بقلم حمادي المثلوثي
في السابع من أوت 2026، وفي مكة، وقّعت تركيا والسعودية وباكستان اتفاقا للدفاع المشترك، يقوم على اعتبار أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداء عليها جميعا. وجاء الاتفاق في ظرف إقليمي شديد الاضطراب، مهان اللواتين أهم مميزاته ،حروب وصراعات على النفوذ، وتعمق أزمة منظومة الأمن التي تشكلت لعقود حول الحضور الأمريكي.
ولا يبدو الاتفاق مجرد إعلان سياسي عابر، بل هو امتداد للاتفاق الاستراتيجي للدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وباكستان في سبتمبر 2025، مع إضافة تركيا بما تمثله من وزن عسكري وصناعي وجيوسياسي. ومن هنا تبرز أهميته باعتباره محاولة لجمع القدرة العسكرية والصناعية التركية، والوزن الاقتصادي والسياسي السعودي، والقدرات العسكرية والاستراتيجية الباكستانية ضمن إطار تعاون واحد.
ثلاث قوى إقليمية… قدرات متكاملة وحسابات مختلفة
تمتلك تركيا قاعدة صناعية وعسكرية متطورة حيث تحتل المرتبة التاسعة عالمياً وفق تصنيف Global Firepower لعام 2026، فيما طورت خلال السنوات الأخيرة قدرات واسعة في الصناعات الدفاعية والمسيرات وأنظمة التسليح المحلية. أما باكستان فتحتل المرتبة الرابعة عشرة في التصنيف نفسه، وتمثل قوة عسكرية واستراتيجية كبيرة، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي، فضلاً عن موقعها الجغرافي وعلاقاتها الوثيقة بالصين والخليج.
أما السعودية، فتمثل الحلقة التي تجمع الوزن الاقتصادي والسياسي والموقع المحوري في الخليج والعالم العربي والإسلامي. وتملك إمكانات مالية ضخمة تسمح لها بتمويل برامج دفاعية وشراكات استراتيجية واسعة، فضلاً عن مكانتها السياسية والدينية.
إن الاتفاق، بهذا المعنى، لا يجمع ثلاث دول متشابهة، بل ثلاث مجموعات مختلفة من عناصر القوة. وهذه التركيبة هي التي تمنحه دلالته الأوسع، وتفتح الباب أمام إعادة ترتيب بعض موازين القوى الإقليمية.
إعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمي
لأكثر من سبعة عقود، قامت منظومة الأمن في الخليج والشرق الأوسط بدرجة كبيرة على الحضور العسكري والسياسي للولايات المتحدة. لكن السنوات الأخيرة أظهرت حدود الاعتماد الكامل على قوة خارجية، ودفعت دول المنطقة إلى تنويع علاقاتها وشراكاتها.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الاتفاق باعتباره تعبيرا عن رغبة متزايدة في امتلاك بدائل إقليمية وعدم ترك أمن المنطقة رهينة القرار الأمريكي وحده. وهذا لا يعني نهاية النفوذ الأمريكي بالمنطقة ، لكنه يشير إلى تراجع احتكاره لمسألة الأمن الإقليمي.
والتحول الأهم ربما يكمن في الانتقال، ولو تدريجياً، من منظومة أمن تعتمد أساساً على القوى الخارجية إلى ترتيبات تسعى دول المنطقة نفسها إلى بنائها. فالاتفاق يربط بين ثلاثة فضاءات جيوسياسية: شرق المتوسط (تركيا) والخليج (السعودية) وجنوب آسيا (باكستان)، بما يمنحه بعدا يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.
لكل دولة حساباتها
بالنسبة إلى السعودية، يوفر الاتفاق فرصة لتنويع مظلتها الأمنية وربط وزنها الاقتصادي والسياسي بقدرات عسكرية خارج حدود الخليج. كما يمنحها مجالا أوسع للمناورة الاستراتيجية، ويعزز موقعها كقوة تسعى إلى المشاركة في صياغة منظومة الأمن الإقليمي، لا الاكتفاء بالاستفادة من مظلة أمنية خارجية.
أما تركيا، فتجد في الاتفاق امتدادا لمسار توسيع مجالها الاستراتيجي وتعزيز استقلالية قرارها. فالشراكة مع السعودية وباكستان تفتح أمامها مجالا أوسع باتجاه الخليج وجنوب آسيا، وتوفر أيضا فرصا لتوظيف صناعتها الدفاعية وقدراتها العسكرية في شراكات استراتيجية طويلة المدى.
وبالنسبة إلى باكستان، يتيح لها الاتفاق إمكانية تعزيز موقعها كقوة استراتيجية ويمكنها من تجاوز محيطها الآسيوي المباشر، ويوسع علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع الخليج وتركيا. كما أن قدراتها العسكرية وموقعها الجغرافي وعلاقاتها بالصين تضيف إلى الاتفاق بعدا آسيويا لا يمكن تجاهله.
وهكذا فإن الاتفاق يقوم على تكامل نسبي للمصالح والإمكانات، لا على تطابقها.
الحرب الإقليمية تعيد تشكيل الحسابات الأمنية
لا يمكن فصل الاتفاق عن السياق العسكري والسياسي الذي جاء فيه. فالحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وما رافقها من ضربات إيرانية استهدفت الكيان الصهيوني ودولا خليجية، إضافة إلى استمرار الحرب الصهيونية النازية على غزة، كلها عوامل أعادت مسألة الأمن الإقليمي إلى الواجهة.
وقد دفعت هذه التطورات قوى إقليمية إلى إعادة التفكير في منظومات أمنها وتحالفاتها. لكن إعادة صياغة التحالفات الأمنية لا تعني بالضرورة تجاوز تناقضات المنطقة، ولا تضمن وحدها بناء منظومة أمن إقليمي مستقلة وفاعلة؛ وهو ما يطرح ضرورة التوقف عند حدود هذا الاتفاق وتناقضاته.
حدود الاتفاق وتناقضاته
الدول الثلاث ليست متطابقة في مصالحها ولا في تعريفها للتهديدات. لتركيا حساباتها الخاصة في سوريا والعراق وشرق المتوسط والقوقاز، وللسعودية أولوياتها الخليجية والعربية والإيرانية والاقتصادية، بينما تنظر باكستان إلى محيطها من زاوية مختلفة، وفي مقدمتها الهند وأفغانستان والصين.
لذلك فإن تماسك الاتفاق لن يختبر عند لحظة التوقيع، وإنما عند أول أزمة كبرى تستوجب ترجمة التعهد السياسي إلى موقف موحد.
كما لا ينبغي اختزال الاتفاق في كونه تحالفا موجها ضد إيران ، فإيران جزء أساسي من معادلات المنطقة، وأي منظومة أمنية تستبعدها قد تتحول إلى منظومة أحلاف وصراعات جديدة. وهنا يكمن الفرق بين بناء أمن إقليمي تشاركي، وبين إعادة إنتاج منطق الأحلاف ولكن بأطراف جديدة.
ومن هنا لا يعود السؤال متعلقا فقط بمن يمتلك القدرة على بناء الأمن الإقليمي، بل أيضا بطبيعة الأمن الذي يجري بناؤه: هل هو أمن لحماية الأنظمة وموازين القوى، أم أمن يستجيب لمصالح الشعوب وحقوقها؟
أمن الأنظمة أم أمن الشعوب؟
من منظور نقدي، لا ينبغي أن نتوقف عند الجغرافيا السياسية وحدها. فإذا اقتصر التعاون الدفاعي على حماية الأنظمة ومصالحها الاستراتيجية، دون معالجة أسباب عدم الاستقرار والتبعية والاحتلال والتدخلات الأجنبية والتفاوت الاجتماعي، فإنه لن ينتج أمنا حقيقيا للشعوب.
فالأمن لا يبدأ من السلاح وحده، بل من السيادة والتنمية والعدالة الاجتماعية وحق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض الاحتلال والتبعية.
ومن هذه الزاوية، فإن تقليص الاعتماد على القوى الإمبريالية يمكن أن يمثل تطورا إيجابيا، لكن قيمته الحقيقية تتوقف على الاتجاه الذي سيأخذه: هل يقود إلى استقلال القرار الإقليمي، أم إلى مجرد إعادة توزيع النفوذ بين قوى إقليمية ودولية؟
نحو نظام إقليمي أكثر استقلالا؟
تشهد المنطقة منذ سنوات تآكل منظومة الأمن الإقليمية التي تشكلت لعقود حول النفوذ الأمريكي، دون أن يكون النظام البديل قد اكتملت ملامحه بعد. فالولايات المتحدة ما زالت القوة الخارجية الأكثر حضورا، لكن روسيا والصين توسعان نفوذهما، وتركيا والسعودية وإيران وغيرها تسعى إلى توسيع هامش استقلال قرارها.
ومن هنا ينبغي النظر إلى الاتفاق التركي السعودي الباكستاني باعتباره مؤشرا على تحولات أوسع في ميزان القوى، لا باعتباره حدثا منفردا .
لكن بين الاستقلال الاستراتيجي وتشكيل محور جديد مسافة كبيرة. الأول يمكن أن يفتح الطريق أمام نظام إقليمي أكثر استقلالا وتوازنا ،أما الثاني فقد يعيد إنتاج منطق الأحلاف والصراعات بالوكالة بأطراف جديدة.
بالمحصلة
الاتفاق الدفاعي التركي – السعودي – الباكستاني ليس مجرد اتفاق عسكري عابر. إنه مؤشر على تحول في التفكير الأمني الإقليمي وعلى أزمة منظومة احتكرت فيها الولايات المتحدة لعقود موقع الضامن الرئيسي لأمن المنطقة.
وتكمن أهميته في أنه يجمع القوة العسكرية والصناعية التركية، والقدرات الاستراتيجية الباكستانية، والوزن الاقتصادي والسياسي السعودي، ويمتد جغرافيا من شرق المتوسط إلى الخليج وجنوب آسيا.
لكن الاستقلال الحقيقي لا يعني استبدال قوة خارجية بقوة إقليمية، ولا نقل المنطقة من محور إلى محور. بل يعني امتلاك شعوب المنطقة لحقها في تقرير مصيرها والتصرف في ثرواتها وتحديد علاقاتها الدولية، وأن يكون أمنها قائما على التعاون بين شعوبها ودولها، لا على القواعد الأجنبية ولا على الأحلاف التي تُدار من خارج المنطقة.
ومن هنا يبقى السؤال الأهم: هل سيكون الاتفاق خطوة نحو استقلال القرار الإقليمي عن الهيمنة الإمبريالية، أم مجرد حلقة جديدة في إعادة تشكيل ميزان القوى داخل المنطقة؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لاتفاق مكة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
