بقلم جيهان اللواتي
على وقع التداعيات للعدوان الأمريكي – الإسرائيلي المشترك على إيران يوم 28 فيفري الماضي وما تلا ذلك من مواجهات عسكرية أعادت رسم الخطوط الحمراء والخرائط الاستراتيجية في عمق غرب آسيا يتشكل في الإقليم مخاض حقيقي وعميق لإعادة صياغة التوازنات والتحالفات وسط هذا الرماد المشتعل برزت ملامح تقارب عسكري واستراتيجي مكثف بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد معززة بحضور مصري ملحوظ في محاولة واضحة لردم الهوة الأمنية السحيقة التي خلّفتها الضربات الإيرانية المركزة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ضد القواعد الأمريكية في العمق الخليجي ولا سيما المنشآت النفطية الحيوية التي تشكل الرأسمال الريعي في المنطقة.
إن هذا الحلف الذي يروج له الجانب الرسمي باعتباره أداة “لبناء قدرات ذاتية مستدامة وردع جماعي” يضع المراقب الموضوعي أمام أسئلة جوهرية تتجاوز الخطاب الدبلوماسي هل نحن أمام ولادة قطب إقليمي مستقل حقا؟ أم مجرد إعادة هيكلة لأدوات الهيمنة الإمبريالية بأيدي وكلاء إقليميين يحاولون ملء الفراغ الناتج عن الانكفاء الأمريكي النسبي؟
وكيف يمكن قراءة هذا المحور من زاوية صراع المشاريع الاستعمارية ومقاومة الهيمنة الأمريكية – الصهيونية وتداخل المصالح الجيوسياسية للأنظمة المهيمنة؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات تتطلب تفكيك البنية المادية لهذا الحلف ودراسة دوافعه واكتشاف تناقضاته الجذرية بعيداً عن البريق الديبلوماسي والشعارات الخشبية.
تآكل الردع الأمريكي.. نحو طبقات حماية بديلة
لا يمكن فهم الاندفاعة السعودية نحو تركيا وباكستان بمعزل عن أزمة الثقة المتفاقمة بالمظلة الأمنية الأمريكية التي استمرت عقوداً طويلة فالدوائر الرسمية في الرياض وبقية عواصم الخليج أصبحت تدرك ببرود واقعي أن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج وغرب آسيا لم يعد ولا يمكن أن يكون صمام أمان مطلقاً هذا الوجود محكوم بمسار تراجع بنيوي طويل الأمد وإعادة تموضع استراتيجي نحو أولويات دولية أخرى على رأسها احتواء الصعود الصيني الهادئ في شرق آسيا.
لذلك لم يعد مسموحاً للرأسمال النفطي الخليجي أن يرهن أمنه القومي واستمراريته بقرار متأخر أو متردد من البنتاغون ساعة الحقيقة ومن هنا تحديداً انطلقت فكرة “طبقات الحماية المتعددة” فالحلف الجديد لا يسعى فقط إلى لجم التهديدات بل إلى توسيع نطاق الردع عبر تجميع كتل بشرية وجغرافية وعسكرية ضخمة ومتباينة:
العمق البشري والعسكري الباكستاني: الذي يمثل قوة عسكرية تقليدية ضخمة إضافة إلى كونه القوة النووية وهو ما يمنح الحلف ثقلاً استراتيجياً لا يستهان به في معادلة الردع.
التكنولوجيا العسكرية والعقيدة القتالية التركية الصاعدة: والمتمثلة في صناعات الدفاع المتقدمة وخاصة الطائرات المسيّرة وأنظمة الحرب الإلكترونية التي أثبتت جدارتها في أكثر من ساحة إقليمية.
القدرات المالية والاقتصادية السعودية الهائلة: التي تمثل الممول والوقود المادي لاستمرار هذه المنظومة وتوسيع بنيتها التحتية.
هذا الثالوث يهدف نظرياً إلى تقييد قدرة طهران على استخدام أوراق الضغط الإقليمية ولا سيما ورقة التحكم بمضيق هرمز وباب المندب وتحييد التهديدات المباشرة للبنى التحتية النفطية التي تشكل شريان الاقتصاد العالمي.
التناقض البنيوي العضوي: حلفاء الوصاية الأمريكية يرتدون عباءة “الاستقلال” رغم السعي المحموم نحو ما يُسمّى “بناء القدرات الذاتية” إلا أن القراءة المادية والتحليلية للواقع تفرض تفكيك هذا الخطاب الرسمي وتعرية تناقضاته الجذرية وعدم واقعيته.
الارتباط العضوي بالمعسكر الإمبريالي
إن الدول الثلاث المشكّلة لهذا الحلف، تركيا والسعودية وباكستان هي، بنيوياً ووظيفياً حليفة استراتيجية تاريخية وعضوية للولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الغربي.
فتركيا تظل ركيزة أساسية في حلف شمال الأطلسي “الناتو” وتحتضن على أراضيها قاعدة “أنجرليك” الجوية التي تعد من أهم قواعد القيادة والسيطرة الأمريكية في المنطقة.
وباكستان يخترق نظامها السياسي ولا سيما المؤسسة العسكرية وقيادتها العليا نفوذ أمريكي متجذر وأجهزة استخباراتية غربية لا تخفى على أحد.
والسعودية لا تزال مرتبطة بشبكة واسعة ومعقدة من الاتفاقيات الأمنية وقواعد الإسناد اللوجستي وشراكات التسليح مع واشنطن.
وعليه فإن الحديث عن “استقلال استراتيجي” تام وعن خروج من تحت العباءة الأمريكية يظل أمنية أو مناورة سياسية لا تستند إلى أساس مادي فالحلف لا يهدف للخروج من المنظومة الإمبريالية بل يمثل إعادة توزيع للأدوار وتقاسم أعباء الأمن الإقليمي تحت إشرافها غير المباشر أو بمباركتها الضمنية لملء الفراغ الذي تتركه واشنطن تدريجياً.
التبريرات الدبلوماسية ولغة الإنكار الاستراتيجي
إن محاولات مسؤولي الخارجية السعودية على غرار ما صرّح به وكيل وزارة الخارجية للدبلوماسية العامة رائد قرملي من أن الاتفاقية “لا ترتبط بمساعٍ نووية ولا تشكل تهديداً لأي دولة ولا تمثل توجهاً لبناء محور عسكري أو تكتل طائفي” تنطوي على دبلوماسية استباقية لامتصاص غضب طهران وتجنب استفزازها عسكرياً في توقيت حساس لكن الواقع الميداني للتحالف يقول العكس تماماً فهو محاولة واضحة لفرملة تمدد النفوذ الإيراني الذي استشعرت عواصم الإقليم أنه يتثبت كقوة إقليمية مهيمنة ومقررة بعد الضربات الأخيرة التي تلقاها حلفاء واشنطن.
الموقع الجيوسياسي وتطويق طهران: جغرافيا الضغط وأوراق التفاوض
تلعب جغرافيا تركيا وباكستان دوراً محورياً في هذا النسق فموقعهما الجغرافي المتاخم لإيران يمنحهما قدرة فائقة على ممارسة ضغوط جيوستراتيجية مباشرة وتوفير عمق استراتيجي للخليج في مواجهة أي تفوق صاروخي أو مسيّر إيراني. إن هذا الطوق الجغرافي يعيد إلى الأذهان خرائط التحالفات القديمة التي سعت لإجهاض أي استقلال إقليمي خارج السيطرة الامبريالية الغربية.
من منظور طهران يبدو هذا الحلف “ورقياً” وهشاً وغير قادر على جلب الأمن المستدام للرياض بل وتنظر إليه باعتباره محاولة بائسة لـ “استجداء الأمن” عبر أدوات إقليمية مستأجرة غير أن التقليل الإيراني المطلق من شأن هذا الحلف قد يجانب الصواب إن تحولت هذه التفاهمات الدبلوماسية إلى مشاريع تسليح مشتركة وصناعات دفاعية متقدمة وغرف عمليات استخباراتية دمجت المسيّرات التركية بالقدرات الصاروخية الباكستانية والمالية الخليجية.
إن استشعار قوى التحالف الثلاثة بأن إيران ستترسخ كقوة إقليمية كبرى ومهيمنة على منطقة الخليج بعد تفكك أو تراجع الردع الأمريكي هو الذي عجل بإعلان هذا التحالف وتوسيعه بغض النظر عن محاولات تغليفه بشعارات “مكافحة الإرهاب” و”التعاون الدفاعي”.
هذا الحلف وإن حاول تقديم نفسه كخيار “وطني مستقل” لحماية السيادة يظل في جوهره محكوماً بالتبعية للرأسمال العالمي والدوائر الإمبريالية، فهو ليس حلفاً تحريرياً ضد الاستعمار والصهيونية بل هو صراع نفوذ إقليمي بين قوى متصارعة على تقاسم مناطق الحظوة والأسواق والموارد في الشرق الأوسط. إن الأنظمة المشكّلة لهذا الحلف لم تكن يوماً جزءاً من معسكر التحرر الوطني بل كانت تاريخياً رأس حربة في مشاريع تفتيت المنطقة وتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني أو السكوت عن جرائمه بحق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.
كما أن تورط دول الخليج اليوم في استجداء الحماية من قوى إقليمية (تركيا وباكستان) أو دولية (الولايات المتحدة) لن يجلب الأمن المستدام طالما استمرت هذه الأنظمة في الارتباط العضوي بالمشاريع الغربية وطالما ظلت مقدرات الشعوب مهدورة في سباق تسليح عبثي بدلاً من توجيهها نحو التنمية الشاملة والتحرر الوطني ومواجهة العدو الصهيوني الحقيقي الذي يغرق المنطقة في الحروب والأزمات البنيوية.
إن الحلف التركي – السعودي – الباكستاني ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل إعادة إنتاج التبعية وإدارة الصراعات الإقليمية بالوكالة تحت شعارات براقة مثل “الردع الجماعي” و”بناء القدرات المستدامة” وفي ظل عالم عربي ترزح شعوبه تحت وطأة التناقضات الطبقية والاستبداد والتبعية الاقتصادية تظل الحقيقة الساطعة هي أن الأمن الإقليمي الحقيقي لن يُصنع أبداً عبر تكتلات ورقية ترعاها واشنطن أو ترتكز على القواعد العسكرية الأجنبية وموازنات التسلح الباهظة.
الأمن والاستقرار الحقيقيان لا ينبعان إلا من إرادة الشعوب الحرة وتفكيك قواعد الاستعمار وإسقاط مشاريع التطبيع والهيمنة الأمريكية – الصهيونية برمتها وبناء فضاء إقليمي يقوم على التكامل الديمقراطي والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات بعيداً عن وصاية الإمبريالية ووكلائها.
صوت الشعب صوت الحقيقة
