الرئيسية / صوت الوطن / حول الأحكام الصادرة في قضية “الجهاز السرّي”: القضاء التابع والوظيفي يسيء إلى القضايا العادلة
حول الأحكام الصادرة في قضية “الجهاز السرّي”: القضاء التابع والوظيفي يسيء إلى القضايا العادلة

حول الأحكام الصادرة في قضية “الجهاز السرّي”: القضاء التابع والوظيفي يسيء إلى القضايا العادلة

بقلم حمّه الهمّامي

صدرت يوم 2 جوان/يونيو الأحكام في قضيّة ما بات يعرف منذ سنوات بـ”الجهاز السرّي” وتراوحت الأحكام، التي شملت قيادات وعناصر من حركة النهضة، من بينها راشد الغنّوشي رئيس الحركة، بين 10 سنوات سجنا والمؤبّد مع حكم تكميليّ يقضي بإخضاع جميع المتّهمين، بعد قضاء عقوبتهم البدنيّة، للمراقبة الإداريّة مدّة خمس سنوات. وقد أثارت هذه الأحكام ردود أفعال متباينة في الساحة السياسيّة بين رافض ومؤيّد ومنتقد.

شيء من الماضي

وللتذكير فإنّ حزب العمّال ظلّ على مدى الثلاث عشرة سنة الأخيرة متمسّكا بمطلب كشف كل الحقيقة حول اغتيال الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي. وقد اعتبر أنّ هذا الاغتيال يمثّل، في السياق السياسيّ والأمنيّ الذي جرى فيه، جريمة دولة وأنّه لا بدّ من كشف من خطّط لها ونفّذها وتستّر عليها مهما كان مركزه سواء في الدولة أو خارجها، وسواء كان تونسيّا أو أجنبيّا. كما اعتبر حركة النهضة مسؤولة سياسيّا وأخلاقيا عمّا حصل لكونها في الحكم أوّلا ولكونها خلقت المناخ الملائم لتطوّر الظاهرة الإرهابيّة بما دفع إلى الشك في إمكانية تورطها بشكل أو بآخر في عمليات الاغتيال ثانيا.

من هذا المنطلق ساند حزب العمّال، سواء في فترة الجبهة الشعبيّة أو بعدها، هيئة الدفاع عن الشهيدين. وللتذكير فإنّ هذه الهيئة تشكّلت من أساتذة محامين من مشارب فكريّة متنوّعة للعمل من أجل كشف الحقيقة ولم يكونوا في أي وقت من الأوقات، ينتمون إلى/ أو يأتمرون بأوامر حزب معيّن، فلا مواقفهم من الأوضاع في البلاد تلزم الأحزاب والعكس بالعكس، بل إن الرابط الأساسي بين الطرفين هو العمل على كشف الحقيقة في قضية الشهيدين كلّ بالوسائل المتاحة له.

وفي نفس الوقت تصدّى حزب العمّال، مثلما تصدّت مكونات الجبهة قبل انحلالها، لكل محاولات التلاعب العدلي بالقضيّة التي كشفتها الهيئة، مثل تجزئة القضيّة عوض جمع كامل فصولها في قضيّة واحدة لتكتمل صورة الجريمة بكافّة عناصرها، أو إتلاف أو إخفاء بعض المحجوز أو رفض توسيع الأبحاث لتشمل أشخاصا معيّنين من بينهم مسؤولون في أجهزة الدولة الخ…

ومن جهة أخرى لم يتوان حزب العمّال، مثله مثل عدد من أحزاب الجبهة الشعبية، عن الردّ على بعض محاولات توظيف القضيّة في الصراع السياسي بين أجنحة السلطة. ونقصد هنا ما فعله الباجي قايد السبسي مثلا سنة 2018 حين ساندت حركة النهضة “ابنه البار” يوسف الشاهد الذي انقلب عليه، فتذكّر وقتها ملفّ الشهيدين للضغط به على حليف الأمس دون أن يفعل في النهاية أيّ شيء ملموس لصالح القضيّة.

وقد استمرّ حزب العمّال على نفس الموقف طوال الفترة اللاحقة التي سَيُكْشف فيها بداية من سنة 2018 جانب جديد من قضية “الجهاز السرّي” يثبت أنّ شكوك هيئة الدفاع لم تكن من فراغ وأنّ الوثائق التي ظلّت “مُخزّنة” فيما بات يسمّى “الغرفة السوداء” بوزارة الداخلية تحوي الكثير من المعطيات المادية التي تُلقي المزيد من الضّوء على أنشطة صاحب “مدرسة تعليم السياقة” بالمروج وتؤكّد أنّه لم يكن مجرّد مواطن يَهْوَى “جمع الوثائق المنثورة في الشوارع” أو “شراءها” بل كان رأس جهاز أمنيّ سرّي بصدد التشكّل.

لقد حوكم المعني في القضيّة الأولى بناء على معطيات غير مكتملة تمّ على أساسها تكييف الوقائع وإحالته من أجلها والقضاء بسجنه مدّة ثماني سنوات. لكن ما اكتُشِف من وثائق سنة 2018 سيشكّل كما قلنا منعرجا في القضية. فقد اتضح أنّ المعني تربطه علاقات بعناصر قياديّة في “حركة النهضة” ومسؤولين أمنيّين وغيرهم. كما اتضح أنّه يملك معلومات دقيقة عن تحرّكات بعض رموز الإرهاب في تونس، من بينهم قاتل الشهيد الحاج محمّد البراهمي وزعيم تنظيم أنصار الشريعة ورئيس جناحه العسكري، إضافة إلى امتلاكه أجهزة تنصّت وتصوير وحيازة تقارير أمنيّة مصنّفة “سرّي مطلق” وتسجيلات صوتيّة ودراسات أمنيّة، علاوة على مجموعة وثائق بعضها يحوي ترشيحات بالإدارة الأمنيّة وبعضها الآخر يحوي معلومات عن قياديين بالجيش وأسماء منحرفين الخ…

وهكذا فقد أصبحنا أمام وضع جديد عملت هيئة الدفاع بدعم من القوى الديمقراطيّة على فهمه وتفكيكه إلى أن جاءت المحاكمة الأخيرة التي أحيل فيها عدد من المتهمين بعضهم في حالة إيقاف وبعضهم، بمن فيهم المشرف على “الجهاز السرّي” الذي تمكّن من مغادرة البلاد بعد قضاء عقوبة الثماني سنوات، بحالة فرار. وقد قبل الموقوفون، عدا راشد الغنّوشي، الحضور وفق الشروط التي ضبطتها المحكمة ومنها الاستنطاق عن بعد. وفي يوم 2 جوان الجاري صدرت الأحكام التي ذكرناها أعلاه. وبعد أيّام عقدت هيئة الدفاع ندوة صحفيّة ردّت فيها على حملة التشويه التي تعرّضت لها بالمناسبة وعلى محاولات تقديم قضيّة “الجهاز السرّي” على أنّها قضيّة مفتعلة لأسباب سياسيّة.

وقد استغلّ البعْض من سقط متاع الحشد الفاشيّ، المُفلسين، التافهين، المتمسّحين على أعتاب الدكتاتوريّة، هذه الندوة الصحفيّة للتهجّم على خصوم سلطة الانقلاب وتحديدا على حزب العمّال بغرض تشويهه لا غير. لقد صرّح أحد كبار المفلسين: “الندوة الصحفية كانت مناسبة للفرز فمن حضرها فهو مع الشهيدين ومن لم يحضرها فقد تنكّر لدمهما وأصبح حليفا لحركة النهضة”… نعم هكذا أصبح الحضور في ندوة صحفيّة من عدمه معيارا، لدى هذا البائس لتصنيف القوى السياسية والمدنية مع العلم أنّ أحزابا وجمعيات ومنظمات عديدة لم تكن حاضرة في هذه الندوة وهو أمر معتاد في الندوات الصحفيّة، دون أن يعني ذلك بالمرة موقفا سياسيا من قضية الشهيدين.

وقد نحا آخرون من نفس طينة ذلك المفلس، نحوه، كلّ يختلق “حكاية” ويوظّفها للتشويه والتشهير لا دفاعا عن الشهيدين أو حبّا فيهما بل فقط تزلّفا لسلطة الانقلاب وتغطية للتواطئ مع نهجها القمعي الفاشستي. ومن المضحكات المبكيات أنّ بعض هؤلاء الذين يتظاهرون اليوم بالمغالاة في معاداة حركة النهضة، كان في وقت سابق عضوا معها في الحكومة التي لم يدخلها إلّا بمباركتها، بل إنّه حاول حتى الدخول في حكومة حمادي الجبالي بعد انتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011 دون جدوى. والأدهى والأمرّ أن البعض الآخر من سقط المتاع كان إلى تاريخ استشهاد شكري خصما لدودا له، لا يتوانى عن تشويهه وما أن اغتالته يد الغدر حتّى أصبح يقدّم نفسه على أنّه “الوصيّ” على رسالته في محاولة منه لـ”تبييض” ماضيه أوّلا وتوظيف الاستشهاد لتمرير مواقفه الموغلة في الانتهازيّة.

حزب العمّال: الوضوح والمبادئ أوّلا

إنّ من واكب مسيرة حزب العمال منذ اليوم الأوّل لتأسيسه يعرف جيّدا أنّه لا أحد يُملي عليه موقفا ولا أحد يحدّد له متى يعلن هذا الموقف، فهو الذي يصوغ موقفه وفقا لمبادئه وبالشكل والنبرة المناسبين، وهو الذي يختار متى وكيف يصدر هذا الموقف، لأنّه حزب مستقلّ، لا يعمل في ركاب أحد ولا يتّخذ مواقف إرضاء أو تزلّفا لأحد أو خوفا منه، فهو حين يتّخذ موقفا يريده ثابتا، لا ثغرة فيه حتّى يكون وفيّا لمبادئه أوّلا وحتّى يكون مُقنعا ثانيا. وفوق ذلك كلّه فالحياة بيّنت صحّة مواقفه في المحطّات الكبرى التي شهدتها بلادنا بما في ذلك انقلاب 25 جويلية 2021. كما أنّه لم يتردّد في نقد ذاته عند الاقتضاء سواء أمام عموم الشعب أو في علاقة بأصدقائه من القوى الديمقراطيّة والتقدميّة. ولكنّه، وفي كلّ الحالات، ليس في حاجة إلى دروس سواء من سقط متاع الحشد الفاشيّ الذين عاشوا طوال مسيرتهم العفنة على “القْوَادة” والجبن والتمسّح على أعتاب الحكم واستغلال الفرص لخدمة مصالحهم الشخصيّة أو من عند مناضلي الصدفة الذين لا يتورّعون عن تقديم الدّروس وهم في أشدّ الحاجة إلى أبسطها حتّى يتعلّموا على الأقل أبجديات العمل السياسي الديمقراطي والتقدّميّ.

نقول هذا حتّى “يشدّ كل واحد قدرو” ثمّ نعود إلى الأحكام الصادرة في قضية الجهاز السرّي. فكما أوضحنا فإنّ هذا الجهاز حقيقة وليس من نسج خيال هيئة الدفاع والوثائق موجودة لتثبت أنّه على الأقل كان بصدد التكوين وبالتالي لا ينفع نكران ذلك بأيّ عنوان كان. ولا بدّ من محاسبة المورّطين فيه محاسبة صارمة كلّ حسب دوره الملموس. هذا أمر لا جدال فيه بالنسبة إلى حزب العمال. لكنّ تكييف الأفعال قانونيّا وتوجيه الاتهام وإصدار الأحكام يبقى من اختصاص القضاء. ولكن ليس أيّ قضاء إنّما القضاء المستقل حتّى لا توظّف القضية سياسيّا من قبل السلطة أوّلا وحتّى لا تتوفّر الفرصة للمتّهم للتهرّب من مسؤوليته بعنوان غياب شروط المحاكمة العادلة فتتحوّل القضيّة من جريمة إلى خصومة سياسيّة فيكون الخاسر هو الحقيقة التي نريدها والمحاسبة التي نطالب بها. وهنا المشكل، فالجميع يعرف أن وضع القضاء بعد انقلاب 25 جويلية 2021 ازداد سوء حتّى عمّا كان عليه في زمن حكم “النهضة/نداء تونس” وذلك بشهادة جمعيّة القضاة والهيئة الوطنيّة للمحامين وهو ما رأينا نتائجه في جميع القضايا السياسية التي عرفتها بلادنا خلال الأعوام الأخيرة.

وفي رأينا فإنّ أحد أعضا هيئة الدفاع وهو الأستاذ عبد الناصر العويني، وبقطع النظر عمّا يفصلنا عنه من خلافات بشأن تقييم الوضع السياسي في البلاد منذ انقلاب 25 جويلية 2021، لخّص بشكل دقيق الحالة العامة  للقضاء التونسي اليوم وكان ذلك في تدخّله في الجلسة العامة للمحامين المنعقدة بتاريخ غرة ماي 2026. لقد جاء في كلمة عضو هيئة الدفاع: “ما تلقى ما تحكي مع المواطنين، مع المتقاضين… ما تعرفشي شنوّة الحكم… أنت تمشي للمحكمة لاستصدار حكم… كيف يصدر هذا الحكم؟ لا قوانين، لا دساتير، لا مجلّات، لا إجراءات… ما ثمة شيء… ثمّة تعليمات وثمّة قضاة يتنقلو أسهل ماللي يتنقل بوسطاجي… ما ثمّاش محاكمة في ظلّ أنّو قاضي يتنقّل بتلفون… فضيحة اللي صاير… ليس هناك محاكمات… اليوم اللي نعيشو فيه ما عندو حتّى علاقة بالمحاكمة… باش نطالبو بالمحاكمة العادلة؟ لا نحبّو الساعة محاكمة… نحبّو كي ناقفو أمام هيئة محكمة ماناش واقفين أمام موظّف عادي… الشعب هذا يخسر في قضاياه ويظلم كل يوم… بتعليمات… لأنو الإدارة تتحكم في القضاة ولأنو بجرّة قلم انحّيك… نحن اليوم باش نحتج على الخراب في منظومة العدالة… نحتج ضد حالة الخراب وحالة العبث والفضايح متاع منظومة العدالة…” وأضاف العويني لاحقا: “المساواة أمام القانون هي اليوم المساواة في السجون… الحبس محلول واللي يتكلّم واللي موش عاجبو ندخلوه الحبس…”.

فإذا كان هذا حال القضاء بشكل عام، في نظر أحد أعضاء هيئة الدفاع، فإن حاله سيكون بالضرورة أتعس بكثير فيما يتعلّق بالمحاكمات السياسيّة التي يكون فيها تدخل “الوظيفة التنفيذيّة” أقوى وأشدّ. بطبيعة الحال لا يمكن أن تكون حالة القضاء المتردّية ذريعة لإنكار الجرائم المرتكبة أو التخلي عن المحاسبة. ولكنّنا إذ نشير إلى هذه المسألة فَلِتَأْكيد أنّ غياب شروط المحاكمة العادلة في أي قضية كانت وخاصة القضايا السياسيّة ينسف مصداقيّة أيّ حُكْم يصدر عن القضاء التّابع والوظيفي حتى لو كانت الوقائع صحيحة، وفي أفضل الحالات فهو يُثير الشكوك حول ذلك الحكم وحول شرعية المحكمة التي صدر عنها ويفتح الباب للمزايدات والادّعاء بأنّ هذا الملفّ أو ذاك مُفتعل لأسباب سياسيّة. وأكثر من ذلك فإنّ غياب شروط المحاكمة العادلة لا يُساعد بأيّ شكل من الأشكال على كشف الحقيقة. فعندما لا تكون المحاكمة علنيّة ولا يُسْمح فيها للمتّهمين بالحضور مباشرة في الجلسة للدّفاع عن أنفسهم ويقع اسْتنطاقهم عن بعد بذريعة الطابع الإرهابي للقضية ولا يتمكّن المحامون من الدفاع عن موكّليهم ولا حتّى من زيارتهم في السجن بحريّة (وهو سبب من أسباب إضرابهم الأخير) ولا يحضر الإعلام لنقل وقائع الجلسات وبالتالي لا يطّلع الرأي العام على تفاصيل القضيّة فإنّ المحاكمة التي تجري في مثل هذه الظروف لا يمكن أن تكون عادلة مهما كان المتهم لأنّ هدف سلطة الاستبداد منها ليس كشف الحقيقة وإنّما تصفية حساب مع جهة معيّنة سواء بافتعال ملفّات ضدّها أو حتّى باستغلال ملفّات جديّة وتوظيفها ضدّها توظيفا سياسيّا.

وما مِن أحدٍ يُمكنه أن يُنْكر أنّ الملفّات التي علِقت بحركة النهضة سواء منها القديمة (مثل ملف التسفير وملف الجهاز السرّي) أو الجديدة (قضية التآمر، قضية المسامرة…) اتّخذت مع سلطة الانقلاب طابعا سياسيا إذ أنّها وُظّفت في تصفية الحسابات وهو ما لا يمكن أن يقبله كل من يحرّكه واعز الكشف عن الحقيقة بهدف إرساء دولة القانون في بلادنا كشرط من شروط تقدّمها. فكيف يمكن لعاقل أن يقتنع أنّ نفس القضاء الذي يحكم في قضايا “التآمر” المفتعلة وقضايا الرأي المتعلّقة بالصحفيين والمدوّنين وروّاد الشبكة الاجتماعية بأحكام جائرة بلغت حدّها الجنوني في الحكم على صاحب تدوينة أو تدوينات ينتقد أو يتهجّم فيها على قيس سعيّد بالإعدام، يمكن أن يتحوّل إلى قضاء عادل ومستقل حين يتعلق الأمر بقضايا حركة النهضة المؤسس منها على وقائع مثل قضية التسفير أو الجهاز السرّي أو المفتعل منها مثل قضية المسامرة التي تحولت إلى قضية تآمر على أمن الدولة؟ هذا القضاء “السكيزوفريني”، “شطر وظيفي وشطر عادل”، لا يوجد إلّا في أذهان المرضى بالانتهازيّة الذين لا مبدأ لهم والذين يقودهم شيء واحد التزلّف للحاكم المستبدّ من جهة والتشفّي المرضي في خصم سياسي (متلازمة “الإخوان”) من جهة أخرى.

نقطة التوازن بين المطالبة بالمحاسبة وبين الدفاع عن شروط المحاكمة العادلة

إن الديمقراطي الحقيقي في مثل هذه الحال بقدر ما يتمسّك بضرورة كشف الحقيقة وبالمحاسبة الصارمة لكل من أجرم، لا يتردّد في التباين مع المسار الوظيفي الذي يضفيه الحاكم المستبدّ على القضية المحددة فيضيع جوهرها ويفتح الباب لتحويل المجرم إلى ضحيّة. و”كلامنا قياس”، فالأحكام في قضيّة الجهاز السرّي تفقد معناها حين تلتبس بعدم احترام شروط المحاكمة العادلة ويمكن أن يشكّك فيها أي كان وتضيع مناقشة الجوهر في ثنايا الحديث عن الجوانب الإجرائيّة التي تمثل فعلا جزءا لا يتجزّأ من شروط المحاكمة العادلة. وعليه فإن شروط المحاكمة العادلة مسألة مبدئية غير قابلة للتصرّف. ولا يذهب في الظن أنّها مطلب المتّهم فحسب بل إنّها مطلب صاحب الحق أيضا. فإذا كان الغرض من المحاكمة العادلة بالنسبة إلى المتهم تمكينه من الدفاع عن نفسه ومن تقديم كل الحجج المادية والقانونيّة التي تخدم لصالح تبرئته فإنها أيضا ضمانة للمتضرّر كي ينال حقّه لأن القضاء الوظيفي يمكن أن يحرمه من هذا الحق نتيجة تدخل جهة نافذة مثلا، كما يمكن لهذا القضاء الوظيفي خاصة في القضايا السياسية أن يفقدها بعدها الرمزي حتى لو كان الحكم الصادر قاسيا.

إن الهدف في القضايا العادلة ليس فقط صدور الحكم القاسي على الجاني بل أيضا أن يكون الحكم مؤسّسا على حيثيّات ومقنعا للرأي العام حتى لا يبقى للجاني أيّ مهرب للتملّص من مسؤوليته علاوة على ما في الحكم من رسالة للأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق فأن تكون نقديا تجاه القضاء الوظيفي، غير العادل، لا يعني بالمرة أنّك تشكّك في القضية الأصلية القائمة على وقائع حقيقية أو أنّك تنفي ضرورة المحاسبة على غرار ما يفعله البعض اليوم لأسباب سياسيّة حيث كانوا بالأمس خصوما لدودين لحركة النهضة يكيلون لها التهم دون حساب أو ضابط فإذا بهم اليوم ينقلبون بـ180 درجة ويستغلون وضع الاستبداد لتبرئتها من كلّ شيء ويشوّهون من لا يقبل التحالف السياسي معها.

إن الديمقراطيّ الحقيقي هو الثابت على المبدأ، لا يزعزعه عنه أي ظرف طارئ لا في هذا الاتجاه ولا في ذاك. فإن كنت مع المحاكمة العادلة فلا يصرفنّك عنها خلاف فكريّ أو سياسيّ مع الضحيّة ولا تسقطنّ في الحسابات الخاطئة أو في الشماتة والتشفّي أوّلا لأنّ ما يقودك ليس أمرا ظرفيّا، عابرا بل هدفك الاستراتيجي وهو بناء دولة القانون التي يتمتّع فيها المواطنون/المواطنات بحريتهم وحقوقهم دون ميز ولا يشعرون فيها بالخوف أو الاغتراب، وبالتالي لا بد من أن يكون سلوكك التكتيكي منسجما مع ذلك الهدف: ترفض الظلم مهما كان مصدره ومهما كان ضحيته. وثانيا لأنّك إذا قبلت الظلم وتنازلت للاستبداد حفرت قبرك بيدك لأنّك لن تفلت منه لأبسط الأشياء ووقتها ستفهم أنّك أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض. وإن كنت مع ضرورة كشف الحقيقة والمحاسبة فلا تصرفنّك عنها أيضا ظروف اليوم و”تحوّل الظالم إلى مظلوم” بل تمسّكْ بها واعمل على توفير شروط تحقيقها وادفع مرتكب الجرم إلى تحمّل مسؤوليته أمام عموم الناس ولا تساعده على طمس الحقيقة والإفلات من المحاسبة لأنّك تشجعه بذلك على إعادة إنتاج نفس المنظومة الظالمة في ظروف أخرى كما أنّك تفقد ثقة الضحيّة وتدفعه إلى الارتماء في أحضان الفاشية الشعبوية التي ترفع شعار المحاسبة والعدالة ولا تطبقه.

درس قانوني وسياسي للانتهازيّين

وفي هذا السياق علينا العودة إلى بيان هيئة الدفاع بتاريخ 30 جانفي الماضي ففيه درس قانونيّ وسياسي لكلّ الانتهازيين من سقط متاع الحشد الفاشي. ففي هذا البيان أعلنت هيئة الدفاع “تعليق حضورها في جميع جلسات المحاكمات المتعلقة باغتيال الشهيدين” لا لأنّها كانت تشكّ في أن القضاء سيبرئ المتهمين في القضية أو أنّه لن يصدر ضدهم أحكاما قاسية وإنما لأنها على الأرجح أدركت أن سلطة الانقلاب تريد إفراغ القضيّة من بعدها السياسيّ، التاريخيّ، وتحويلها إلى مجرّد قضيّة حقّ عام، وهذا ما ورد في البيان “إنّ هيئة الدفاع في ملف الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وإثر الاجتماع الطارئ الذي عقدته يوم 30 جانفي 2025 وبعد استعراضها لسير الجلسات الأخيرة في ملف الشهيدين في الطورين الابتدائي والاستئنافي وما رافقها من إجراءات مستجدّة يهمّها أن تبلغ الرأي العام الوطني بالتالي:

أوّلا: لقد عاينت الهيئة اضطرابا وتسرّعا غير مبرّر في تسيير المحاكمات وضغطا على أطرافها يخشى منه المس من جوهر التتبّع القضائي المتمثّل في كشف الحقيقة وتحقيق العدالة في قضايا الاغتيال مع التنبيه إلى أنّ هذا التسرّع والاضطراب لا علاقة له بمطلب سرعة الفصل الذي ينادي به الجميع.

ثانيا: استمرار سلطة الإشراف في عسكرة محيط الجلسات ومنع العموم من مواكبتها وخاصة الصحفيّات والصحفيّين وهو ما يمسّ من ركن علنيّة المحاكمة الذي يعدّ شرطا جوهريا من شروط المحاكمة العادلة ويحرم الرأي العام الوطني من حقّه في الاطلاع على الحقيقة.

ثالثا: تكريس إجراء ما يسمّى “المحاكمة عن بعد” وذلك بعدم إحضار المتهمين واستنطاقهم في سجن إيقافهم عبر تقنية الاتصال السمعي البصري في قاعة خالية وهو ما حوّل المحاكمة في قضايا الشهيدين إلى تجربة مخبريّة باهتة وفاقدة لأي أثر.

رابعا: عدم استقرار تركيبة الهيئة القضائيّة المتعهّدة بملفات الاغتيالات بصورة تؤثّر على حسن التعهّد بها خصوصا أمام تشعّبها وارتباط بعضها ببعض.

وبناء عليه تعتبر هيئة الدفاع أن العوامل المذكورة متظافرة قد حوّلت ملفات الاغتيال إلى مجرّد ملفّات حق عام وجعلت من محاكمة المورّطين عملية محاسبة قضائيّة تقنية مفرغة من أبعادها الوطنيّة والتاريخيّة والسياسيّة.

وتعلن تبعا لذلك تعليق حضورها في جميع جلسات المحاكمات المتعلّقة باغتيال الشهيدين”.

هذا هو نص البلاغ حرفيّا. فهل أخطأت هيئة الدفاع في موقفها؟ طبعا لا، بل إنها أصابت وهي تؤكّد أنّ المسار الذي اتخذته القضايا المتعلقة باغتيال الشهيدين مسار خاطئ يفرغها في النهاية من “أبعادها الوطنيّة والتاريخيّة والسياسيّة”. وفي هذا السياق ينبغي تأكيد أنّ الذين يجعلون من الشهيدين غطاء لدعمهم للاستبداد والدكتاتوريّة والظلم، والمحاكمات الجائرة وإخضاع القضاء وتدجينه وفتح الباب لضرب حرية التنظّم تحت غطاء “التخلص من حركة النهضة” إنما يشكلون خطرا كبيرا على ذاكرة الشهيدين اللذين ضحّيا بحياتهما دفاعا عن الثورة وعن قيمها الديمقراطيّة والتقدّمية. وفي هذا السياق لا ينبغي الاعتقاد بالمرّة أن النضال من أجل كشف الحقيقة انتهى بمجرّد صدور الحكم في قضية الجهاز السرّي، فهذا الحكم على عكس ما يظنّ البعض ينبّهنا إلى أنّ معركة كشف الحقيقة ينبغي أن تتواصل لأنّ الأحكام الناجمة عن محاكمات تنتفي فيها شروط العدل مرشّحة للنقض في أوّل تغيير للسلطة وهو ما يهدّد وقتها بنسف الحقيقة بناء على ما حصل من انتهاكات لتلك الشروط فلا تتوقف المراجعة في حدود المطالبة باحترام الإجراءات في محاكمات جديدة عادلة بل تتعداها إلى استغلال الانتهاكات للتشكيك في وجود الجريمة نفسها وتحويل اهتمام الناس إلى مسائل ثانويّة فتكون النهاية إفلات المذنب من جديد من العقاب وعدم توثيق الحقيقة التاريخيّة وعدم استفادة المجتمع من تجاربه كي يضع أسس دولة القانون الديمقراطيّة. كل هذا يدفعنا اليوم إلى أن نكون دون انتظار في مقدمة المدافعين عن استقلالية القضاء والمتصدّين للمحاكمات الجائرة وانتهاك أبسط شروط المحاكمة العادلة حتى نكون جاهزين في الوقت المناسب لسد الباب أمام إعادة إنتاج منظومة الاستبداد سواء بفاعلين قدامى أو جدد أو بالاثنين معا.

إلى الأعلى
×