بقلم منوّر السّعيدي
يصحّ عليهم المثل الشعبي إذا صبّت اندبي وكان بطلت اندبي.
في كل مرة تضرب فيها كارثة طبيعية تونس، سواء كانت فيضانات جارفة أو موجات حر خانقة أو بردًا قارسًا أو حرائق مدمّرة أو انقطاعًا للماء والكهرباء، يتكرّر المشهد نفسه: شعب يواجه الموت والخسائر وحده، وسلطة غائبة أو متأخرة أو عاجزة. يتكرّر الألم، وتتكرر المآسي، لكن الثابت الوحيد هو أن الضحية دائمًا من أبناء الطبقات الشعبية، من الفقراء والمهمشين وسكان الأحياء المنسية والجهات الداخلية المحرومة.
المسألة ليست مجرد “سوء حظ” أو “غضب طبيعة”، كما تحاول السلطة ووسائل إعلامها تصويرها. الكارثة الطبيعية تصبح مأساة اجتماعية عندما تتخلى الدولة عن مسؤولياتها الأساسية. تصبح الفيضانات قاتلة عندما تُهمل البنية التحتية. يصبح البرد قاتلًا عندما يُترك الفقراء دون حماية أو تدفئة. يصبح العطش جريمة عندما تُنهب الثروات المائية ويُحرم منها أصحاب الأرض.
من منظور طبقي، لا يمكن فصل الكوارث الطبيعية عن طبيعة النظام القائم نفسه. فالدولة التي قلّصت الخدمات العمومية، وضربت الاستثمار الاجتماعي، وخضعت لإملاءات المؤسسات المالية الدولية، هي نفسها الدولة التي تكتشف فجأة عند كل كارثة أنها “تفتقر للإمكانيات”. والحقيقة أنّ الإمكانيات موجودة، لكن السؤال الحقيقي: لصالح من تُوظف؟
حين يتعلق الأمر بخلاص البنوك، أو الامتيازات الجبائية لكبار المستثمرين، أو لبعث شركات أهلية لخدمة المشروع الاخشيدي أو لخلاص خدمة الدين الخارجي، نجد المال حاضرًا وبكثافة. أمّا حين يتعلق الأمر بحماية الأحياء الشعبية، وصيانة شبكات تصريف المياه، وتوفير الماء والكهرباء والنقل والخدمات الأساسية للفقراء، تصبح الدولة فجأة فقيرة ومشلولة.
لقد عرف الشعب التونسي هذا الواقع المرير في أكثر من محطة. في فيضانات سنة 2018، غرقت الأحياء والمنازل والطرقات في ساعات قليلة. لم تكن الأمطار وحدها سبب الكارثة، بل سنوات من الإهمال وغياب التخطيط وتآكل البنية التحتية. أحد المواطنين لخّص المشهد بكلمات موجعة: “الماء دخل علينا في دقائق، خسرنا أثاثنا وذكرياتنا وكل شيء… بقينا وحدنا”. هذه الشهادة لم تكن معزولة، بل كانت صوت آلاف العائلات التي وجدت نفسها في مواجهة الكارثة دون سند حقيقي.
في الشمال الغربي، وخاصة في أرياف مكثر وعين دراهم والكاف وجندوبة وسليانة تتكرر المعاناة كل شتاء. تتساقط الأمطار والثلوج، تُقطع الطرقات، وتُعزل القرى، ويبدأ سكان المناطق المنسية معركة البقاء. لا خبز، لا دواء، لا وسائل نقل، ولا تدخل سريع. مواطن من إحدى المناطق الريفية قال بمرارة: “في التلفزة يقولوا الدولة موجودة، أما هنا ما شفنا حتى حد”. تلك الجملة وحدها تكشف المسافة الهائلة بين خطاب السلطة وواقع الناس.
أمّا في الجنوب، فقد أصبحت أزمة الماء عنوانًا يوميًا لفشل الدولة. في أم العرائس والرديف والمظيلة وحي النور فى قفصة وووووو، لم يعد انقطاع الماء حادثًا استثنائيًا، بل تحول إلى جزء من الحياة اليومية. المواطن ينتظر الماء كما لو أنه امتياز وليس حقًا أساسيًا. المفارقة الصادمة أن هذه الجهات نفسها تنتج الثروات وتحتضن الموارد الطبيعية، لكن أبناءها يعيشون العطش والتهميش.
إنّ التناقض هنا صارخ وفاضح. مناطق تُستنزف ثرواتها لصالح رأس المال المحلي والأجنبي، بينما يُترك سكانها في الفقر والعطش والبطالة. هذا ليس خللًا عرضيًا، بل نتيجة مباشرة لسياسات طبقية واضحة: الثروة تُنتج في الجهات، وتُحوّل نحو مراكز النفوذ والمال، بينما تبقى الجهات المنتجة محرومة من أبسط حقوقها.
في كل كارثة، يظهر التضامن الشعبي كقوة حقيقية. المواطنون ينقذون بعضهم بعضًا، الشباب ينظمون حملات مساعدة، الجيران يتقاسمون ما لديهم. الشعب يثبت دائمًا أنه قادر على الصمود والتنظيم والتكافل. لكن هذا التضامن، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن مسؤولية الدولة.
لا يمكن لشعب كامل أن يعيش معتمدًا على حملات الإغاثة الموسمية وعلى ردود الفعل العاطفية بعد كل كارثة. المطلوب ليس فقط الإغاثة بعد الكارثة، بل الوقاية قبلها. المطلوب بنية تحتية قوية، خدمات عمومية فعالة، تخطيط وطني عادل، واستثمار فعلي في الجهات المهمشة.
لكن السلطة لا تعمل بهذه العقلية. هي لا ترى المواطن إلا كرقم جبائي، أو كتلة انتخابية ظرفية، أو مصدرًا لتحمّل الأعباء والتضحيات. أمّا حين يتعلق الأمر بالحقوق الأساسية، فإن الدولة تنسحب، تاركة المجال لمنطق السوق والفوضى واللامساواة.
إن ما يعيشه الشعب التونسي اليوم يكشف أزمة أعمق من مجرد سوء إدارة. نحن أمام أزمة نموذج اقتصادي واجتماعي كامل. نموذج قائم على التبعية، وعلى خدمة مصالح الأقلية المالكة، وعلى تحميل الفئات الشعبية كلفة كل الأزمات. لذلك فإن الكوارث الطبيعية لا تضرب الجميع بنفس الشكل. الأغنياء يملكون وسائل الحماية والتأمين والنجاة، بينما يدفع الفقراء الثمن مضاعفًا.
هذا هو جوهر المسألة الطبقية. الكارثة قد تكون طبيعية في أصلها، لكن آثارها تحددها البنية الاجتماعية. من يسكن الأحياء الهشة ليس كمن يسكن الأحياء المحمية. من ينتظر صهريج ماء ليس كمن يملك كل وسائل الراحة. من يعتمد على مستشفى عمومي منهك ليس كمن يشتري العلاج في المصحات الخاصة.
ولهذا، فإن المعركة ضد الكوارث الطبيعية ليست تقنية فقط، بل سياسية بامتياز. إنها معركة ضد التهميش وضد اللامساواة وضد السياسات التي حولت الحقوق الأساسية إلى امتيازات.
إن المطلوب اليوم ليس خطابات رسمية مكررة ولا لجانًا ظرفية ولا وعودًا مناسباتية. المطلوب تغيير جذري في السياسات والخيارات. المطلوب دولة في خدمة الشعب لا في خدمة رأس المال. دولة تستثمر في الصحة والتعليم والنقل والبنية التحتية والماء والكهرباء باعتبارها حقوقًا لا سلعًا.
لقد أثبتت التجربة أن الفقراء هم أول من يدفع الثمن وآخر من يُنقذ. وهذا واقع لا يمكن تغييره إلا بفرض ميزان قوى جديد يضع مصالح الأغلبية الشعبية في قلب القرار السياسي والاقتصادي.
إن الكوارث التي تضرب تونس ليست فقط كوارث مناخية أو طبيعية، بل هي أيضًا كوارث سياسية واجتماعية صنعتها سنوات من الإهمال والتفقير والتبعية. والسلطة التي تفشل في حماية شعبها أمام الفيضانات والعطش والبرد والحرائق، هي سلطة تكشف يومًا بعد يوم حدودها وعجزها وانحيازها الطبقي.
أمام هذا الواقع، لا يكفي الغضب وحده، رغم مشروعيته. المطلوب تنظيم هذا الغضب وتحويله إلى قوة اجتماعية وسياسية قادرة على فرض البديل. بديل يقوم على العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والكرامة الإنسانية.
لأن المسألة في النهاية واضحة: إمّا استمرار منظومة تُراكم الثروة لفائدة أقلية وتترك الأغلبية تواجه الموت والفقر والتهميش، وإمّا بناء تونس جديدة تكون فيها الثروة الوطنية في خدمة الشعب، وتكون فيها حياة المواطن وكرامته فوق كل اعتبار.
هذه هي المعركة الحقيقية. وهذه هي القضية التي تفرض نفسها اليوم بإلحاح: من أجل من تُدار الدولة؟ ومن يدفع ثمن خياراتها؟
والجواب يعرفه الشعب جيدًا، لأنه يدفعه من لحمه وعرقه وكرامته، كل يوم، ومع كل كارثة جديدة.
“إذا الشعب يومًا أراد الحياة *** فلا بد لليل أن ينجلي” على رأي شاعر تونس أبو قاسم الشابي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
