بقلم :وليد المرداسي
يكتب لنا التاريخ الحديث اليوم قصة الصمود الاستثنائي لحركات المقاومة في الشرق الأوسط؛ حركاتٌ حملت واكتنزت كل الإرث النضال الإنساني عبر العصور، لتنتفض وتكسر غطرسة القوى الاستعمارية، وتفرض معادلات ردعٍ تاريخية غيّرت وجه المنطقة بالكامل. وفي طليعة هذا المشهد الأسطوري، يبرز ‘محور المقاومة’ في لبنان كقوة عسكرية وسياسية فريدة لا تنكسر، نجحت في تحطيم عقيدة الحروب التقليدية خلال مواجهتها المباشرة مع آلة الحرب الأكثر فتكاً في التاريخ المعاصر. واليوم، تخوض هذه المقاومة الباسلة معركة تثبيت الانتصار في أدق مراحلها؛ حيث يتكامل صمود أبطالها الأسطوري في الميدان مع جهود جبارة لإعادة الإعمار، وتحصين الجبهة الداخلية ضد الضغوط والمؤامرات البديلة، مُثبتةً قدرة فائقة على التكيف عسكرياً ودبلوماسياً لحماية أهلها وبيئتها الحاضنة الوفية، وصون مكتسباتها التاريخية. وفي ظل هذا الواقع المعقد إقليمياً ودولياً، كيف يرتسم مستقبل المقاومة في لبنان؟
يمر لبنان اليوم بمنعطف تاريخي خطير يعيد صياغة معادلاته السياسية والعسكرية بالكامل، حيث يواجه مستقبل محور المقاومة الاختبار الأكثر تعقيداً في تاريخه الحديث. بين إصرار عقائدي وعسكري عنيد على التمسك بسلاح الردع، وبروز تفاهمات إقليمية ودولية عاصفة تسعى لفرض واقع جديد، يطرح السؤال الكبير نفسه: كيف سيرسم هذا التداخل الحاد ملامح المرحلة المقبلة؟ وهل تنجح الضغوط في تفكيك عناصر القوة للمقاومة والتي تراكمت عبر عقود؟
معادلة الأمن المتبادل: خطوط حمراء في المنعطف اللبناني الراهن
يثبت ملف “سلاح المقاومة” أنه الرقم الصعب الذي لا يقبل القسمة على التنازلات، ورغم تلاطم أمواج المؤامرات والضغوط الدبلوماسية، يرفع محور المقاومة لاءاته القاطعة في وجه أي أطروحات تهدف إلى المساس بترسانته الردعية، مؤكداً أن زمن التنازلات المجانية تحت الضغط قد ولى إلى غير رجعة. وفي هذه المواجهة السياسية المصيرية، تستند المقاومة إلى ركيزتين ثابتتين: أولها، السيادة الميدانية الشاملة، فلا نقاش ولا حوار تحت وطأة النار أو الاحتلال، فالسلاح وحده هو القوة القادرة على إجبار العدو الصهيوني على الانكفاء والانسحاب الذليل من النقاط المتحفظ عليها.
وثانيا، معادلة الردع وكرامة التفاوض، حيث تم فرض مبدأ “الأمن المتبادل” كشرط إلزامي ومعيار وحيد بوجه العدو. إنها المعادلة المستمدة من سردية الميدان وحقائق التاريخ، والتي تؤكد أن هذا السلاح هو قوة دفاعية وجودية وتاريخية، حطمت أسطورة كيان الاحتلال، وصانت ثروات ومقدرات الشعب والوطن.
التكيف العسكري: تكتيكات اللامركزية وسلاح المسيرات
عسكريا، فقد أظهرت المقاومة مرونة فائقة وقدرة عالية على التكيف الميداني السريع، متجاوزةً بذلك اغتيال القيادات الكبرى، والتفوق التكنولوجي والاستخباراتي المطلق للعدو الصهيوني. وقد تجلى هذا التكيف في محورين رئيسيين؛ أولهما: حرب الاستنزاف اللامركزية، القائمة على الاعتماد الكامل على المجموعات الصغيرة المستقلة، وتحويل حافة البلدات الأمامية إلى شبكة كمائن مركبة استنزفت القوات البرية للاحتلال وحرمتها من الاستقرار الاستراتيجي. وثانيهما، الاعتماد المكثف على سلاح المسيّرات الانقضاضية، الذي برز كأداة فعالة لكسر التفوق الجوي التقليدي للعدو، وفرض معادلات ميدانية جديدة قادرة على ضرب عمقه العسكري، وتثبيت الردع المتبادل بأقل كلفة بشرية ممكنة.
الجبهة الداخلية: ملحمة الإعمار والنضال السياسي
لا تنفصل معركة الميدان الباسلة عن ملحمة الصمود الداخلية المشتعلة، حيث تواجه المقاومة تحدياً استراتيجياً مزدوجاً في عمقها اللبناني العصي على الانكسار. ويتمثل التحدي الأول في صون الحاضنة الشعبية الوفية التي قدمت الغالي والنفيس، إذ تضع المقاومة ملفات إعادة الإعمار، وتأمين العودة المظفرة للنازحين، وإيواء المتضررين كأولوية قصوى وجبهة مقدسة لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية، لتثبت للعالم أجمع تلاحمها العضوي مع حاضنتها الشعبية، وتحطم على صخرة هذا الثبات كل المخططات والرهانات الخبيثة للبيئات المعادية التي تتربص بوعي الشارع وعزيمته. في المقابل، يبرز التحدي الثاني من خلال نضالها السياسي المحتدم، حيث تسعى بعض القوى وخاصة تيار النظامي، وبدفع من جهات خارجية، لفرض شروط استسلامية تحت مسمى سيادة الدولة الحصرية ونشر الجيش وتطبيق القرارات الدولية، وهي محاولات مكشوفة تهدف إلى تجريد لبنان من عناصر قوته، غير أن المقاومة، المسلحة بحقها المشروع والتفاف شعبها، تخوض هذا الاستحقاق بصلابة سياسية لا تلين، لتؤكد أن السيادة الحقيقية تصنعها تضحيات الشهداء في الميدان وليست الإملاءات المكتوبة، معيدة صياغة علاقتها مع مؤسسات الدولة من موقع الند القوي الحامي للوطن والشريك الأساسي الذي لا يمكن تجاوزه أو عزله في أي معادلة محلية.
المظلة الإقليمية: بين صمود محور المقاومة وعقم الحصار الإمبريالي الصهيوأمريكي
لم يعد المسار المستقبلي لحركة المقاومة في لبنان مجرد تفصيل محلي محكوم بالتوازنات الداخلية، بل أضحى حجر زاوية يرتبط بنيوياً بالمعادلات الجيوسياسية الدولية، ويتأثر مباشرة بمسارات التفاوض الإقليمي في مواجهة الهيمنة الإمبريالية الصهيوأمريكية. وفي هذا المشهد، برزت “جبهة الإسناد” اللبنانية كرافعة استراتيجية وازنة تجاوزت مفاعيلها البُعد التضامني المؤقت؛ لتفرض واقعاً ميدانياً أعاد ترتيب موازين القوى، ومنح المقاومة قدرة عالية على إملاء شروطها من موقع الندّية التاريخية، والقوة المكرسة بفعل الكفاح المسلح.
ومن هذا المنطلق، يكتسب “اتفاق الإطار” الأخير الدبلوماسي بين طهران وواشنطن أبعاده الحقيقية في صراع التحرر الراهن؛ إذ لا يُمثل هذا الإطار تسوية على الهامش أو هدنة مؤقتة، بل هو وثيقة اعتراف دولي وإقليمي بالحقائق السياسية والعسكرية التي فرضتها قوى المقاومة في الميدان. وبناءً على هذا الاعتراف، يتحرك المحور بثبات نحو توظيف هذا الاتفاق كأداة شرعية وقانونية لانتزاع السيادة، وتثبيت المكتسبات الميدانية، وصون خطوط الإمداد الاستراتيجية، مكرساً حضور المقاومة كوجود تاريخي ورقم صعب لا يمكن لأي ترتيبات إقليمية في الشرق الأوسط أن تتجاوزه أو تقفز فوق مفاعيله الكفاحية.
وفي المقابل، تتجلى استراتيجية المحور الصهيوأمريكي المضاد في مساعٍ دؤوبة لتفخيخ نتائج هذا الاتفاق عبر طرح مشاريع عزل ورقابة استعمارية مشددة. وتلهث واشنطن خلف فرض آليات تفسيرية ملتوية وتدابير إجرائية تهدف إلى فصل الملف اللبناني وتجفيف منابع الدعم المالي واللوجيستي، في محاولة يائسة لتحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية عجزت الآلة العسكرية وحلفاؤها عن انتزاعها في الميدان، والالتفاف على الإنجازات المتراكمة لشعوب المنطقة منذ انطلاق جبهات الإسناد.
إننا في خضمّ مواجهة مصيرية مفتوحة وصراع إرادات وجودي لا مساومة فيه؛ صراعٌ تُحيل فيه حركة المقاومة “اتفاقات الإطار” الهشة إلى درع سياسي فولاذي يحمي خياراتها السيادية الفذة وحقها المقدس في مراكمة التسلح الردعي. إنها المعركة الكبرى في وجه غطرسة الهيمنة الإمبريالية بقيادة واشنطن، والتي تتكسر أمواج مؤامراتها مجدداً فوق صخرة صلابة القوى المقاومة وعنفوان صمودها الأسطوري، وهي تفرض بالقوة إعادة رسم الهوية السياسية المستقلة للمنطقة بأسرها، وتقتلع قيود التبعية والمذلة من جذورها.
ختاماً، لم تعد المقاومة في لبنان مجرد قراءة سياسية، بل هي النبض التاريخي والثوري العارم للجماهير، والدرع الوجودي الحقيقي الذي يحمي الأرض والشعب من غدر الاحتلال الفاشي الصهيوني. إن كل الأوهام التي تطالب باحتواء سلاحها، دمجها، أو محاصرتها، ستسحقها حتماً حقيقة تاريخية واحدة: المستقبل في هذه المنطقة لن يصنعه إلا خيار الكفاح المسلح. ومهما بلغت الضغوط وتكالب الأعداء، فإن نزع هذا السلاح وهمٌ مستحيل؛ لأنه عُمّد بالتضحيات اللامتناهية بدماء الشهداء الأبرار، وهو أعمق وأقوى من أن تمسه حسابات تسوية مشبوهة. لقد سقطت الأقنعة وأثبت الواقع أن ما يسمى بالشرعية الدولية لا تحمي الأوطان، بل تحميها سواعد المقاومين المرابطين في الميدان. إن زمن الانكسار والهزائم قد ولى إلى غير رجعة، ومحور المقاومة سيبقى الرقم العصي على الكيان المحتل، فالمقاومة أصبحت حقيقة موضوعية في صياغة المعادلات المنطقة بقواعد القوة والردع.
فإن المستقبل بالمنطقة سيحتكم فعلا للحتمية التاريخية، فهو حاليا يسطره المقاومون الثابتون في متاريسهم، والنصر الحتمي القادم هو الرد الأخير على كل قوى الاحتلال.
صوت الشعب صوت الحقيقة
