انتظمت في أواخر شهر جويلية الماضي الدورة الثلاثين لـ“سيمينار كيتو حول قضايا الثورة في أمريكا اللاتينية” بحضور 38 منظمة بين أحزاب ونقابات ومنظمات شبابية ونسائية جاءت من 12 بلد مختلف من أمريكا اللاتينية وغيرها هي: ألمانيا، الأرجنتين، البرازيل، كولومبيا، الإكوادور، السلفادور، الولايات المتحدة، غواتيمالا، المكسيك، بيرو، جمهورية الدومينيك وفنزويلا. وقد تطرق المشاركون إلى تطوّر الأوضاع العالمية التي تتسم بتنامي عدوانية القوى الامبريالية واستهدافها لشعوب العالم في أكثر من منطقة، وما يمثله ذلك من تهديد حقيقي للسلم العالمي. وقد أصدر اللقاء البيان التالي الذي يحوصل أهم مشاغل الحاضرين ويتوجه بنداء لشعوب العالم وعلى رأسها الطبقة العاملة للوقوف في وجه العدوان الامبريالي درءا لخطر الحرب والتقدم على طريق التحرّر الوطني والانعتاق الاجتماعي باتجاه إقامة مجتمع خال من استغلال الإنسان للإنسان:
يُهيمن على السياق العالمي توتر سياسي متصاعد، ينذر بأوقات عصيبة للبشرية. ففي ظل تراجع النظام الرأسمالي والصراع على الهيمنة العالمية، تتفاقم التناقضات بين القوى الإمبريالية في صراعها على الأسواق، ومناطق النفوذ، وموارد الطاقة، وطرق التجارة، والمواد الخام، لا سيما تلك المتعلقة بصناعة التكنولوجيا. إن هجوم رأس المال متعدد الأوجه، ويتجلى في جوانب ومجالات عديدة. فهو ليس مجرد حرب اقتصادية أو عسكرية، بل هجوم شامل يمتد ليشمل المجالات المالية والتكنولوجية والإعلامية والثقافية والأيديولوجية والسياسية. وتُعدّ اتفاقيات التجارة الحرة المفروضة، والعقوبات الأحادية، والسيطرة على التدفقات المالية العالمية، والمراقبة الجماعية، والتحكم في المنصات الرقمية، والتضليل الإعلامي، أدوات يستخدمها رأس المال الكبير لتعزيز هيمنته.
في هذا السياق، يُصعّد الاستعمار الأمريكي عدوانيته ردًا على تراجعه وبروز قوى استعمارية أخرى، ولا سيما الصين. وتشهد واشنطن الآن تآكل قدرتها على فرض إرادتها بشكل أحادي. هذه التناقضات تدفعها إلى تبني آليات عدوانية وعنيفة بشكل متزايد، مما يُؤجج خطر مواجهة واسعة النطاق بين الكتل الاستعمارية ذات عواقب كارثية على البشرية.
إن أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي في مرمى نيران دونالد ترامب الفاشي. فقد وضع نصب عينيه هدف استعادة السيطرة على نصف الكرة الأرضية؛ ولتحقيق هذه الغاية، قام بتكييف مبدأ مونرو مع العصر الجديد ويسعى إلى إقصاء منافسيه الرئيسيين من هذه المناطق. وفي أكثر أعماله عنفًا حتى الآن، شنّ هجمات على فنزويلا وكوبا، موجهًا رسالة إلى شعوب المنطقة والعالم: شرطي العالم متعطش للسلطة.
كما هو الحال في أجزاء أخرى من العالم، تشهد هذه المناطق أيضًا صعودًا للقوى اليمينية، واليمينية المتطرفة، وحتى الفاشية. في بعض البلدان، حلت هذه القوى محل الحكومات اليسارية التي فشلت في تلبية احتياجات ومطالب العمال والشعب، مما أدى إلى تغيير في موازين القوى السياسية.
ومع ذلك، فإن المقاومة حاضرة ومتنامية. فقد أثارت عدوانية الإمبريالية الأمريكية والصهيونية الإسرائيلية موجة من الإدانة لهجماتهما العسكرية على فلسطين وإيران ولبنان، فضلًا عن موجة من التضامن مع الشعوب المُستهدفة.
وشهدت الأمريكتان، كأرض خصبة تزدهر فيها صراعات الطبقات والشعوب على دفعات متتالية، انتفاضة شعوب الأرجنتين وتشيلي وبوليفيا والإكوادور وبنما والبرازيل وجمهورية الدومينيكان وغيرها ضد سياسات التعديل الهيكلي التي تنتهجها حكوماتها وخضوعها لمخططات صندوق النقد الدولي، وبشكل أعم، لمصالح رؤوس الأموال الكبيرة المحلية والدولية. إن شعوب أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي ليست غافلة: إنها تنتفض وتناضل من أجل السيادة والحياة والتحرر.
ندعو العمال والفلاحين والقوميات والشعوب الأصلية والشباب والنساء إلى تكثيف النضال ضد هجوم البرجوازية العالمية بعزيمة ووضوح استراتيجي. من الضروري العمل على توحيد وتنظيم الطبقات العاملة والقطاعات الاجتماعية المستغلة والمضطهدة. فلنتحد لنُحدث تحولاً ثورياً في المجتمع. ولتحقيق هذا الهدف، لا بد من تطوير تحركات ونضالات تُتيح لنا بناء جبهة عمل واسعة، تتلاقى فيها القطاعات الديمقراطية والمناهضة للفاشية والإمبريالية والثورية. الوحدة في العمل ضد عدو مشترك لا يُميّز بين أطياف المعارضة. يُعلّمنا التاريخ أن الوحدة الشعبية المنظمة وحدها هي القادرة على مواجهة سطوة رأس المال بنجاح.
نعرب عن تضامننا مع الشعوب التي تناضل من أجل حقوقها وتحررها من هيمنة رأس المال. ندين الصهيونية الإسرائيلية والإمبريالية الأمريكية، اللتين تشنان حملة إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني، تقتلان عشرات الآلاف من المدنيين، وتدمران منازلهم، وتحرمانهم من حقهم الأساسي في الوجود كأمة. ندين العدوان على كوبا التي يفرض عليها حصارًا إجراميًا منذ أكثر من ستة عقود؛ والنظام الفنزويلي، ضحية العقوبات غير القانونية واختطاف نيكولاس مادورو وزوجته؛ والنظام الإيراني، الذي يتعرض للمضايقة والضغط لأن تطوره يتعارض مع مصالح النظام الأمريكي. نؤكد مجددًا على حق الشعوب في سيادتها وتقرير مصيرها واستقلالها.
نؤكد مجدداً قناعتنا الراسخة بأن حل مشاكل شعوبنا لا يمكن إيجاده في إطار الرأسمالية، بل فقط من خلال مصادرة ممتلكات من قاموا بمصادرتها. فالرأسمالية عاجزةٌ عن تحقيق الرفاه والحرية والعدالة الاجتماعية. وقد أثبتت الرأسمالية، في مرحلتها الإمبريالية، عجزها عن حل الأزمات والحروب والجوع وعدم المساواة والتدهور البيئي المتكررة. ولن يتسنى لنا بناء مستقبل كريم للجميع، من خلال الثورة والاشتراكية، إلا نظام اقتصادي واجتماعي جديد قائم على الملكية الاجتماعية والتخطيط الديمقراطي والتضامن الدولي، خالٍ من الاستغلال والقمع.
كيتو، 1 أغسطس 2026
صوت الشعب صوت الحقيقة
