بقلم عماد المناعي
ما أشبه اليوم بالأمس البعيد وكأن الحاضر مرآة عاكسة لما حدث في الماضي ولئن تغيرت الفضاءات والصور والألقاب والأشكال رغم مرور عديد القرون فإن الجوهر ما يزال على حاله طبقي لم يتغير بعد، فنظام الكولوسيوم ما زال يلقي بظلاله إلى يومنا هذا فقط تغيرت الأشكال وبقيت الغايات هي نفسها لم تتغير، إلا أن “المجان” عند الرومان لم يعد مقبولا ومستساغا في ظل نظام رأسمالي سلعن المادي والمعنوي وحتى النفسي دون استثناء بزعامة الفيفا/الإمبراطور.
الكولوسيوم غيّر شكله وحافظ على طبيعته
× “خبز وسيرك” شعار رفعه الرومان حين شيد الإمبراطور” فيسباسيان” ومن بعده ابنه “تيتوس” الكولوسيوم في روما ما بين سنة 72 و80 ميلادي وقدّم من خلاله المتعة الزائفة بغاية مزيد تركيز حكمه الاستبدادي. فلقد فهم الرومان آنذاك أن الشعب الجائع والغاضب خطر على السلطة في حين أن الشعب المنشغل والمتحمس هو مصدر أمان. وبذلك أدّى الكولوسيوم أدوارا سياسية هامة من خلال إيهام الجماهير بالمتعة لكي يظهر الإمبراطور للشعب على أنه إمبراطور الشعب حينما أقدم على هدم قصر “نيرون” وبنى مكانه مدرجا ضخما يضم كل الناس وقدم لهم كل شيء في الظاهر بالمجان من دخول وعروض ووجبات خفيفة لتشعر الجماهير بأنها ذات قيمة لدى الحاكم ناسين أنهم قد دفعوا الضرائب مسبقا لتلك العروض التي كانت مدخلا لشراء الولاء عبر شعار “خبز وسيرك“، الإمبراطور يعطي بسخاء وفي المقابل الشعب يأكل ويشاهد ويصمت فلا يفكر في الضرائب ولا في الحروب ولا في الفساد، المهمّ عنده أن يمضي وقتا ممتعا فيه عرض وخبز ودم ولكن في حقيقة الأمر يبقى الإمبراطور هو النجم الحقيقي الذي تدور في فلكه الأحداث وإن كان المصارعون هم الذين قدّموا أرواحهم هباء منثورا وارتوت ساحة الكولوسيوم من دمائهم ويبقى الإمبراطور هو الوحيد من يحكم ومن يقرر من “يعيش أو يموت” بمجرد تحريك إبهام يده والشعب يتطلع إليه ويصفق له باعتباره “أب الشعب” ومانح المتعة إلى أن صارت العروض تربّي الأجيال على أنّ “الموت من أجل روما شيء عظيم” وهكذا تحوّل العنف إلى متعة وطنية وصار الدم جزءا من الاحتفال إلى حدّ الإدمان ممّا عزّز لدى الجماهير الشعور بالفخر والانتماء فأصبحت المتعة قومية لمجرد مشاهدة مصارعين وحيوانات جلبوا من خارج روما قد ماتوا في ساحة المعركة.
كما عمد الإمبراطور عبر الكولوسيوم إلى تفريغ التوتر وتوحيد الطبقات، ففي وسط المدرجات الكل متساوون أمام الدم فالغني والفقير يتفرجون على العروض مع بعض ويفجرون غضبهم سويا في الصراخ على المصارعين لا على الحكومة وبالتالي كان للكولوسيوم دور الإيهام المسرحي بوجود ديمقراطية وبأن للجماهير سلطة، ولكن الحقيقة خلاف ذلك فسلطة القرار الفعلي والنهائي بإصبع الإمبراطور لا بيده، وهكذا لم تكن المتعة الهدف المنشود ولكن ما هي إلا وسيلة لإسكات الشعب وإلهائه عن مشاغله اليومية وصده عن مواجهة السلطة إلى حين.
× من مصارعة العبيد على رمال روما إلى مصارعة الدول والشركات على عقود الرعاية
إنها نفس الفكرة متواصلة ولكن بأدوات مختلفة فقد تغيرت الأشكال والألقاب وبقيت الغايات هي نفسها، فتحول الكولوسيوم إلى مستطيل أخضر والمصارعون إلى لاعبين ولكن الغايات لم تتغير فالدور السياسي الذي لعبه الكولوسيوم من قبل ما زال متواصلا إلى يومنا هذا عبر المستطيل الأخضر وعبر كل الأشكال الأخرى من شراء الولاء وإلهاء الجماهير عن مشاغلها وزرع الإحساس الزائف بالهوية والأمان والإيهام بالمتعة، فالكولوسيوم تساقطت حجارته وأصبح مجرد شاهد على عصره وحل محله المستطيل الأخضر الذي عمّ أرجاء العالم بمساحات وأشكال مختلفة تضم نفس الفئات التي كانت حاضرة في الكولوسيوم تحت راية روما وأما اليوم تحت راية النادي والمنتخب وظلت نفس السمة في تفريغ غضب الشعب/الجماهير في الصراخ والتشجيع والشعارات بين هذا وذاك، وكان الإمبراطور في الكولوسيوم هو من يقرر من منصته الخاصة وأما في المستطيل الأخضر فإن الحكم وVAR وFIFA هم من يقررون وأحيانا من وراء الستار وفي الغرف المغلقة.
كما استلم اللاعبون المشعل عن المصارعين فلاعب اليوم هو حفيد مصارع الأمس ولكن لا سلاح له سوى الكرة وكل منهما يلعب على حياته ولو بدرجات مختلفة فما أشبه حياة اللاعب بحياة المصارع حينما ينتقل من العبودية إلى الشهرة ومن “اللودوس” إلى الأكاديمية ليصير مملوكا لأحد النوادي يباع ويشترى مثله كمثل العبيد من قبل عبر عقود وانتقالات يطمح إلى المجد وأن يكون بطلا شعبيا بانتصار فريقه يحدوه الخوف من المذلة ونعته بأبشع النعوت واتهامه بالخيانة عند الهزيمة وإن كان المصارع يموت مرة فإن اللاعب يموت مرات عدة، فإصابة قوية أو إضاعة ضربة جزاء حاسمة أو تفويت فرصة تهديف قد تنهي مسيرة حياته ويلفظ جانبا كسلعة منتهية الصلوحية.
كما تواصل دور اللاعب كأداة دعاية سياسية والترويج لبعض السياسيين وبث رسائل موجهة في أن “المنتخب يوحدنا” وعلينا أن نلتف حوله وندعمه بالرغم من معاناة الشعب/الجماهير، فسعت الكثير من الدول إلى غسيل سمعتها بإنفاق المليارات على الأندية والمنتخب التي تمد الجماهير بهوية وهمية فتحولهم من مواطنين إلى مجرد مشجعين يعبدون نجوم كرة القدم الذين أصبحوا مصدر تسويق وبيع لكل شيء من منتوجات ومشاعر وحتى مواقف سياسية وهكذا بقيت منظومة الكولوسيوم تواصل أداء دورها ولكن ليس بالمجان هذه المرة.
الرأسمالية حولت كل شيء إلى منتج
هدف الكولوسيوم في منح المتعة بالمجان انقلب إلى سوق مفتوحة تدار فيها عمليات البيع والشراء قصد الربح الضخم والسريع في ظل النظام الرأسمالي الذي حوّل كل قيمة إلى سعر وجعل من كل إنسان زبون مستهلك فلم يكتف بالمتاجرة في كل ما يتعلق بالنواحي المادية لكرة القدم بل لم يتوانى عن استخراج المشاعر والعواطف والأحاسيس وتصنيعها واستثمارها وتسويقها كأي سلعة معروضة في السوق لمزيد تكديس الثروة وتعميق الهوة بين الطبقات.
× زمان شيد الامبراطور الكولوسيوم وأنفق على المصارعين ووزع الأكل على الجماهير ليسكت الشعب وليحكم قبضته، وأمّا اليوم فقد حل محله الأندية في شكل شركات مضاربة في البورصة صار اللاعب مجرد وسيلة إنتاج والجماهير مستهلكة طورا ومنتجا يباع طورا آخر.
× المصارع قديما كان يمكن أن يشتري حريته بمجرد فوزه في عدة نزالات وقبض ثمن ذلك ولكن اللاعب اليوم يبيع حريته لأحد النوادي ليصير قيمة تسويقية ومجرد سلعة يباع ويشترى مثله كمثل آلة تدخل خط الإنتاج وكرقم في الميزانية ينتج أرباحا في شكل بطولات وألقاب وكذلك في شكل محتوى من لقطات ومشاهدات وإعلانات يجلب مزيدا من الأموال وكذلك ينتج ولاء الجماهير التي تتراكض لشراء كل ما يتعلق باسمه وبناديه وبالتالي المزيد من المبيعات وتراكم الأرباح.
× الجماهير كانت مستهلكة لعروض الكولوسيوم بالمجان من فرجة وأكل لكن اليوم الجماهير تلعب دورا مزدوجا فهي في الوقت نفسه مستهلكة ومنتجة، فكانت تمثل “شعب روما” في الكولوسيوم وصارت مجرد قاعدة عملاء في الملاعب.
× لم تكتف الرأسمالية بجعل الجماهير مستهلكين مواظبين لما تقدمه كرة القدم مثلا وإنما استغلت مشاعرها وجعلت منها سلعة هي الأخرى فقدمت لها المتعة بمقابل من ناحية وسلبت منها ردود أفعالها من مشاعر الفرح والغضب لبيعها من ناحية أخرى، فالفرحة التي تغمر الجماهير تكون مصدرا لمزيد بيع منتوجات الفريق ولاعبيه والشركات التسويقية وكذلك الغضب والحزن الذي يصيبه يكون مصدرا لربح نادي على حساب نادي آخر فيدر أرباحا لشركات التواصل الاجتماعي بسبب كثرة التفاعلات والتي بدورها تجلب عديد المشاهدات كما أن هذه المشاعر قد تعزز الانتماء إلى النادي وبالتالي عدم فك الارتباط بما ينتجه من سلع فلا ينقطع عن شراء ما يصدره، كما لم تسلم مشاعر الخوف من هذه العملية فالخوف من تفويت المتعة قد يدفع إلى شراء التذاكر وأجهزة البث فيصير المشجع حبيس سجن يظن نفسه فيه حرا.
وهكذا انتقلت جينات الكولوسيوم مع بعض التحوير إلى المستطيل الأخضر الذي عمّ أرجاء العالم حتى صارت كل الدنيا عبارة عن حلبة كبيرة وأضحت الجماهير حينما تخرج من الملعب تجد نفسها في ملعب أكبر تكون فيه في الآن نفسه المصارع/اللاعب والشعب/الجماهير. لذلك تبدلت الحلبة وتبدلت الأسلحة ولكن جوهر اللعبة بقي هو نفسه “ستغلال إنسان لإنسان لإلهاء إنسان آخر“.
الفيفا FIFA إمبراطور يتربع على عرش الكولوسيوم الحديث
شيّد الإمبراطور الكولوسيوم وجلب المصارعين والوحوش من خارج روما ليقدم لشعبه عروضا دموية بالمجان من أجل إمتاعه بل من أجل إسكاته وإخضاعه والسيطرة عليه ولكن الفيفا استولت على كولوسيوم اليوم ونصبت نفسها عليه إمبراطورا يقدم عروضا لإمتاع الجماهير ولكن بمقابل حسب مخططات وبرامج تجعل من اللاعبين والجماهير سلعة تسويقية ماديا ومعنويا ونفسيا حتى طغت وسيطرت وبات لها نفوذا ماليا وسياسيا فاق أحياناً بعض الدول فحولت كرة القدم من لعبة للفقراء في الشوارع إلى إمبراطورية مالية يتحكم فيها الأثرياء في الغرف المغلقة ونظمت لها سوقا عالمية تسمى كأس العالم “المونديال” لتجني من ورائه آلاف المليارات من الدولارات.
× قصة التأسيس المظلمة للمونديال:
إن كأس العالم لم يولد في الحقيقة كمجرد فكرة رياضية بريئة لتسلية الشعوب وإنما جاء نتيجة فكرة خبيثة كان وراءها المحامي الفرنسي “جون ريميه” الذي خرج من أهوال الحرب العالمية الأولى بقناعة مرعبة مفادها أن الشعوب التي تقاتلت بالمدافع بحاجة إلى معركة بديلة لتفريغ نزعاتها القومية والدموية، فكان التأسيس عبارة عن مؤامرة رياضية شرسة لكسر عنجهية بريطانيا والتمرد على اللجنة الأولمبية، وانطلقت أولى البطولات لتتحول إلى تجارة بمليارات الدولارات وصراع قوى جيو–سياسية ناعم بين الدول لينكشف المونديال أنه لم يكن يوما مجرد لعبة بل شيفرة سياسية واجتماعية صممت بذكاء لإدارة طاقة الغضب البشري على هذا الكوكب وتحويله إلى منجم ذهب.
× الفيفا إمبراطورية مالية:
الفيفا ليست مجرد اتحاد رياضي عالمي يضم 211 اتحادا وطنيا من كل العالم أكثر من عدد دول الأمم المتحدة بل امبراطورية اقتصادية عابرة للقارات تتربع على عرش كرة القدم تبيع الوهم لمليارات البشر وتقبض في المقابل مليارات الدولارات يديرها أباطرة المال من غرفهم المغلقة بارتباط أسواق الإعلانات ومئات الملايين من دولارات عقود الرعاية وحقوق البث ومبيعات التذاكر وكواليس المراهنات الخفية وهو ما يفسر تصرف الفيفا في تعاملها مع مجريات المقابلات والقرارات التحكيمية المثيرة للجدل والقوانين التي تشرعها لإنقاذ جيوب الرعاة خدمة للمصالح الخفية التي تدار من خلف الستار مما أثار توجيه العديد من تهم الفساد ضد الفيفا في الكثير من المناسبات.
+ تداخل الرياضة بالسياسة وسياسة المكيالين:
لقد زعموا وروجوا أن كرة القدم رياضة صرفة لا علاقة لها بالسياسة ويجب أن ينأى المتداخلون فيها من أطر ولاعبين وجماهير بأنفسهم عن كل الأحداث والمواقف السياسية المختلفة ولكن الحقيقة خلاف ذلك فتدفق المال وخاصة الفاسد منه جعل من الفيفا تشرع القوانين وفقا لمصالحها المالية ونزولا عند رغبة بعض الأطراف وخضوعا لضغوطات سياسية، فانتهجت بذلك سياسة المكيالين فلا تتهاون في معاقبة كل من يمسّ ويهدد مصالحها من ناحية وتتغاضى عن الإخلالات بما يخدم مصالحها ولعل مجريات مقابلات كأس العالم 2026 خير دليل على ذلك وخصوصا حينما قررت الفيفا تعليق عقوبة عدم المشاركة في المباراة الموالية ضد اللاعب الأمريكي المتحصل على “كارت أحمر” في مباراة بلاده ضد البوسنة والهرسك وذلك بعد أن تدخل ترامب نفسه لدى الفيفا، كما تظهر سياسة المكيالين في عدم السماح برفع العلم والشال الفلسطيني وكل الشعارات الداعمة لغزة والمناهضة للكيان في حين تغاضت عن شعارات سياسية رفعها المنتخب الأرجنتيني ضد أنجلترا بينما عاقبت المنتخب السويسري لرفعه شعار“النسر المزدوج“، وعاقبت كذلك المنتخب الإسباني حين رفع شعار “مضيق طارق مضيق إسباني” في حين لم تعاقب المنتخب الأرجنتيني لما رددوا أغنيه سياسية، كما لم تكن الفيفا عادلة بين المنتخبات فقد ميزت بينهم في مراكز التدريب إذ مكنت فرقا من مراكز راقية وفخمة ومؤمّنة في حين لم يتمتع بمستواها فرق أخرى، ورغم ما تتمتع به الفيفا من سلطة ونفوذ باعتبارها الجهة المنظمة فإنها لم تحرك ساكنا عما صدر عن الولايات المتحدة من معاملات مع بعض الوفود.
+ الفيفا تقف على منجم من الذهب:
كرة القدم لم تعد مجرد لعبة بل هي صناعة عابرة للقارات والفيفا هي الإمبراطورية التي تدير هذا المنجم من الذهب فهي تحتفظ بأغلب الإيرادات من حقوق البث والرعاية والتذاكر بينما تتحمل الحكومات والمدن تكاليف الأمن والنقل والخدمات، فالجمهور هو من يدفع والفيفا هي التي تقبض فمن أين تأتي كل هذه المليارات؟
حسب التقرير المالي الرسمي للفيفا حققت المنظمة إيرادات قياسية مرعبة بلغت 7.5 مليار دولار خلال الدورة المالية الممتدة بين 2019 و2022 وقد شكلت عائدات كأس العالم قطر 2022 الغالبية العظمى من هذه الثروة بواقع 6.3 مليار دولار أي ما يعادل 83% من إجمالي دخل الفيفا في أربع سنوات.
– حقوق البث التلفزي: وهي المحرك الأكبر وقد تجاوز إجمالي عائدات البث للدورة الكاملة لكأس العالم قطر 2022 مثلا حاجز 3.4 مليار دولار وهو ما يفسر حرص الفيفا على إبقاء الكبار في مضمار السباق لأن خروجهم المبكر يعني انخفاض حاد في نسب المشاهدة وتراجع القيمة التسويقية للإعلانات وتهديد مباشر لقيمة عقود البث مستقبلا.
– حقوق التسويق والرعاية: لقد بلغت عائدات الفيفا سنة 2022 حسب تقريرها المالي السنوي نحو 1.4 مليار دولار بإجمالي وصل إلى 1.7 مليار دولار للدورة كاملة، وهذه المبالغ الطائلة لا تدفعها الشركات الراعية حبا في الرياضة وإنما لضمان ظهور علاماتها التجارية أمام أكبر حشد بشري/سوق مستهلكة، مستغلة في ذلك أسماء نجوم كرة القدم ليتضاعف حجم المشاهدة ليصل إلى 1.5 مليار مشاهد حول العالم في نهائي كأس العالم قطر 2022 الذي دار بين الأرجنتين وفرنسا مقارنة بنهائي كأس العالم روسيا 2018 الذي دار بين فرنسا وكرواتيا.
– حقوق الترخيص: وقد قفزت بنسبة 28% لتصل إلى 769 مليون دولار في كأس العالم قطر 2022.
– المراهنات (بوابة المنجم): إذا كان الاقتصاد الرسمي للفيفا أمر مرعب فإن الاقتصاد الموازي وغير الرسمي أمر يثير القلق والريبة، فسوق المراهنات الرياضية ينشط بجنون في المناسبات والمواعيد الكبرى إذ بلغت المبالغ التي تمّ المراهنة عليها عالميا في قطر 2022 نحو 35 مليار دولار بزيادة ضخمة بلغت 65% عن بطولة كأس العالم روسيا 2018، وبزيادة عدد المباريات في كأس العالم قطر 2022 من 64 إلى 104 مباراة في كاس العالم 2026 المنقضية نمت سوق المراهنات بمعدل تخطى 71% لتتراوح الأموال المتداولة بين 55 و65 مليار دولار. وقد كشف مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة عن تداول 1.7 تريليون دولار سنويا في أسواق المراهنات غير القانونية ويتم غسل نحو 140 مليار دولار عبر الرياضة وإجمالا فإن حجم سوق المراهنات غير القانونية في مختلف الألعاب الرياضية والأحداث السياسية وغيرها وصل إلى 6 تريليون دولار سنويا يتم تدويرها في الاقتصاد العالمي في صورة مراهنات وغسيل أموال من بينها 50 مليار دولار من مباريات كأس العالم دون اعتبار الإعلانات والقيمة التسويقية للاعبين، وتلك القيمة قابلة للزيادة بزيادة الدول للمشاركة في كأس العالم القادمة وبالتالي لم تعد كرة القدم مجرد لعبة مثلما كانت في السابق وإنما أصبحت تجارة دولية غير معلنة وصارت المباراة عبارة عن مسرحية تدور وفق نص مكتوب مسبقا حتى تتمكن شركات المراهنات خاصة من جمع أكثر ما يمكن من الأرباح وبذلك يتم توظيف اللاعبين والحكام والجماهير في سلسلة إنتاج اقتصاد الغرف المغلقة ليكسب من ورائهم المراهنون الكبار الذين يتحكمون في قرارات الفيفا من رجال أعمال وشركات المراهنات لضمان أكبر قدر من الأرباح وقد تجاوزت قيمة المراهنات في كأس العالم 2026 ما يزيد عن 50 مليار دولار مقارنة بما وصلت إليه في كأس العالم قطر 2022 من مبلغ 35 مليار دولار وهو ما شجع الفيفا على الترفيع في عدد المشاركين من 48 فريق لهذه الدورة إلى 64 فريق مشارك في كأس العالم المقبل 2030 وبالتالي تضاعف عدد المباريات وهو ما سوف يؤدي حتما إلى تزايد المراهنات التي لم تعد تقتصر على النتائج فقط بل امتدت إلى عدة نواحي أخرى فتحولت المباراة إلى “سوبر ماركت” كبير.
هل تسقط الفيفا كما سقط الكولوسيوم
× الفساد بداية انهيار الامبراطورية أم مجرد عقبة بالمال يمكن تجاوزها؟
إن ملفات الفساد هي ما مكنت العالم من أن يكتشف عالم إمبراطورية المال/الفيفا من الداخل وكيف تدار الكرة بالمال والنفوذ، ومن أهم هذه الملفات فضيحة 2015 FIFA GATE حينما وجهت الفيفا اتهامات تتعلق برشاوي وغسيل أموال واحتيال على مدار 24 سنة كما طالت التحقيقات من بعد ملف مونديال روسيا 2018 وخصوصا ملف مونديال قطر 2022 ثم إن منظمات حقوقية دولية انتقدت سوء استغلال العمال في بناء الملاعب إلى حد تسجيل الكثير من حالات الوفيات في صفوف العمال بمناسبة بناء ملاعب قطر مثلما حدث في الكولوسيوم من قبل، علاوة على أن الأموال التي تقدمها الفيفا لدعم الاتحادات المحلية الفقيرة تتحول لحسابات شخصية لرؤساء الاتحادات.
ولكن رغم توجيه عدة تهم وفتح عديد التحقيقات فإن الفيفا ما زالت تمارس نفس الأساليب خاصة حينما مكنت أمريكا وكندا والمكسيك من مونديال 2026 دون منافسة حقيقية، والأكيد ما حدث في الدورة المنقضية 2026 وما أثير حولها من جدل خاصة حول علقة الفيفا بالمراهنات وسعيها إلى الرفع من عدد الدول المشاركة.
× من المستفيد ومن المتضرر؟
بعد أن توافق الدولة المستضيفة للمونديال على شروط وترتيبات الفيفا وبعد أن يعلن عن اختيار تلك الدولة تشرع حينها في إنفاق المليارات من أجل بناء الملاعب حسب المواصفات وتهيئة البنى التحتية من ساحات ومطارات ومحطات وفنادق… ولكن ما أن ينتهي المونديال حتى تجد الدولة نفسها لم تحقق الأرباح المنشودة وإن حققت فهي ضئيلة مقارنة بما استحوذت عليه الفيفا، كما تجد تلك الدولة نفسها مثقلة بأعباء ما شيدت من ملاعب لا تستحقها لاحقا فتضطر إما لمزيد الإنفاق عليها بالصيانة أو تضطر للتخلي عنها أو توظيفها لأعمال أخرى أقل قيمة ومردودية، لتبقى تلك الدولة وحدها أمام تسديد فاتورة ضخمة من المليارات بعد أن هللت واحتفلت لاختيارها دولة مستضيفة للكأس باعتباره إنجازا وطنيا كبيرا وعنوان “تسويق للأمة“، يقدم للجمهور على أنه طريق نجاة للاقتصاد وفرصة تاريخية لجذب الاستثمار والسياح وتحقيق أرباح هائلة تدفع الاقتصاد خطوات إلى الأمام ولكن هذا الوهم سرعان ما يتلاشى لتجد الدولة نفسها والجماهير هم من يدفعون والفيفا هي التي تقبض وتجني الأرباح على حساب أموال الجماهير المدفوعة وأوقاتهم المهدورة وأعصابهم المشدودة.
وتاريخ المونديال خير دليل على ذلك: ألمانيا 2006 مثلا وإن أنفقت 4.6 مليار دولار فإنها لم تحقق سوى ارتفاع دخل السياحة بـ 1.5 مليار يورو وأما الأثر المباشر على الاقتصاد فقد ظل محدودا بنحو 0.14% من الناتج المحلي، وأما البرازيل 2014 فإن أنفقت ما بين 11.6 و15 مليار دولار فإن الدولة خرجت بوضع أسوأ انتهى بقيام احتجاجات بسبب التكلفة إذ لم تحقق سوى عائد سياحي بـ 3 مليار دولار مقابل أرباح طائلة للفيفا قدرت بـ 2.6 مليار دولار إضافة إلى 500 مليون دولار عائدات التذاكر، كما أنفقت روسيا 2018 ما بين 11.6 و14.2 مليار دولار ومع ذلك فإن أثر النمو الاقتصادي تبدد بسرعة. ولكن الاستثناء كان قطر 2022 إذ تجاوزت كل التوقعات ووصلت مستوى غير مسبوق بلغ حدود 220 مليار دولار لما طال التحديث الشامل البنية التحتية وانتعشت إمبراطورية الفيفا من جديد.
× ضرورة إعادة إحياء إنسانية الإنسان:
لقد استولى النظام الرأسمالي على الموارد الطبيعية والقيم الإنسانية على حد سواء فلم تسلم من براثنه الرياضة والفن والدين حتى أفرغ الإنسان من إنسانيته وجعله مجرد وسيلة في خط إنتاج وأطلق عبر مؤسساته الرياضية شعارات المتعة وأن كرة القدم تقرب بين الحضارات المختلفة وتوحد الشعوب ولكن الحقيقة تنفجر صاخبة بين الجماهير في المدرجات وعلى الطرقات فيعلو منسوب العصبية ويتحول الصراع على الكرة في الملعب إلى صراع واقتتال بين الجماهير ليطال تدمير وتخريب الممتلكات العامة والخاصة ليصل الأمر إلى حد نشوب أزمات ديبلوماسية بين الدول مثلما حصل في نصف نهائي كأس العالم مؤخرا الذي انتهى بفوز الأرجنتين على أنجلترا والأمثلة عديدة في تاريخ كرة القدم، فإن كان المصارع في الكولوسيوم قديما يقدم للجماهير عروض الدم فإن جماهير اليوم هي التي أصبحت تسعى إلى الدم، ولو تواصل هذا السيل الجارف فلسوف تجد الجماهير نفسها هي الوحوش الضارية تتصارع فيما بينها داخل حلبة الحياة الكبرى تستنزف دماءها من أجل إشباع نهم الشركات وإرضاء جشع الفيفا التي ترفع في كل دورة من عدد الدول المشاركة في كأس العالم لمزيد تكديس الأرباح على حساب أزمات الدول ومشاغل الشعوب.
وحتى لا يتحول اللاعب إلى آلة والجماهير إلى مستهلك/منتج أو وحوش ضارية، علينا أن نعي وعياً تاما بحريتنا وأن نرفض رفضا قطعيا بأن نكون مجرد سلعة معروضة في السوق مسلوبي الإرادة وأن نقاوم الرأسمالية التي تريد أن نكون مستهلكين وأرقاما في حسابات الشركات وألا ننساق وراء المتعة الزائفة والأوهام التي يروجون لها لإبقائنا في شلل دائم مغتربين عن أنفسنا وعن واقعنا، ومثلما سقط الكولوسيوم قديما فلا بدّ من إسقاط أي عرش ينبني على استغلال الإنسان.
صوت الشعب صوت الحقيقة
