الرئيسية / عربي / الحوار الوطني الفلسطيني: بين حسابات المقاومة ومشاريع الاحتواء والتواطؤ
الحوار الوطني الفلسطيني: بين حسابات المقاومة ومشاريع الاحتواء والتواطؤ

الحوار الوطني الفلسطيني: بين حسابات المقاومة ومشاريع الاحتواء والتواطؤ

بقلم حمادي المثلوثي

في الوقت الذي يواصل فيه الشعب الفلسطيني دفع أثمان باهظة من دمائه وأرضه ومستقبله، تتكثّف التحرّكات السياسيّة تحت عنوان «الحوار الوطني الفلسطيني» وترتيبات «اليوم التالي» للحرب على غزة. وبينما يُقدّم هذا الحراك باعتباره سعيا إلى توحيد الصف الفلسطيني وإنهاء الانقسام، تفرض الوقائع السياسيّة سؤالا مشروعا: هل يتعلق الأمر فعلا بإعادة بناء الوحدة الوطنيّة على أسس كفاحيّة وديمقراطيّة، أم أنّنا أمام محاولة جديدة لاحتواء نتائج صمود المقاومة وإعادة إنتاج التوازنات التي خدمت الاحتلال لعقود؟

السّياسة استمرار للحرب بأشكال أخرى

نتذكّر أنّ حكومة الاحتلال دخلت الحرب وهي ترفع أهدافا واضحة ومعلنة: القضاء على حركة حماس وفصائل المقاومة، وتفكيك بنيتها العسكريّة والتنظيميّة، واستعادة الأسرى الإسرائيليين بالقوّة العسكريّة، وفرض واقع سياسي وأمني جديد يمنع عودة المقاومة مستقبلا ويكرّس الهيمنة الصهيونيّة على كامل الأرض الفلسطينيّة.

كما راهنت الإدارة الأمريكية على أن تفضي الحرب إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني بما يسمح بإحياء مشروع التسوية وفق شروط أكثر انسجاما مع المصالح الأمريكية والصهيونية.

غير أنّ الوقائع جاءت مغايرة لهذه الحسابات. فعلى الرّغم من التدمير الواسع ومجازر الإبادة الجماعيّة وسياسيّة التجويع والحصار، لم يتمكّن الاحتلال من القضاء على المقاومة أو تصفية حضورها السياسي والشعبي. كما أثبت ملف الأسرى حدود القوة العسكريّة الصهيونيّة، واضطرّت حكومة الاحتلال إلى العودة مرارا إلى مسارات التفاوض غير المباشر بعدما تبيّن استحالة تحقيق أهدافها بالقوة وحدها.

لقد أنتج هذا الفشل أزمة حقيقيّة لدى الاحتلال وحلفائه. فمن جهة، لم يتحقّق الحسم العسكري. ومن جهة أخرى، بات من الصعب تجاهل المكانة التي فرضتها المقاومة داخل المجتمع الفلسطيني وفي معادلات الصّراع الإقليمي. وهنا بدأ البحث عن أدوات سياسيّة يمكن أن تحقّق ما عجزت عنه الحرب: احتواء المقاومة، وتطويق نتائج صمودها، وإعادة هندسة المشهد الفلسطيني الدّاخلي. وفي هذا السياق برزت بقوة فكرة «اليوم التالي للحرب». فبدلا من الحديث عن إنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الوطنيّة الفلسطينيّة، انصبّ اهتمام الدوائر الأمريكيّة والصهيونيّة على كيفيّة إدارة غزّة بعد الحرب، ومن سيتولى السلطة فيها، وكيف يمكن منع المقاومة من ترجمة صمودها العسكري إلى مكاسب سياسيّة. ومن هنا تحولت الدعوات إلى الحوار الوطني الفلسطيني إلى جزء من معركة سياسيّة أوسع تتجاوز الإطار الفلسطيني الداخلي.

لقد أثبتت التجربة أن الحرب لم تكن مجرّد مواجهة عسكريّة، بل كانت أيضا محاولة لإعادة تشكيل الواقع السياسي الفلسطيني. وعندما عجزت القوة العسكريّة عن فرض النتائج المطلوبة، انتقلت المعركة إلى ميدان السياسة وهكذا أصبحت المفاوضات والترتيبات والمؤتمرات والمبادرات المختلفة امتدادا للصّراع نفسه، ولكن بوسائل وأدوات مختلفة.

واشنطن وتل أبيب: احتواء ما عجزت الحرب عن تحقيقه

لقد ظهرت خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من المبادرات والمقترحات التي تتحدث عن «إصلاح السلطة الفلسطينية» و«إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية» و«إدارة انتقالية لقطاع غزة». ورغم اختلاف الصيغ والعناوين، فإنها تلتقي حول هدف مشترك يتمثّل في إعادة تشكيل السلطة الفلسطينيّة بطريقة تسمح بإدارة القطاع وإعادة ضبط الوضع الدّاخلي دون أن تكون المقاومة صاحبة القرار السّياسي والعسكري.

ولا يخفى على أحد، أن الولايات المتحدة تتصدّر هذا التوجّه. فقد أكّدت في أكثر من مناسبة رفضها لأيّ دور سياسي أو أمني لقوى المقاومة في مرحلة ما بعد الحرب. كما أن الكيان الصهيوني ينظر إلى هذه الترتيبات باعتبارها فرصة لتحويل إخفاقه العسكري إلى مكاسب سياسيّة واستراتيجيّة.

أمّا على المستوى الإقليمي، فإن المشهد أكثر تعقيدا. فمصر بحكم الجغرافيا ودورها التاريخي في الملف الفلسطيني تمثل طرفا أساسيّا في مختلف الوساطات.

كما تطرح السعودية نفسها لاعبا مركزيّا في أي ترتيبات إقليميّة مستقبليّة مرتبطة بالقضيّة الفلسطينيّة.

أمّا الإمارات فقد انخرطت منذ سنوات في مسار تطبيع شامل مع الكيان الصهيوني وتسعى إلى تكريس بيئة إقليميّة مستقرّة تخدم مشاريعها الاقتصاديّة والسياسيّة.

وتلعب قطر دور الوسيط الرئيسي في مفاوضات الأسرى والتهدئة، وهو ما يمنحها موقعا مؤثّرا في رسم بعض ملامح المرحلة القادمة.

لكن ما يجمع أغلب هذه المبادرات هو أنّها لا تنطلق من السؤال الجوهري المتعلّق بكيفيّة إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنيّة، بل من كيفيّة إدارة الوضع الفلسطيني بما يضمن الاستقرار الإقليمي ويحافظ على التوازنات القائمة. وهنا يكمن جوهر التّناقض بين منطق التحرّر الوطني ومنطق إدارة الأزمة.

وليس من قبيل الصدفة أن يتزامن الحديث عن «إصلاح السلطة» و«إعادة هيكلة المؤسسات» مع استمرار الدعم الأمريكي غير المحدود للاحتلال، سياسيّا وعسكريّا ودبلوماسيّا. فالمطلوب ليس معالجة جذور الصّراع المتمثّلة في الاحتلال والاستيطان، بل إنتاج واقع فلسطيني جديد أكثر قابليّة للتكيّف مع موازين القوى التي تسعى واشنطن وتل أبيب إلى فرضها في المنطقة.

من الاحتواء إلى التواطؤ: أين تتقاطع المصالح؟

إن المسألة لا تتعلق بأسماء الدول فقط، بل بطبيعة المصالح التي تحكم تحركاتها. فأغلب الأنظمة الحاكمة في المنطقة ترى في استمرار المقاومة الفلسطينيّة عقبة أمام مشاريع التطبيع والاندماج الاقتصادي والأمنيّ مع الكيان الصهيوني. ومن هنا تنشأ أشكال مختلفة من الاحتواء السيّاسي، بل ومن التواطؤ، عندما تصبح الأولوية لبعض الأطراف هي إعادة دمج المنطقة في المنظومة التي تقودها الولايات المتحدة، لا دعم مشروع التحرر الوطني الفلسطيني.

إن التواطؤ هنا لا يعني بالضّرورة المشاركة المباشرة في العدوان، بل قد يأخذ أشكالا سياسيّة ودبلوماسيّة واقتصاديّة مختلفة: كالصّمت على جرائم الاحتلال، والضّغط على قوى المقاومة للقبول بتسويات مجحفة، أو السعي إلى إنتاج قيادة فلسطينيّة أكثر قابليّة للانصياع للشروط الأمريكية والصهيونية.

وهي سياسات تلتقي موضوعياّ مع هدف واحد: منع المقاومة من تحويل صمودها العسكري والشعبي إلى مكاسب سياسيّة واستراتيجيّة. ومن هنا يصبح الحوار الوطني ساحة مواجهة بين مشروعين متناقضين.

المشروع الأول يرى أن الأولويّة هي إعادة بناء الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة على قاعدة المقاومة والتحرّر الوطني، وأن أي وحدة وطنيّة يجب أن تنطلق من برنامج مواجهة مع الاحتلال والاستيطان.

أمّا المشروع الثّاني فيسعى إلى إعادة إنتاج صيغة قريبة من مرحلة أوسلو، مع بعض التعديلات الشكلية التي تفرضها المتغيّرات الجديدة.

لقد قدّمت العقود الثلاثة الماضيّة برهانا واضحا على حدود هذا الخيار. فمنذ توقيع اتفاق أوسلو توسّع الاستيطان بصورة غير مسبوقة، وتواصل تهويد القدس، وتعاظمت هيمنة الاحتلال على الاقتصاد الفلسطيني، فيما انتهت المفاوضات إلى طريق مسدود. ولذلك فإنّ العودة إلى المنهج نفسه تحت عناوين جديدة لا تعني سوى إعادة إنتاج الأزمة التي تعيشها القضيّة الفلسطينيّة منذ سنوات.

إنّ الشعب الفلسطيني لا يحتاج اليوم إلى وحدة شكليّة تُبنى على إقصاء المقاومة أو تحييدها، بل إلى وحدة كفاحيّة نضاليّة ديمقراطيّة تستند إلى حقّه المشروع في التحرّر الوطني. كما أن إعادة بناء المؤسسات الوطنيّة يجب أن تتم على قاعدة الشّراكة الشعبيّة والتمثيل الدّيمقراطي، لا على قاعدة التكيّف مع شروط المانحين أو الضغوط الدوليّة.

إن المعيار الحقيقي للحكم على أي حوار وطني ليس عدد الاجتماعات ولا حجم التوافقات المعلنة، بل الإجابة عن سؤال جوهري: هل يخدم مشروع التحرير الوطني الفلسطيني أم يخدم مشاريع الاحتواء التي تسعى إلى إنقاذ ما عجزت الحرب عن تحقيقه؟

ذلك هو التحدّي الحقيقي المطروح اليوم أمام الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة فإمّا أن يتحوّل الحوار إلى أداة لتعزيز المقاومة ووحدة الشعب الفلسطينيّ، وإما أن يصبح جزءا من عمليّة أوسع هدفها احتواء نتائج الصمود الفلسطيني وإعادة إنتاج معادلات أثبت التّاريخ فشلها. وبين هذين الخيارين يتحدّد مستقبل القضية الفلسطينية في السنوات القادمة.

إلى الأعلى
×