بقلم : علي الجلولي
انتهت يوم الأربعاء 10 جوان الجاري الدورة الرئيسية لامتحان البكالوريا لهذا العام، وهي دورة ترافقت منذ دقائقها الأولى مع ما أصبح عاهة بنيوية تطبع منظومة التعليم ككل، وامتحان البكالوريا بالذات بحكم منزلته في تراتبية نظام التعليم في بلادنا. إن الأمر يتعلق باستيطان ظاهرة الغش التي عرفت ذروتها في السنوات الأخيرة بتنامي ظاهرة الغش الإلكتروني التي أصبحت تستقطب أعدادا متصاعدة لا من المترشحين فحسب، بل من أطراف أخرى متعددة ومتداخلة. فما الذي حدث بالضبط طوال الدورة الرئيسية لبكالوريا هذا العام؟
بكالوريا 2026 في أرقام
بلغ عدد المسجلين لاجتياز امتحان البكالوريا هذا العام 162.435 بزيادة 10.627 عن العام الدراسي السابق. وينتمي 135.274 مترشحا إلى المعاهد العمومية (أي ما يعادل83 %)، فيما ينتمي 18.943 إلى المؤسسات الخاصة (أي 12 %)، وتقدم 8.218 بشكل فردي (أي 5%). هذا وتمثل الإناث 62% من مجموع المترشحين، مقابل 38% فقط للذكور، وهي أرقام دالة حول حجم وحقيقة التحولات الاجتماعية والثقافية الحاصلة في بلادنا. هذا ويتوزع المترشحون على 598 مركزا للاختبارات الكتابية على طول البلاد وعرضها، فيما بلغ عدد مراكز الإصلاح 32 في مختلف الجهات. أما توزيع التلاميذ المترشحين على مختلف الشعب، فكان كما يلي:
| الشعبة | الاقتصاد والتصرف | الآداب | العلوم التجريبية | العلوم التقنية | الرياضيات | علوم الإعلامية | الرياضة |
| عدد المترشحين | 56.201 | 26.685 | 28.780 | 21.677 | 8.112 | 18.916 | 2.064 |
| النسبة | 35% | 16% | 18% | 13% | 5% | 12% | 1% |
إن مجمل هذه المعطيات الإحصائية يمكن أن تكون موضوعا لدراسات متعددة ومن زوايا مختلفة للوقوف على حقيقة أوضاع التعليم في بلادنا بما في ذلك نسبة المترشحين لأهم امتحان وطني من عدد السكان وهي نسبة لا تتجاوز 1.32%، أي مترشحا على كل 70 مواطن (الجزائر مترشح على كل 52 مواطن). وهي نسبة لا تتجاوز 5.1% من إجمالي عدد شباب تونس (الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاما). أما توزيع المترشحين على الشعب فيعكس خللا عميقا مازال يهز منظومة التعليم في بلادنا التي لايزال فيها موضوع مراجعة أوضاع التعليم موضوعا مؤجلا وغير ذي أولوية عند الدولة، وهذا ما يعمق الأزمة المركبة ومتعددة الأوجه التي تجد ترجمتها في قطاع حيوي واستراتيجي باتت تنخره كل ملامح الفشل والعجز وليس أقلها وباء الغش الذي ينتشر في كل مستويات التعليم وهو ما يوجه ضربة قاتلة لمصداقية الامتحانات ومصداقية الشهادات العلمية في كل درجاتها.
الغش والغش الإلكتروني يستفحلان
تزامنت بكالوريا هذا العام مع حملة إعلامية نظمتها وزارة التربية متوعدة وواعدة بالقضاء على ظاهرة الغش وتحديدا الغش الإلكتروني الذي بات عاهة يبدو أنها أصبحت مستدامة. عاهة أثبتت قدرة فائقة على تحدي الدولة وهو ما تعهد وزير التربية بنسفه هذا العام وأن وزارته اتخذت كل الإجراءات والاستعدادات لحماية الامتحان الوطني الأول. لكن دقيقتين فقط بعد انطلاق اليوم الأول كانتا كافيتين لنشر اختبار الفلسفة بما مثل ضربة موجعة لتعهدات الوزير باسم الدولة. لقد حمل هذا التسريب كل الدلالات على طبيعة المعركة مع عصابات الغش الإلكتروني التي باتت مدججة بإمكانيات أكبر من إمكانيات الدولة، وهذا في حد ذاته موجب للمساءلة وللمحاسبة وللوقوف لمصارحة الشعب التونسي بحقيقة ما يجري. وزاد التحدي في اليوم الثاني بعد اعتماد وزارة الإشراف تقنية التشويش الإلكتروني وتعطيل خدمة الأنترنيت، لكن تسريب الاختبارات لم يتوقف، كما أن الغش الإلكتروني لم يتوقف بل توسع لأن تقنية التشويش التي طالما طالب بها المربون في سنوات خلت، لم تعد اليوم الآلية الأضمن للتوقي لأن إمكانيات الغش وآلياته التقنية واللوجستية شهدت تطويرات كبيرة بعضها أصبح في غني عن الشبكة العنكبوتية أصلا. هذا يعني أن استعدادات وإمكانيات العصابات أكبر وأكثر نجاعة وهذا في حد ذاته مشكل لابد من توخي الصراحة في مباشرته.
لقد اتجهت الوزارة/الدولة مرة أخرى إلى المعالجة الخاطئة، فتمّ استنطاق أستاذ في أم العرائس (ولاية قفصة) تقدم بتقرير حول حالة غش، وهو ما مثل إجراء خاطئا في توقيت خاطئ للجسم التربوي المؤتمن واقعيا على التصدي للغش. وفي سليانة وقع إيقاف 9 تلاميذ أطلق سراحهم بعد يومين من السجن بعد موجة سخط في الفضاء التربوي والحقوقي والمدني. ولا زالت المعلومات شحيحة ومنعدمة حول عدد الموقوفين من شبكات الغش صنعا وتوريدا وترويجا وبيعا وتحيلا. وإذا سلمنا بجدوى المعالجة الزجرية، فقد أثبتت مرة أخرى فشلها في التصدي لظاهرة إجرامية تستهدف الكيان المعنوي للشعب. وبانتهاء الدورة الرئيسية صرحت مصالح وزارة التربية أن عدد حالات الغش التي تم رصدها بلغت 955 حالة، وهو ما يمثل تقريبا ضعف الحالات المسجلة في الدورة الرئيسية للعام الدراسي المنقضي (508 حالة). ماذا يعني هذا؟ ألا يعني فشلا ذريعا فيما تعهدت الوزارة بمحاصرته والقضاء عليه خاصة وأن وزير التربية صرح قبل يوم من انطلاق الامتحان الوطني أن وزارته بمعية بقية المصالح المتدخلة، جاهزة كليا لتحصين الامتحان من هذا الوباء.
وللعلم فان الحالات التي وقع رصدها قد لا تمثل إلا نزرا قليلا من عمليات الغش التي يقع التفطن لبعضها في مراكز الإصلاح، ولا يقع التفطن كليا لحالات عديدة نرى المتورطين فيها وقد تمكنوا من النجاح وأحيانا بتفوق.
أي مصداقية لشهادة البكالوريا التونسية؟
صحيح أن توسع ظاهرة الغش في الامتحانات في كل درجات التعلم في بلادنا هي وجه من وجوه أزمة المجتمع القيمية، وانحدار القيمة الاعتبارية لمرفق التعليم والتعلم، وهي أحد الوجوه الفاقعة لأزمة المنظومة التربوية. وصحيح أن الغش هو ظاهرة قديمة، لكن الفاقع فيها اليوم هو تحولها من ممارسة فردية لتلميذ وطالب محدود الإمكانيات إلى ممارسة جماعية إجرامية تتورط فيها أطراف متعددة وتصرف فيها تمويلات ضخمة باتت تنهك جيب حتى الفئات الوسطى والفقيرة التي تضررت كثيرا من أزمة التشغيل التي ترافق خريجي الجامعة والذي أصبح (أي التشغيل) فرصة نادرة تكاد ترتبط ببعض الاختصاصات العلمية والتقنية والتكنولوجية بحكم التحولات الحاصلة في عالم العمل على المستوى العالمي. إن الانخراط في الغش وخاصة الإلكتروني منه يُسوّق اليوم على أنه أقصر الطرق للنجاح والتفوق والحصول على توجيه جامعي نحو الشعب ذات التشغيلية، أو للالتحاق بالتعليم الجامعي الخاص الذي بات مزاحما فعليا للتعليم الجامعي العمومي وخاصة في الاختصاصات “الواعدة” مثل الاختصاصات شبه الطبية والهندسية والمالية…
إن تنامي الغش وفضلا عن وجهه الإحرامي الذي تتورط فيه أوساط مهربة ومتهربة وذات نفوذ، هو دليل ساطع على حجم الخلل والفشل الذي بات ينخر المنظومة التعليمية والتربوية في بلادنا. وأن المعالجة الزجرية على أهميتها وضرورتها، يجب توجيهها أساسا إلى العصابات والشبكات لا الضحايا من التلاميذ الذين لن يزيد السجن إلا تعميق قطيعتهم مع التمدرس. إن شبكة المنخرطين في الظاهرة هي شبكة معقدة فيها عدد هام من الأولياء وحتى من الأساتذة والطلبة والأطباء، وأيضا المهربين والمروجين الذين ينشط بعضهم علانية على شبكة الأنترنيت. وللعلم فإن الإطار التشريعي الذي يعالج موضوع الغش هو إطار عفا عليه الزمن، فمدرستنا مازالت تحتكم إلى الأمر العلي المؤرخ في 17 أكتوبر 1941 المتعلق بزجر الغش في الامتحانات والمناظرات العمومية، وأن النظام التأديبي المعتمد يعود إلى سنة 1991 (المنشور عدد 93 لسنة 1991)، وهذه النصوص لا تشكل اليوم إطارا منصفا وعادلا للتعاطي مع ظواهر مستجدة ومتجددة.
إن الضحية الأولى لظاهرة الغش المستشرية ليس التلميذ الذي قد يتعرض لعقوبة الحرمان من إجراء الامتحان الوطني لمدة تتراوح بين عام وخمس سنوات، بل الضحية الأولى هي مصداقية الشهادة العلمية وسمعة التعليم والتمدرس في بلادنا. إن السلعنة التي طالت كل مناحي الحياة بما فيها التي تهمّ التمدرس والتعلّم، هي بصدد تدمير مكاسب المجتمع وخاصة المتعلقة بالقيم والمعارف. لقد كانت القدرة على مواصلة التعلم في الغالب مرتبطة بالقدرة المادية للعائلة بما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص الذي تطالب به وتعمل من أجله القوى الاجتماعية المدافعة عن الفقراء، وها هو هذا المبدأ يتعرض لتضييق آخر يتعلق بالقدرة على تمويل عمليات الغش الإلكتروني التي تقف وراءها أوساط متنفذة لا ترى البشر والخدمات والقيم إلا من خلال الدفع ومزيد القدرة على الدفع.
إن المربين بمختلف أسلاكهم، فضلا عن الفعاليات النقابية والمدنية والمجتمعية مطالبة اليوم بإعلاء الصوت للتصدي لعصابات تخريب التعليم لصالح مافيا الخوصصة والمتاجرة في كل شيء.
صوت الشعب صوت الحقيقة
