الرئيسية / صوت العالم / الرياضة بين الإنسان والسلعة: هل من بديل اشتراكي لهيمنة السوق؟
الرياضة بين الإنسان والسلعة: هل من بديل اشتراكي لهيمنة السوق؟

الرياضة بين الإنسان والسلعة: هل من بديل اشتراكي لهيمنة السوق؟

بقلم : الناصر بن رمضان

الرياضة مرآة المجتمع: منطلق المقارنة بين المنوالين

منذ نشأتها الحديثة في القرن التاسع عشر، لم تكن الرياضة مجرد نشاط بدني أو وسيلة للترفيه، بل كانت دائمًا انعكاسًا لطبيعة المجتمع الذي تنتج داخله. فكما توجد مدرسة ليبرالية في الاقتصاد ومدرسة اشتراكية في السياسة، وجدت أيضًا رؤيتان مختلفتان للرياضة ووظيفتها الاجتماعية. الأولى هي الرؤية الرأسمالية التي تنظر إلى الرياضة باعتبارها مجالًا للاستثمار والربح وصناعة الفرجة، والثانية هي الرؤية الاشتراكية التي سادت في عدد من التجارب التاريخية الكبرى، وفي مقدمتها الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، والتي تعاملت مع الرياضة باعتبارها حقًا اجتماعيًا وأداة لبناء الإنسان الجماعي. واليوم، في ظل التحول الهائل لكرة القدم وسائر الرياضات الجماعية إلى صناعة عالمية تقدر مداخيلها بمئات المليارات، يعود السؤال القديم بقوة: هل وُجد بالفعل بديل اشتراكي للرياضة؟ وهل ما تزال أفكاره صالحة لمواجهة التوحش التجاري الذي يطبع الرياضة المعاصرة؟

المنوال الاشتراكي: الرياضة حق اجتماعي لا امتياز طبقي

لقد انطلقت التجربة الاشتراكية من تصور مختلف جذريًا لدور الرياضة. فالعامل أو الفلاح أو الطالب لم يكن يُنظر إليه بوصفه مستهلكًا للفرجة الرياضية، بل باعتباره فاعلًا ومشاركًا فيها. لذلك استثمرت الأنظمة الاشتراكية بكثافة في الرياضة المدرسية والجامعية والعمالية، ووفرت البنية التحتية والنوادي والمراكز الرياضية على نطاق واسع، بهدف إشراك أوسع قطاعات المجتمع في النشاط البدني. كانت الفكرة الأساسية بسيطة وعميقة في الآن نفسه: الرياضة ليست امتيازًا للأغنياء ولا حكرًا على أصحاب المواهب الاستثنائية، بل هي حق جماعي يساهم في بناء الصحة العامة والانضباط والثقة بالنفس وروح التعاون. ومن هذه القاعدة الجماهيرية الواسعة نشأت رياضة النخبة والمنتخبات الوطنية التي حققت إنجازات كبيرة في الألعاب الأولمبية وفي كرة القدم والكرة الطائرة وكرة السلة وغيرها. لقد كان البطل الرياضي، في المخيال الاشتراكي، ممثلًا لجهد جماعي ومنتوجًا لمنظومة اجتماعية، لا نجمًا معزولًا يُقاس نجاحه بحجم ثروته أو عقوده الإعلانية.

المنوال الرأسمالي: من الرياضة الشعبية إلى صناعة الفرجة والربح

أما في المنوال الرأسمالي السائد اليوم، فقد شهدت الرياضة تحولًا نوعيًا من مجال اجتماعي وثقافي إلى قطاع اقتصادي ضخم. فالأندية الكبرى أصبحت شركات عالمية، واللاعبون تحوّلوا إلى علامات تجارية، والمشجعون إلى مستهلكين، والمنافسات الرياضية إلى منتجات إعلامية تباع وتشترى في الأسواق الدولية. ولم يعد النجاح الرياضي مرتبطًا فقط بالإعداد الفني أو القاعدة الشعبية، بل أصبح مرتبطًا بصورة متزايدة بحجم رأس المال المستثمر وقدرة المؤسسات على جذب الإعلانات وحقوق البث والرعاة. وفي هذا السياق، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة جماعية تعبر عن هوية الأحياء والمدن والطبقات الشعبية، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد عالمي تتحكم فيه الشركات متعددة الجنسيات وشبكات الإعلام العملاقة وصناديق الاستثمار. ومن المفارقات أن الرياضة التي كانت في الأصل وسيلة لتقوية الروابط الاجتماعية أصبحت في كثير من الأحيان أداة لتعميق الفوارق، حيث تتركز الثروة والموارد في عدد محدود من الأندية والبطولات، بينما تعاني آلاف الأندية المحلية من التهميش والإفلاس.

نحو بديل رياضي جديد: إعادة الإنسان إلى مركز اللعبة

غير أن المقارنة بين المنوالين لا ينبغي أن تكون ورديةرومانسية أو تبسيطية. فقد عرفت التجارب الاشتراكية بدورها نقائص عديدة، من بينها مظاهر البيروقراطية وتوظيف الرياضة أحيانًا في الصراع الدعائي بين المعسكرات الدولية في فترة الحرب الباردة، إضافة إلى حالات من التضحية بالبعد الإنساني لصالح هاجس النتائج والتفوق الوطني في عهد البريسترويكا. لكن رغم هذه النقائص، فإن الإرث الاشتراكي يظل حاملاً لفكرة مركزية تكتسب اليوم أهمية متزايدة: الرياضة يجب أن تكون في خدمة الإنسان لا في خدمة السوق. فالقضية الأساسية ليست في عدد الكؤوس والميداليات على أهميتها بل في نوع المجتمع الذي تنتجه الرياضة. هل هي رياضة تشجع المشاركة الجماعية والصحة العامة والتضامن والتكافؤ؟ أم رياضة تعيد إنتاج منطق الربح والمضاربة والتفاوت الاجتماعي؟ إن الأزمة الراهنة للرياضة العالمية لا تكمن فقط في الفساد أو العنف أو تضخم الأموال وتحول الرياضة إلى واجهة دعاية، بل في تحول النشاط الرياضي نفسه إلى سلعة خاضعة لقوانين السوق شأنه شأن أي منتج آخر.

لذلك فإن البديل الاشتراكي المستقبلي للرياضة لا يمكن أن يكون مجرد استعادة حرفية لتجارب الماضي، بل يجب أن يقوم على إعادة الاعتبار للحق الجماعي في الممارسة الرياضية، وتوسيع الاستثمار العمومي في البنية التحتية والرياضة المدرسية، وحماية الأندية المحلية من هيمنة رأس المال المالي، وإخضاع المؤسسات الرياضية الكبرى لرقابة ديمقراطية أوسع. فالمستقبل لا يتعلق فقط بكيفية إنتاج أبطال أكثر أو تحقيق أرباح أكبر، بل بالإجابة عن سؤال حضاري أعمق: هل نريد رياضة تُنمّي قدرات الإنسان وتخدم المجتمع، أم رياضة تُحوّل الإنسان نفسه إلى سلعة داخل سوق عالمية لا تعترف إلا بمنطق الربح؟ إن هذا السؤال الذي طرحته الحركات الاشتراكية منذ أكثر من قرن، ما يزال حتى اليوم أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في عالم الرياضة المعاصر.

خاتمة

إن الصراع بين المنوال الاشتراكي والمنوال الرأسمالي في الرياضة ليس مجرد خلاف حول أساليب التسيير أو مصادر التمويل، بل هو تعبير عن رؤيتين مختلفتين للإنسان وللمجتمع. ففي الوقت الذي يدفع فيه منطق السوق نحو تحويل الرياضة إلى سلعة والرياضي إلى منتج والمشجع إلى مستهلك، يظل البديل الاشتراكي حاملًا لفكرة جوهرية مفادها أن الرياضة حق اجتماعي وثقافي وتربوي قبل أن تكون نشاطًا اقتصاديًا. ومن هنا تنبع راهنية هذا البديل في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة الإنسان، لا الربح إلى قلب اللعبة.

إلى الأعلى
×