الرئيسية / الافتتاحية / على هامش تحرّك يوم 20 أوت: ربّ استبداد، قد يخفي وراءه استبدادات أخرى
على هامش تحرّك يوم 20 أوت: ربّ استبداد، قد يخفي وراءه استبدادات أخرى

على هامش تحرّك يوم 20 أوت: ربّ استبداد، قد يخفي وراءه استبدادات أخرى

تتزايد القناعة يوما بعد يوم، في صفوف فئات واسعة من الشعب التونسي، أنّ البلاد في أزمة عميقة وأن نظام سعيّد، الشعبويّ الاستبداديّ، هو المسؤول الأوّل عن ذلك بعد أن كان وعد بـ”البناء والتشييد”. فهذه الصائفة بيّنت عجزه عن تأمين الحاجات الدنيا للمواطنين مثل مياه الشرب والكهرباء والدواء والأرز والسكّر والبن والشاي، كما بيّنت عجزه أيضا عن التحكّم في أسعار كافة المواد الأساسيّة الأخرى منفلتة العقال. كلّ ذلك في انتظار العودة المدرسية والجامعية التي أصبحت تتطلّب نفقات مشطّة لا تقدر عليها حتّى الفئات الوسطى فما بالك بالفئات الفقيرة. يتساوق هذا مع أسلوب عبثيّ في إدارة شؤون الحكم وتشديد متصاعد لقمع الأصوات المعارضة والناقدة التي امتلأت بها السجون من جديد لتذكّرنا بالفترات الحالكة من تاريخ بلادنا الدكتاتوريّ، في العهدين البورقيبي والنوفمبري.

لكنّ ذلك لم يمنع ظهور موجات من الغضب الشعبي الذي يتحدّى القمع. وقد بلغت هذه الموجات ذروتها في شهر جويلية الفارط الذي تجاوزت فيه التحرّكات الاحتجاجيّة 1100 تحرّك، وهو الرقم الأرفع منذ عشر سنوات الذي يعّد مؤشّرا آخر لما يعتمل في أحشاء البلاد من تراكم تصاعديّ لمظاهر الرفض المرشّح لمزيد التوسّع في المستقبل نظرا للتدهور المريع لأوضاع أغلب فئات الشعب وطبقاته. أمّا المعارضات السياسيّة والقوى النقابيّة والمدنيّة فهي في مرحلة إعادة تنظيم وتموقع وفرز. وفي هذا السياق خرجت بعض فصائلها إلى الشارع في 25 جويلية، ذكرى الانقلاب، ومؤخرا يوم 20 أوت. وجمعت هذه التحرّكات أساسا المعارضة اليمينيّة بفصيليها الرئيسيين: حركة النهضة والحزب الدستوري الحرّ اللذان “تقاطعا ميدانيا” للتنديد خاصة بحملات القمع والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيّين. وقد التحق بهذه التحرّكات عدد من التقدّميين ومن الفعاليات الشبابيّة لا بمنطق الالتزام والانصياع لوحدة المعارضة اليمينية لكن بمنطق “وحدة الساحات” و”توحيد الجهود لإسقاط الاستبداد”. وهو ما أثار جدلا في الاتجاهين: البعض ينقد من شارك من الطيف التقدّمي في هذا التحرّك لما فيه من لبس والبعض الآخر ينتقد من رفض المشاركة ويتّهمه بأنّه لا يريد “توحيد الصف ضد الاستبداد”.

لكن ما فات هذا الصنف الثاني من الناقدين، وهو الذي يعنينا أوّلا وأساسا باعتبارنا لم نشارك في التحرّك، أنّ إسقاط الاستبداد قد يؤسّس لاستبداد جديد ما لم تحمل القوى المناهضة له مشروعا متكاملا يجيب عن الأسئلة الحالية، وعن أسئلة اليوم الموالي والإجراءات التي يتطلّبها النهوض الفعليّ بأوضاع البلاد والشعب، وهذا لن يكون إلّا باتّفاق واضح في حدّه الأدنى على الأقل، لا باتّفاق غامض ومخاتل. إنّ تياري المعارضة اليمينية الرئيسيين اللذين شكّلا العمود الفقري للتحرّكين الأخيرين تحت يافطة “نفس”، لا يخفيان دفاعهما عن ماضيهما في الحكم: فالدستوري الحرّ، الذي لا يعترف بالثورة ولا بمكاسبها الديمقراطيّة وكان من الأوائل في دعم انقلاب 25 جويلية ويعتبر نفسه من صانعيه، يشترط عدم المساس بدكتاتور الأمس، بن علي، الذي ما يزال يعتبره رمزه وقدوته بل إنّه فرض على حركة النهضة، التي انصاعت، سحب لافتة فيها صورة تجمع بين بن علي وسعيّد وتقديم اعتذار عن هذا «التجاوز». أمّا حركة النهضة فهي تدعو إلى “العودة إلى الشرعية” أي إلى منظومة ما قبل الانقلاب التي مهّدت له الطريق بالتفافها على الثورة وفسادها ودهورة ظروف عيش الشعب ولا تقبل رفع شعارات تشهّر بهذه المنظومة. وقد وجد الطرفان في عناصر من “الطيف الديمقراطي” دعما لتوجههما بدعوى “وحدة الساحات” والحال أنّها ساحة واحدة تحت غطاء يميني واحد يفرض عليك ألّا تتحرّك إلّا في الحدود التي يرسمها لك في مسيرة يفترض أنّها تندّد بالاستبداد.

من هذه الزاوية نحن نعتبر أن قطبي المعارضة اليمينية لا يحملان أيّ بديل، ولا يحملان أي تصور لمستقبل تونس سوى إسقاط النظام الحالي لأنّه اضطهدهما كقوى سياسية من خلال الإيقافات التي طالت رموزهما وكوادرهما. إنّ هاجسهما وهدفهما هو تعويض النظام الحالي بنظام لن يكون أفضل منه خاصة في الخيارات الأساسية التي تهمّ السيادة الوطنيّة والعدالة الاجتماعيّة والمصالح الطبقيّة والطابع الريعي غير المنتج للاقتصاد، وحتى في الجانب السياسي فكلاهما لم يعلن أي نقد ذاتي مهما كان حجمه لعقود من احتكار الحكم وتدمير قدرات البلاد بل إنّهما يعلنان التمسّك بما كان رفضه منهما الشعب وما يزال يرفضه. لذلك لم يشارك حزب العمال لا في التحرّك الأخير ولا في سابقه، ليس رفضا للاحتجاج، وهو السبّاق للميادين ولا يحتاج إلى دروس في ذلك، أو مهادنة لنظام الاستبداد وهو الذي كان أوّل من نبّه إليه وقاومه، أو تزكية لممارساته القمعيّة وهو الذي أدانها بمبدئيّة وطالب ويطالب بالحرية لمعتقلي الرأي دون اعتبار لانتماءاتهم الفكرية والسياسيّة، بل رفضا للمخاتلة وانحيازا للوضوح الذي مارسه طوال تجربته النضالية.

إنّ ما تحتاجه تونس اليوم ليس تعويض اليمين الشعبوي باليمين الدستور/النهضوي، بل تعويض كل اليمين بخيارات جديدة وطنيّة، شعبيّة وديمقراطية، تحملها وتعبّر عنها قوى سياسيّة ومنظمات وجمعيات ونقابات وفعاليات شبابية ونسائية ومثقفين ومبدعين وشخصيات، بما يسهّل توحيد الشعب بطبقاته وفئاته ذات المصلحة في التغيير الذي لا يجب أن يكون تغيير حاكم بل تغيير منظومة حكم ونفوذ وسيطرة طبقيّة. خيارات مدونة ومتفق عليها حول التعاطي مع الأسئلة الحارقة التي تهمّ شؤون اليوم وغدا. دون ذلك ستبقى جهود شعبنا وطموحاته المشروعة ألعوبة في يد يمين حاكم ويمين مترصّد. فليتّحد التقدميون والديمقراطيون الحقيقيّون وليكونوا في الشارع دفاعا عن سيادة الوطن وعن الشعب وعن البدائل الثورية التقدمية، ومطالبةً بإخلاء السجون من معتقلي الرأي ووقف المحاكمات الجائرة وتوفير مقومات العيش الكريم للكادحين والفقراء… وإلى ذلك كلّه فلتكن المعارضة معارضات وليكن الصراع بينها بأسلحة فكريّة وفكريّة فقط… ولتكفّ تلك النظرة المتغلغلة في العقول نتيجة قرون من الاستبداد والتي لا ترى الظواهر إلّا في وحدتها الشكليّة ولا تراها في تناقضاتها… أمّا أن يحاول البعض ممارسة ما يزعم أنّه يعارض من أجله قيس سعيّد، أي الاستبداد، كما حصل هذه المرّة أو في مرّات سابقة حين حُرّم حتّى الكلام لوسائل الإعلام باسم الوحدة، إلّا لمن احتكر هذا الحقّ لنفسه، فذلك ما لن يقبله حزب العمال مطلقا من موقع الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية الحقيقية.

الوضوح، الوضوح،
ربّ استبداد يحجب عنك استبدادات أخرى.

إلى الأعلى
×