الرئيسية / الافتتاحية / الامبريالية الأمريكية والكيان النازي يمعنان في إشعال المنطقة
الامبريالية الأمريكية والكيان النازي يمعنان في إشعال المنطقة

الامبريالية الأمريكية والكيان النازي يمعنان في إشعال المنطقة

يتواصل الوضع متوترا في المنطقة الغربية من آسيا رغم إمضاء الاتفاق الإطاريبين الولايات المتحدة وإيران يوم 19 جوان المنقضي، وهو اتفاق يقضي بوضع حد لحرب الأربعين يوما التي عجزت فيها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عن تحقيق أهدافهما في تركيع إيران والسيطرة على مقدراتها. ومنذ إمضاء الاتفاق والشروع في مفاوضات باكستان توقفت لغة التفاوض أكثر من مرة لتتكلم لغة السلاح ظنّا من إدارة ترامب الفاشية أنّه يمكنها بهذه الطريقة فرض ما تريده. لكن كما في حرب الأربعين يوما لم يستطع حلف العدوان فرض معادلاته، فإيران تستمرّ إلى اليوم في الردّ على كل اعتداء وتوجيه الضربات الموجعة للقواعد الأمريكيّة في دول الخليج التابعة. وقد استطاعت تثبيت معادلة ضربة بضربة مما أربك الإدارة الأمريكيّة التي تتحرّك اليوم تحت ضغطين متناقضين، ضغط فرض منطق العربدة والإخضاع بكلّ الوسائل، وضغط الوضع الداخلي الذي بات منزعجا من الحروب المتتالية التي يشنّها ترامب وهو ما فرض عليه الاتجاه في لحظة من اللحظات إلى الإيقاف المؤقت للعدوان وكأنه بدأ يفكّر في الانتخابات العامة النصفية التي ستنتظم بداية نوفمبر والتي تشمل مجلسي النواب والشيوخ وحكام المقاطعات، وهي خطوة تؤشّر لمجريات الانتخابات الرئاسية التي ستتم بعد عامين. لقد بدا أنّ ترامب يروم الدخول في هدنة مؤقّتة إلى حين مرور الاستحقاقات الانتخابيّة التي سيدخلها هو وحزبه وهما في أضعف حال وبأسوأ حظوظ حسب مراكز سبر الآراء. ولكنّ الرجل المجنون عاد إلى التهديد مجدّدا ملوّحا بتوسيع الحرب على إيران.

إن الوضع في المنطقة الآن هو وضع الحرب على دفعات وأساسا من جهة الأمريكان الذين يعون أكثر من غيرهم أن نتائج الصراع الحالي مع إيران ستكون حاسمة في علاقة بخارطة المنطقة وحقيقة موازين القوى فيها مستقبلا. فبالنسبة إلى واشنطن يتعلق الأمر بأحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي من جهة مصادر النفط والطاقة ومن جهة الطرق التجارية والمجاري البحرية التي يحتدم صلبها وحولها الصراع الضاري بين القوى الدولية والإقليمية المتصارعة لأهميتها. أمّا إيران فالأمر مصيري بالنسبة إليها وهي اليوم أمام استحقاق وجودي أظهرت فيه قدرة على التقدّم كلاعب أساسي في سيادته على ثرواته من جهة وكلاعب إقليمي في منطقة هي الأعنف والأكثر اهتزازا في العالم من جهة ثانية. لقد نجحت إيران في استخدام ورقة ضرب مصالح واشنطن في بلدان الخليج المتواطئة في العدوان بشكل سافر وهي ماضية في تصعيد وتيرة ضرب هذه المصالح بما في ذلك في السعودية. كما أنها نجحت في استنفار ورقات إقليمية مهمة مثل الورقة اليمنية التي أصبحت أهم ورقات الضغط الإقليمي والدولي. فالحوثي صمد في صنعاء ولعب دورا محوريا في إسناد الشعب الفلسطيني من خلال الضربات المتتالية على كيان الاحتلال إبان حرب الإبادة العرقية في غزة. وها هو اليوم يوسّع الصراع ليشمل باب المندب والبحر الأحمر الذي تدخّل فيه في السنتين الأخيرتين أكثر من مرة لاستهداف السفن الصهيونية والأمريكية.

عاد الحوثي لإعلاء الصوت ضد الأمريكان والصهاينة وضد النظام السعودي الذي يحاصر اليمن ويحكم نصفها الجنوبي بالتوافق والصراع في نفس الوقت مع الوغد الإماراتي. إن عودة نظام الحوثي للعب دور في البحر الأحمر يعطي لإيران حضورا أكثر فاعلية في أهم مسالك المنطقة أي مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وبلغة أخرى وضع اليد على شريان المنطقة بما يعزز حضورها سواء التفاوضي وهو الذي لم يتوقف، وأيضا العسكري والاقتصادي من خلال استهداف الولايات المتحدة وحلفائها. علما وان بروز الصوت الحوثي أعاد السعودية إلى اعتماد الضربات العسكرية بعد صمت طويل رغم ما طال المنشآت الأمريكية على أراضيها من ضربات إيرانية. إن السعودية اليوم في كماشة إيرانية فحدودها الشمالية والجنوبية تحت سيطرة أنصار إيران، ورغم اتجاههما في السنوات الأخيرة إلى تسوية صراعهما بتدخل صيني، ها هي العلاقات تعود إلى مربعها القديم بما يدخل المنطقة في طور جديد قد يكون أكثر دموية. وبطبيعة الحال فإن كيان الاحتلال هو الأكثر استفادة من وضع الحرب المفتوحة الذي يطلق يديه إلى مزيد العدوان على فلسطين ولبنان خاصة استغلالا لما يسميه قادته الفرصة التاريخيةلفرض أكثر ما أمكن من معادلات لتحقيق المشروع الصهيوني. إن المنطقة تقف أكثر من أي وقت مضى على صفيح ساخن وصراع الإرادات وصل أوجه وهو صراع حاسم لحاضر المنطقة ومستقبلها.

إن مصلحة شعوب المنطقة لن تكون مع استمرار العدوان ومع السيطرة الصهيوأمريكية التي تكرسها أنظمة العمالة والعار، بل في الانخراط في سيرورة تحررية يتداخل فيها تحرير الأراضي المحتلة في فلسطين ولبنان وسوريا، وإسقاط الأنظمة الوظيفية في الخليج ومجمل الوطن العربي. إنها سيرورة معقدة ومركبة لكن لا تحرر للأوطان وللشعوب من دونها ومن دون الانخراط فيها على طول المنطقة. ولا ينبغي الاعتقاد بأي شكل من الأشكال أن تونس بمنأى عن هذا الصراع المصيري فالمشروع الصهيوأمريكي يهدف إلى تغيير خارطة كامل المنطقة عبر تمزيق أوصالها وزرع بذور الفتنة فيها وكلّما كان البلد، كما هو حالنا اليوم في ظل الدكتاتورية الشعبويّة، هشّا وضعيفا إلّا وكان التسرّب إليه والتأثير فيه أسهل. إن الشعب التونسي وقواه الوطنية، التقدمية والديمقراطيّة، مطالبة بألّا تتوقف عن النضال من أجل التخلص من الاستبداد من جهة ودعم نضال الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة من جهة ثانية وما من شكّ في أن فرض تجريم التطبيع مع الكيان الغاصب وإلغاء الاتفاقيات الأمنية والعسكرية المهينة مع الولايات المتحدة الأمريكية يمثلان أحد أوجه ذلك الدعم الذي يخدم مصالح تونس.

إلى الأعلى
×