بقلم هيثم المحجوبي
نستذكر ونحن نتناول قضية راهنة تخص الصراع الفكري والسياسي والطبقي اليوم في ألمانيا، المساهمات المميزة للشعب الألماني في إثراء الفكر والحضارة الإنسانية بمساهمات ألهمت حركات التنوير والتحرر السياسي والانعتاق الاجتماعي في العالم. كما نستذكر مساهمات وتضحيات الطبقة العاملة الألمانية وزعمائها التاريخيين على هذا الدرب، مساهمات لم يكن طريقها مفروشا بالورود بل كان تاريخ صراع مع أشد أعداء الطبقة العاملة والشعوب ضراوة، صراع تدفع الطبقة العاملة العالمية وشعوب العالم وعلى رأسهم الشعب الفلسطيني، إلى اليوم نتائج ارتداداته. ويذكرنا المشهد السياسي اليوم بألمانيا مع صعود النازيين الجدد وعدم الاستقرار الحكومي، بالصراع الطبقي في ألمانيا مع نهاية العشرية الثانية من القرن الماضي وصعود النازية والفاشية في أوروبا. وهو ما دفعنا إلى محاولة فهم وتفكيك مميزات الصراع الطبقي والسياسي اليوم في ألمانيا على ضوء نتائج سبر آراء قامت به مؤسسة INSA واستخلاص اهم الدروس والاستنتاجات.
ذئاب وسط حضيرة الديمقراطية البرجوازية
“لقد دخلنا البرلمان كما تدخل الذئاب حضيرة الأغنام”. هذا ما صرح به وزير الدعاية الألمانية الأسبق “جوزيف غوبلز” حول دخول النازيين إلى “الرايخستاغ” بعيد انتخابات سنة 1928 ، رغم العدد المحدود من المقاعد التي حصلها عليها حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني آنذاك. ولم يستغرق الأمر للنازية سوى خمس سنوات حتى تمكن هتلر من بلوغ منصب مستشار ألمانيا. ودون الخوض بالتفصيل في العوامل التاريخية ومميزات الصراع الطبقي في ألمانيا أوروبا بما ساعد في صعود النازية والفاشية، يمكن أن نحصر أهم هذه المميزات في نتائج صلح فرساي والأزمة العامة للاقتصاد الرأسمالي آنذاك فيما يعرف بأزمة الثلاثينيات إضافة إلى القيادة الإصلاحية لانتفاضة الطبقة العاملة ضد الحكم بألمانيا أواخر العشرية الأولى من القرن العشرين وضعف وتأخر الدعاية والتنظيم الثوري صلب الطبقة العاملة التي دفعت الفاتورة الأكثر كلفة من صراع كبريات الدول الرأسمالية حول اقتسام وإعادة اقتسام مناطق النفوذ حول العالم رغم المقررات والتوصيات الثورية للمؤتمر السابع للأممية الشيوعية حول مقاومة الفاشية ورغم تصدي الطبقة العاملة بألمانيا لأولى خطوات صعود النازية (المحاولة الانقلابية لسنة 1923).
النازية كقارب نجاة للرأسمالية
تخبرنا نتائج سبر آراء INSA حصول حزب البديل من أجل ألمانيا(الحزب النازي الجديد) على نسبة تأييد بـ 28% بما يمثل تقدما على التحالف المسيحي(الاتحاد الديمقراطي المسيحي+ الحزب الاجتماعي المسيحي) حيث تراجع هذا التحالف إلى 20% مقارنة بنتائج انتخابات 2021. ومن ناحية أخرى تشير استطلاعات الرأي أن 40% من الناخبين سيصوتون للنازيين الجدد وحزب اليسار على حد السواء. فتقدم النازيين الجدد رافقه ثبات الخزان الانتخابي لأحزاب “اليسار”. حيث حصل حزب اليسار على نسبة 19 %، الحزب الاشتراكي الديمقراطي على 15 %، حزب الخضر على 16 %. ومن الناحية الأخرى يرى مراقبون أن حزب النازيين الجدد قد تأخر مقارنة بنتائج انتخابات سنة 2025 السابقة لأوانها رغم حفاظه على نسبة تأييد في مستوى 28 %. وبذلك فإن تقدّمه يأتي من داخل “الخزان الانتخابي لبقية ممثلي الـ”يمين المتطرف” بألمانيا مقارنة بنتائج انتخابات سنة 2021.
وتجدر الملاحظة قبل تقديم قراءة في نتائج سبر الآراء آنفة الذكر أن الوضع السياسي العام في ألمانيا يتميز بعدم الاستقرار السياسي لحكم أحزاب اليمين المتطرف حيث لا يزال ضغط المطالب الاجتماعية بسبب تعديل سياسة الإنفاق الاجتماعي بألمانيا واتجاه كبرى الشركات إلى تسريح العمال لمواجهة الركود الاقتصادي وتراجع قدرتها التنافسية ومن أهمها شركات صنع السيارات التي تواجه صعوبات زادها تطور صناعة السيارات الكهربائية بالبلدان الآسيوية صعوبة. ولم تفلح الانتخابات السابقة لأوانها سنة 2025 في إسكات صوت الأزمة الاجتماعية الخانقة ولا في ضمان استقرار حكم المستشار الألماني الحالي. حيث تشير نتائج سبر الآراء كون 1 من بين 6 أشخاص راض عن أداء مستشار الحكومة الفيدرالية. ورجح المدير التنفيذي لـ INSA أن هذا التوجه بات غير قابل للعكس بل إن الناخبين المنتمين للأحزاب الحاكمة نفسهم باتوا غير راضين على أداء الحكومة الفيدرالية ولم يعودوا يدعمونها بشكل كبير.
وفي قراءة أولية للخارطة السياسية بألمانيا على ضوء نتائج سبر الآراء تجدر الملاحظة كون صعود النازية الجديدة بألمانيا يأتي في سياق عالمي يتميز باشتداد المنافسة بين كبريات الدول والشركات الرأسمالية حول اقتسام وإعادة اقتسام مناطق النفوذ في العالم كأحد سمات التناقضات الداخلية للإمبريالية العالمية. صراع أوصل الفاشية إلى الحكم بأكثر من بلد أوروبي على غرار ميلوني سليلة الفاشية الجديدة بإيطاليا ناهيك عن الحكم الشعبوي الفاشستي بالولايات المتحدة ودعمه لوصول الرجعية للحكم في أمريكيا اللاتينية. وتدفع الطبقة العاملة وشعوب العالم ضريبة الأزمة الهيكلية والدورية للنظام الرأسمالي حيث تحال يوميا أعداد جديدة من قوى الإنتاج على البطالة القسرية وتتدهور الخدمات الاجتماعية وتنتشر الجريمة وتنهار معنويات العمال ويسهل انتداب عناصر جديدة من البرجوازية الصغيرة إلى صفوف النازية منقادة بوهم النجاة من وقع الأزمة الاقتصادية.
الطبقة العاملة في ألمانيا وشوط آخر من المواجهة
لقد خبرت الطبقة العاملة في ألمانيا بدايات صعود النازية مع نهاية الحرب العالمية الأولى ورغم نجاحها في عديد المناسبات في إحباط عديد محاولات النازية الوصول إلى الحكم منذ 1923 ونجاحها في تنظيم إضرابات وتحركات مليونية سدت الطريق أمام المحاولات المبكرة لتثبيت أقدام النازية في الحكم فإن القيادة الإصلاحية للأحزاب المحسوبة على اليسار العمالي و النقابات العمالية آنذاك رغم امتدادها الجماهيري لم تنجح في تثبيت حكم ثوري للطبقة العاملة في ألمانيا ممّا سهّل وصول هتلر إلى الحكم خمس سنوات فقط بعد أول تمثيلية للنازيين داخل “الرايخستاغ” مستغلا فشل الرؤية الإصلاحية في رسم طريق مستقل عن الرأسمالية العالمية لمعالجة أوجه أزمة الثلاثينيات في الوقت الذي نجحت فيه الثورة البلشفية بقيادة لينين سياسيا واقتصاديا وعسكريا في مواجهة نتائج تلك الأزمة العالمية وتدخل الجيوش البيضاء للإطاحة بحكومة العمال والفلاحين واستنباط السياسة الاقتصادية الجديدة كإجراء ظرفي وانتقالي في بلد أنهكته الحرب العالمية الأولى.. وتجد الطبقة العاملة الألمانية اليوم نفسها في مواجهة صعود متواصل لأكثر شرائح الطغمة المالية تلهفا على مراكمة الأرباح، شرائح لم تعد ترى في ممثلي البرجوازية الحاليين في ألمانيا ممثلهم الطبقي لتحقيق الربح الأقصى. ورغم الحضور الاعتباري لممثلي “أحزاب اليسار” بتعبيراتهم المختلفة من اشتراكيين ديمقراطيين وأنصار للبيئة فإن حضور بعضها كحزب العمال الاشتراكي لم يلامس حتى عتبة تمثيليتهم صلب “الرايخستاغ” إذ تشير نتائج سبر الآراء المذكورة حصوله على نسبة تأييد بـ 3% وهو ما يحرم الطبقة العاملة مرة أخرى من قيادة ثورية مقتدرة تواجه أعداءها المدججين بالإمكانيات المالية والتقنية الضخمة والمتحكمين في عالم التكنولوجيا والمضاربة المالية وتجارة الأسلحة.
مواجهات اجتماعية تنقصها البوصلة الطبقية
شكل عديد الفاعلين في ألمانيا تحالف “قاوم” الذي يضم أحزابا يسارية ونقابات عمالية ونشطاء مجتمع مدني في مواجهة المد النازي، ولم تقف الطبقة العاملة الألمانية مكتوفة الأيدي أمام نتائج حكم مختلف شرائح البرجوازية، فقد انتظمت في عديد المدن تحركات احتجاجية ضد تراجع الحكومة الفيدرالية عن الإنفاق الاجتماعي وخاصة في قطاع الصحة أمام تنامي الإنفاق العسكري. وتمثل أزمة المساكن من بين أهم عناوين الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بألمانيا إذ تشير الإحصائيات إلى نقص بحوالي مليون شقة سكنية وهي أزمة تقترن لدى الرأي العام الألماني بمقدمات انهيار وشيك شبيه بانهيار بورصة وول ستريت. وفي سياق متصل تنتظم تظاهرات معادية للحكومة الفيدرالية وللنازيين الجدد في ألمانيا بما يعكس تنامي المخاوف من توسع تأثير هذا الحزب في المشهد السياسي بألمانيا. فقد تظاهر يوم 4 جويلية الفارط آلاف الألمان المناهضين لحزب البديل من أجل ألمانيا بالتزامن مع عقد الحزب لمؤتمره، تحرك دعا له تحالف “قاوم”. ورغم أهمية هذه التحركات وكذلك التشريعات الرسمية التي تضيق على نشاط حزب النازية الجديد من ذلك تجريم الدعاية السياسية في صفوف القصر الذي ينخرط فيها هذا الحزب، فإن محاور الصراع مع النازية الجديدة في ألمانيا غاب عنها جوهر الفهم الطبقي لظهور الفاشية كجزء من حكم البرجوازية العالمية كما غاب عنه برنامج بديل ثوري يمثل المصالح العليا للطبقة العاملة وأكثر شرائح المجتمع تضررا من الرأسمالية العالمية. بحيث تبدو محافظة القوى الديمقراطية الاجتماعية على تأييد جزء مهم من الشعب الألماني وتواصل تمثيليته ضمن المؤسسات الرسمية للدولة وإمكانية عقد تحالفات انتخابية تقيد أيدي ممثلي الطغم المالية الأكثر تلهفا على تكديس الثروات على حساب العمال والمجتمع، قد تبدو مكسبا مهما وجب المحافظة عليه وتطويره كنقيض للبدائل النازية وهو ما قد يمثل أرضية مستقبلية تفتح أفق تغيير ثوري ممكن وضروري يوقف مفعول لعنة النازية على الشعب الألماني.
صوت الشعب صوت الحقيقة
