورة سياسية وليست ترفا تنظيميا
تتمثل الأجسام الوسيطة في مختلف الهياكل التي تنشأ داخل المجتمع وتتحرك بين الدولة والمواطنين. وتشمل الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات المدنية والهيئات القطاعية وغيرها من أشكال التنظيم الجماعي.
وقد ظهرت هذه الأجسام تاريخيا لأن الفرد، مهما كانت مكانته، يبقى عاجزا عن الدفاع منفردا عن مصالحه في مواجهة السلطة السياسية أو النفوذ الاقتصادي. ومن هنا نشأت الحاجة إلى التنظيم الجماعي باعتباره أداة للتمثيل والدفاع والتفاوض والمشاركة.
ولم تتطور الديمقراطية الحديثة من خلال الانتخابات فقط، بل من خلال بناء شبكة واسعة من الأجسام الوسيطة التي سمحت للمجتمع بأن يكون شريكا في القرار لا مجرد متلقّ له.
لماذا يحتاج المواطن إلى الأجسام الوسيطة؟
المواطن لا يحتاج إلى الأجسام الوسيطة لأنها تتحدث باسمه فقط، بل لأنها تمكنه من التحول من فرد معزول إلى جزء من قوة اجتماعية منظمة. فالعامل يحتاج إلى نقابته، والفلاح إلى منظمته المهنية، والطالب إلى هيكله التمثيلي، وصاحب المؤسسة إلى هيئته القطاعية، والمواطن إلى الحزب أو الجمعية أو المنظمة التي تعبر عن مطالبه وتطلعاته. ثم أليس في صلب هذه التنظيمات السياسية والمدنية، يتعلّم المواطن آليات الديمقراطية وفنون التسيير وطرق التفاوض والإقناع وفضيلة قبول الرأي المخالف وسنّة التداول على المسؤولية…؟
وعندما تضعف هذه الأجسام أو يتم إضعافها بطريقة ممنهجة من قِبل، يصبح المواطن وحيدا أمام أجهزة الدولة وأمام مراكز النفوذ المختلفة. وتتحول العلاقة بين السلطة والشعب إلى علاقة مباشرة وغير متوازنة، حيث تزداد قوة الطرف الأول، وتضعف قدرة الطرف الثاني على التأثير والمحاسبة والرقابة.
ولهذا السبب كانت حرية التنظيم عبر التاريخ إحدى أهم المطالب لديمقراطية التي ناضلت من أجلها الشعوب والحركات الاجتماعية.
لماذا تحتاج السلطة نفسها إلى الأجسام الوسيطة؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن السلطة تكون أكثر راحة عندما تتخلص من الأحزاب والنقابات والمنظمات المستقلة، لكن التجارب التاريخية أثبتت العكس تماما.
فالأجسام الوسيطة تمثل آليات ضرورية لفهم المجتمع والتواصل معه. وهي تسمح للسلطة بمعرفة طبيعة المشكلات الحقيقية ومطالب الفئات المختلفة، كما توفر شركاء يمكن التفاوض معهم حول الإصلاحات والسياسات العمومية.
وعندما تختفي هذه الوسائط أو يتم إضعافها، تجد السلطة نفسها في مواجهة مجتمع كامل دون قنوات للحوار أو التفاوض. وهنا تتحول كل أزمة اجتماعية إلى مواجهة مباشرة، وكل احتجاج إلى تهديد للاستقرار، وكل خلاف إلى صدام مفتوح.
إن الأجسام الوسيطة ليست عبئا على الدولة، بل هي جزء من أدوات إدارة الدولة الحديثة.
انقلاب 25 جويلية وصعود خطاب معادٍ للأجسام الوسيطة
منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في 25 جويلية 2021، برز خطاب سياسي يقوم على فكرة مركزية مفادها أن الأحزاب والنخب والمنظمات الوسيطة أصبحت عائقا بين الشعب وإرادته الحقيقية.
وقد استند هذا الخطاب إلى حالة السخط الشعبي التي تراكمت خلال سنوات الانتقال الديمقراطي بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والفساد والصراعات الحزبية العقيمة. وبفعل هذه الأوضاع اكتسبت فكرة تجاوز الأجسام الوسيطة جاذبية لدى جزء من الرأي العام.
غير أن المشكلة لا تكمن في نقد الأحزاب أو المنظمات، فالنقد حق مشروع بل وضروري، وإنما في تحويل هذا النقد إلى مشروع سياسي يقوم على إضعاف كل أشكال التنظيم المستقل داخل المجتمع.
فالأحزاب يمكن أن تخطئ، والنقابات يمكن أن تنحرف، والمنظمات يمكن أن تتراجع، لكن الحل لا يكون بإلغائها أو تهميشها، بل بإصلاحها وتجديدها وتعزيز ديمقراطيتها الداخلية.
الاتحاد العام التونسي للشغل: نموذج الصراع حول الأجسام الوسيطة
يبرز الصراع مع الاتحاد العام التونسي للشغل بوصفه أحد أبرز تجليات هذا التوجه.
فالمنظمة النقابية الأكبر في البلاد لم تكن مجرد هيكل مهني يدافع عن الأجور وظروف العمل، بل لعبت عبر عقود دورا وطنيا وسياسيا واجتماعيا مؤثرا، سواء في مقاومة الاستعمار أو في مواجهة الاستبداد أو خلال مسار الانتقال الديمقراطي.
ولذلك فإن استهداف الاتحاد أو محاولة تحجيم دوره لا يتعلق فقط بخلاف حول ملف اجتماعي أو نقابي، بل يرتبط أيضا بالصراع حول مكانة الأجسام الوسيطة في الحياة العامة وحول حدود استقلاليتها تجاه السلطة السياسية.
وينطبق الأمر ذاته على بقية المنظمات الوطنية والجمعيات المستقلة التي تواجه بدرجات مختلفة من الضغط أو التشكيك أو محاولات الإقصاء من المجال العام.
هل يمكن الحكم دون أجسام وسيطة؟
تاريخيا، كل الأنظمة التي سعت إلى إقامة علاقة مباشرة بين القائد والشعب انتهت إلى إنتاج أشكال مختلفة من الحكم الفردي. وقد اختلفت الشعارات من بلد إلى آخر، لكن النتيجة كانت واحدة: تركيز السلطة في مركز واحد وإضعاف كل المؤسسات القادرة على مراقبتها أو تعديل خياراتها.
إن فكرة الشعب الموحد الذي يتحدث بصوت واحد ليست سوى تصور نظري لا وجود له في الواقع. فالمجتمع يتكون من طبقات وفئات ومصالح وآراء متباينة، ولا يمكن التعبير عن هذا التنوع إلا عبر تنظيمات سياسية ومدنية مستقلة ومتعددة.
ولهذا السبب كانت الأنظمة الديمقراطية أكثر ارتباطا بالتعددية السياسية والنقابية والمدنية، بينما ارتبطت الأنظمة السلطوية بمحاولات السيطرة على المجتمع أو اختزاله في شخص الحاكم أو الجهاز الحاكم.
حتى السلطة تدفع ثمن إضعاف الأجسام الوسيطة
قد تحقق السلطة مكاسب ظرفية عندما تنجح في إضعاف الأحزاب أو النقابات أو المنظمات المستقلة، لكنها تدفع لاحقا ثمنا سياسيا باهظا.
فمع غياب الوسائط المنظمة تصبح الاحتجاجات أكثر عفوية وأقل قابلية للتأطير. وتفقد الدولة شركاء التفاوض. وتتراجع القدرة على إنتاج التوافقات الضرورية لإدارة الأزمات. كما يزداد الشعور بالعزلة السياسية داخل أجهزة الحكم نفسها.
ومن المفارقات أن السلطة التي تسعى إلى التخلص من الأجسام الوسيطة باعتبارها مصدر إزعاج تكتشف لاحقا أنها كانت تمثل أيضا أدوات للاستقرار ولإدارة الخلافات الاجتماعية والسياسية.
النضال من أجل الأجسام الوسيطة هو نضال من أجل المجتمع
إن الدفاع عن الأجسام الوسيطة لا يعني الدفاع عن قيادات بعينها أو عن أخطاء ارتكبتها بعض الأحزاب أو المنظمات أو النقابات. فهذه الهياكل ليست فوق النقد والمحاسبة.
لكن الدفاع عن حق المواطنين في التنظيم الحر والمستقل يظل مسألة مبدئية تتعلق بمستقبل المجتمع نفسه. فكل تجربة تاريخية أثبتت أن إضعاف التنظيمات المستقلة يقود في النهاية إلى إضعاف المجتمع بأكمله.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الشعب والأجسام الوسيطة، كما يحاول البعض تصويرها، بل بين من يريد مجتمعا منظما وقادرا على الدفاع عن مصالحه، ومن يريد أفرادا معزولين لا يجمع بينهم سوى علاقتهم المباشرة بالسلطة خضوعا “محمودا” أو معارضة “مذمومة”.
تونس تحتاج إلى إصلاح الأجسام الوسيطة لا إلى تصفيتها
إن الأزمة التي تعيشها تونس اليوم لا يمكن حلها بإلغاء الأحزاب أو تهميش النقابات أو إضعاف المنظمات الوطنية. فالمشكلة ليست في وجود الأجسام الوسيطة، بل في ضعف بعضها وعجز بعضها الآخر عن تجديد نفسه ومواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية.
وإذا كان التونسيون مطالبين بإصلاح أحزابهم ونقاباتهم ومنظماتهم، فإنهم مطالبون بالقدر نفسه بالدفاع عن وجودها واستقلاليتها. لأن المجتمع الذي يفقد أجسامه الوسيطة يفقد تدريجيا قدرته على التأثير في مصيره، وتتحول السياسة فيه من فعل جماعي يشارك فيه المواطنون إلى شأن تحتكره السلطة وحدها.
إن مستقبل تونس الديمقراطي لن يبنى على أنقاض الأجسام الوسيطة، بل على تجديدها وتعزيز دورها واستعادة ثقة المواطنين فيها، باعتبارها أحد أهم الضمانات ضد الاستبداد وأحد الشروط الأساسية لبناء دولة القانون والمؤسسات والمواطنة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
