الرئيسية / صوت الوطن / استعدادات المعارضة بين حسابات الفوز بالسلطة ومصالح الشعب
استعدادات المعارضة بين حسابات الفوز بالسلطة ومصالح الشعب

استعدادات المعارضة بين حسابات الفوز بالسلطة ومصالح الشعب

بقلم :علي البعزاوي

لا شك أن أغلب التونسيات والتونسيين أصبحوا اليوم مقتنعين، بهذه الدرجة أو تلك، بأن الشعبوية اليمينية الحاكمة فشلت وباتت عاجزة عن إيجاد الحلول للازمة الشاملة والعميقة التي تتخبط فيها البلاد في مناخ إقليمي ودولي يرزح تحت توترات وحروبا ساهمت في تعميقها من خلال الارتفاع الجنوني للأسعار وشح المواد الحياتية بسبب الغلق والحصار وصعوبة التمويل وتدهور القدرة الشرائية. بل إن جزءا من الشعب التونسي أصبح على يقين بأن الشعبوية لا تختلف عن سابقاتها من منظومات الحكم اليمينية وأنها أصبحت منتهية الصلاحية وأن الحل الجذري يتمثل في إسقاطها والاستعاضة عنها ببديل جديد اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي قادر على معالجة الأزمة والاستجابة لانتظارات الشعب. في حين يرى جزء آخر أن المشكل الجوهري يتمحور حول شكل السلطة المتسم بالانغلاق وتكميم الأفواه وشل مؤسسات الدولة وضرب صلاحياتها وتهميش العملية الانتخابية واختزالها في انتخابات صورية وشكلية معلومة النتائج مسبقا مثلما كان يحصل في عهدي بن علي وبورقيبة. وأن المطروح حسب هذه القراءة هو تجميع كل المعارضات بيمينها ويسارها ووسطها من أجل وضع حد للحكم الشعبوي ثم التوافق لاحقا حول صيغة حكم جديد عماده انتخابات تعددية وديمقراطية تفرز مؤسسات جديدة.

تونس تدخل مرحلة جديدة

الأكيد أن تونس بهذه التطورات وهذا الوعي لدى النخب دخلت مرحلة جديدة، مرحلة الإعداد والاستعداد لحكم جديد. وأن عديد القطاعات من معطلين من أصحاب الشهائد وأساتذة وأعوان صحة وعمال نقل ومحامين وغيرهم دخلوا في تحركات وشنوا إضرابات وأعلنوا عن لوائحهم المطلبية وهم يستعدون لجولات أخرى ستكون أكبر وأكثر ضغطا. هذا بالإضافة إلى الأحزاب السياسية والمنظمات والجمعيات التي انطلقت في تحركات من أجل إطلاق سراح المعتقلين من السياسيين والنشطاء والصحافيين يضاف إلى كل هذه الفعاليات الحراك البيئي في قابس الذي عاد بعد هدنة ليست بالقصيرة، ويبدو من خلال المؤشرات الأولية أنه سيكون أقوى وأشد بعد أن تأكد الأهالي من التسويف والمماطلة وربح الوقت الذي اعتمدته السلطة القائمة إزاء هذا الملف الحساس. إن أهالي قابس على يقين بأن السلطة القائمة لا تريد حلولا وأن الحل يتمثل في التصعيد بالنظر للمخاطر التي تهدد أهالي قابس الذين خسروا بيئتهم النظيفة وشواطئهم وفلاحتهم وباتوا في المقابل عرضة للأمراض الفتاكة المرتبطة بالتلوث المتأتي من مادة الفسفوجيبس التي يفرزها مصنع تحويل الفسفاط.

مثل هذه التطورات في المشهد العام رغم حالة البطء التي تتسم بها من شأنها شحذ الاستعدادات ووضع الأحزاب وكل الأطراف والفعاليات أمام مسؤولياتها حتى تلعب دورها وتساهم في عملية التغيير وتطبعها بطابعها وتضبط إيقاعها وفق ما يراه كل طرف.

تصورات وبرامج مختلفة

من الطبيعي أن تتعدد المقاربات بالنظر للمواقع وزوايا النظر المختلفة. فحركة النهضة وحلفاؤها الذين يشكلون جبهة الخلاص يسعون إلى تجميع كل معارضي قيس سعيد بما في ذلك الدساترة والتجمعيين الذين قامت ضدهم الثورة أملا في الخلاص. ويبدو أن الأخيرين لا يرفضون التحالف مع جبهة الخلاص أولا بدعم خارجي وثانيا قناعة منهم بأن اليد الواحدة لا تصفق ولا يمكن تجاوز السلطة الشعبوية إلا من خلال تحالف عريض ولو مع أعداء الأمس.

إن هذا الالتقاء /التحالف المرتقب منتظر ومنطقي إذا انطلقنا من البرنامج والخيارات والسياسات التي يطرحها الطرفان اليمينيان كبديل عن الشعبوية، فهما تعبيرتان سياسيتان خدمتا وستخدمان في حال الوصول إلى الحكم مصالح البورجوازية الكمبرادورية ومصالح الشركات والمؤسسات الاستعمارية الجديدة ولا يوجد في جعبتهما أي مشروع وطني بديل يؤسس لبناء اقتصاد وطني جديد مستقل. وكل ما يمكن أن ينجزه هؤلاء هو العودة إلى الديمقراطية الليبرالية كشكل جديد للسلطة يفتح أبواب الترشح الحر في الانتخابات وتكوين الأحزاب والنشاط الجمعوي الخ… مع إمكانية التراجع والضبط والتكشير عن الأنياب في زمن الأزمات.

لا شك أن هناك علاقة جدلية بين برنامج وخيارات الحكم والشكل المزمع اعتماده للوصول إلى السلطة. إن المحدد الأساسي في تكتيك كل طرف هو البرنامج الذي ينوي تحقيقه والتحالفات التي يمكن أن تساعد على تحقيق هذا البرنامج وما دام هذا الأخير يخدم أساسا القوى الاستعمارية وكبرى شركاتها ومصالحها أو وكلائها المحليين ممثلين في البورجوازية الكبيرة العميلة فلا مانع سياسيا وأخلاقيا من وضع اليد في اليد والتعويل لم لا على القوى الامبريالية وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي وأمريكا وجزء من الرجعية الخليجية وهم الداعمون التقليديونلكل المنظومات الرجعية العميلة التي حكمت البلاد.

لكن هناك من جهة أخرى القوى الثورية والديمقراطية والتقدمية من أحزاب ومنظمات فعاليات وشخصيات التي تطرح مشروعا بديلا مستقلا عن الإملاءات الخارجية وخادما لمصالح الأغلبية الشعبية على حساب البورجوازية الكمبرادورية التي رهنت الاقتصاد الوطني لصالح الشركات والمؤسسات الأجنبية وساهمت في ربطه عضويا بالاقتصاد الرأسمالي العالمي في إطار التقسيم العالمي للعمل. ولم تجن تونس من ذلك سوى مزيد الفقر والبطالة ومزيد التبعية وتدهور القدرة الشرائية والخدمات الأساسية… وانطلاقا من هذا البرنامج البديل فإن هذه القوى ترفض التشبيك مع القوى اليمينية (نهضة – تجمع – دساترة) ولا تعوّل على القوى الخارجية في أي مشروع تغيير جديد، بل تعول فقط على الشعب التونسي من عمال وفلاحين وشباب ونساء ومثقفين ومبدعين ونقابيين ديمقراطيين لتأثيث وإنجاح عملية التغيير التي ستتم بواسطة الشعب ولصالح الشعب وسترسي منظومة جديدة مستقلة عن كل أشكال التبعية وخادمة لمصالح الأغلبية الشعبية.

موازين القوى مختلة لصالح القوى الرجعية ولكن

لا شك أن موازين القوى الحالية مختلة لصالح القوى الرجعية سواء التي في الحكم أو خارجه، إضافة إلى أن القوى الثورية والديمقراطية والتقدمية مشتتة ولا تثق بما فيه الكفاية بقدراتها وإمكانياتها. وربما تجربة الجبهة الشعبية رغم أنها حققت مكاسب هامة وشكلت نقطة ضوء في آخر النفق في زمن تغول اليمين الرجعي بشقيه الظلامي والحداثوي المزيّف، ربما مازالت تلقي بظلالها على القوى التي عاشت التجربة وتخلق أمامها بعض الصعوبات. لكن نعتقد أنه حان الوقت بالنسبة لهذه القوى وفي مقدمتها حزب العمال لشق طريقها بثبات وطرح بديلها على الشعب والعمل على الإقناع به على نطاق واسع. ونعتقد أيضا أن خروج القوى المذكورة من ترددها وانكفائها على ذاتها والربط مع الشعب والتعبير عن مواقفها من كل القضايا المطروحة المحلية والإقليمية والدولية سيلقى صدى إيجابيا لدى الشارع التونسي وسيشكل دافعا لمحاولات التشبيك والعمل المشترك حتى تصبح القوى الثورية والديمقراطية والتقدمية رقما محترما وقوة مؤثرة يمكن أن تلعب دورا أساسيا في معركة التغيير التي يستعد لها الشعب التونسي بكل طبقاته وفئاته إلى جانب مختلف التعبيرات السياسية التي تخطط للوصول إلى الحكم.

إن هذه القوى قادرة على التدارك والعودة بسرعة قبل فوات الأوان لأن القوى الرجعية لها تجربة طويلة في السلطة وفي الإعداد والاستعداد للسيطرة عليها وهي إلى جانب الخبرة مدعومة بالتأكيد خارجيا وحتى محليا من قبل أصحاب المصالح الضيقة. لكن القوى الثورية والديمقراطية والتقدمية هي في الحقيقة والواقع قوى المستقبل وحاملة البرامج والحلول. وأيديها ليست ملوثة بالفساد ولا بالاستغلال ولا بالعمالة وخدمة الأجندات الاستعمارية والمشبوهة. ومن هذا الماضي الناصع ومن نظافة الأيدي إلى جانب الحلول الملموسة للواقع الملموس التي تمتلكهاتستمد قوتها وقدرتها على التعبئة وعلى الإقناع لتشكل وبالسرعة المطلوبة قطب التغيير الحقيقي الذي سيحقق أهداف ثورة الحرية والكرامة.

فإلى العمل الجاد على طريق القطب الديمقراطي المستقل القادر على تحقيق أهداف الثورة المغدورة.

لا شعبوية لا دساترة لا اخوانجية.

إلى الأعلى
×