الرئيسية / صوت الوطن / اقتصاد النقص في تونس: بين سردية الاحتكار والاختلالات الهيكلية وآفاق الإصلاح
اقتصاد النقص في تونس: بين سردية الاحتكار والاختلالات الهيكلية وآفاق الإصلاح

اقتصاد النقص في تونس: بين سردية الاحتكار والاختلالات الهيكلية وآفاق الإصلاح

بقلم جيلاني الهمامي

هذا عنوان دراسة للسيد محمد براء اللافي(1)، باحث في الاقتصاد في جامعة باريس للاقتصاد بفرنسا، خصصها لدراسة ظاهرة فقدان المواد الاستهلاكية في السوق التونسية والبحث في أسبابها الحقيقية بعيدا عن الرواية الرسمية وسردية “الاحتكار والمضاربة”.

وهي دراسة حديثة نشرت في موقع “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”(2) بتاريخ 16 سبتمبر الماضي. وقد جاءت في 14 صفحة مذيّلة بقائمة المراجع التي اعتمدها الباحث في إنجاز دراسته هذه.

استهلّ الباحث دراسته بالتذكير، في مقدمة موجزة، بالدّور الأساسي الذي لعبته الدولة في بناء الاقتصاد التونسي وفي “إدارة القطاعات الاستراتيجية وتأمين عدد من المواد الأساسية”. فالدولة التونسية تتمتع بحضور قوي في المنظومة الاقتصادية وتلعب فيها دورا كبيرا إلى جانب المؤسسات العمومية والقطاع الخاص من بداية السلسلة (الإنتاج أو التوريد) حتى آخر حلقة فيها (الاستهلاك). وتضطلع في ذلك بجملة من المسؤوليات ومنها على وجه الخصوص تمويل التّعويض على الاستهلاك (منظومة الدّعم) وتوفير السّيولة للمؤسّسات العمومية والتدخل في مستوى تحديد الأسعار. وتبعا لذلك تتحمّل مسؤولية الحفاظ على استقرار السوق والتدخل لدى القطاع الخاص لسدّ الفجوات التي تظهر بين العرض والطلب أحيانا. يقول الكاتب في هذه المقدمة “تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في تونس؛ لأن الدّولة ما زالت حاضرة بقوة في حلقات التوريد والإنتاج والخدمات، في حين تخضع أسواق عديدة لقيود تنظيمية تحدّ من المنافسة والدّخول”. لذلك فإن “اختلال أيّ حلقة من هذه السلسلة يمكن أن ينتقل إلى بقية الحلقات، ويظهر في النهاية من خلال نقص في السوق”. لذلك فإنّ ما “ظهر من ذلك خلال السنوات الأخيرة في سلسلة من الاضطرابات شملت مواد غذائية، مثل الحبوب والخبز والحليب والسكر والزيوت والأدوية والوقود والغاز، ثم امتدت إلى خدمات أساسية مثل الماء والكهرباء” هو نتاج طبيعي لاختلالات المنظومة التي فقدت الدولة السيطرة عليها. أي أن النقص الذي اشتكت منه بعض المواد في السوق الداخلية في السنوات الأخيرة مردّه اختلال هيكلي في سلسلة المنظومة الاقتصادية وليس شيئا آخر.

يقول الكاتب “لهذا تحاول هذه الدّراسة البحث في الأسباب الهيكلية لهذه الأزمات، ومدى إمكانية تفسيرها بسردية الاحتكار والمضاربة، اعتمادًا على الأرقام والأدلة، والأدبيات الاقتصادية، وتقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية وصندوق النقد الدولي، والوثائق الرّسمية، إضافة إلى تقارير صحافية واستقصائية”.

تضمنت الدراسة محورين أساسيين الأول، تفسير أزمات النقص وآلياتها والثاني آفاق الإصلاح. نحاول فيما يلي تقديم مضمون الدراسة بالتركيز فقط على المحور الأول بالنظر لقيمته العلمية في تشخيص أسباب فقدان المواد الأساسية من السّوق بعيدا عن ديماغوجيا الدعاية الشعبوية.

الاحتكار والمضاربة نعم، ولكن..

يؤكد الكاتب أن تفسير ما شهدته وتشهده السّوق من نقص أو فقدان مواد استهلاك أساسية مثل السميد و”الفارينة” والخبز والحليب والسكر والزيوت والأدوية وقوارير الغاز والقهوة والماء المعلّب الخ… بالاحتكار والمضاربات تفسير مغلوط ولا يمتّ للحقيقة بصلة. وهو تفسير “سياسي” تستعمله السلطة للتغطية على عجزها وفشلها في معالجة الأسباب الحقيقية والتي هي أسباب هيكلية تعود إلى طبيعة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة سواء في العهود السابقة أو في ظل حكم الشعبوية الحالي.

ولئن لم يستبعد أن يكون الاحتكار والمضاربات قد ساهما فعلا في بعض حالات النقص بدليل أن السلطة قد نظّمت حملات رقابية وأمنية على نطاق واسع أفضت إلى عمليات حجز لكميات من المواد المخزنة والمفقودة من السوق، فإنه شكّك في أن تكون هذه الممارسات كافية لوحدها لتفسير أزمات نقص واسعة وممتدة شملت كامل السوق الداخلية. وللتدليل على ذلك قام الكاتب بجمع البيانات المتاحة حول عمليات الحجْز التي قامت بها السلط الاقتصادية والأمنية وقارنها بمجموع الاستهلاك الوطني التقديري من المواد المعنية خلال فترة الأزمة لينتهي إلى استخلاص مفاده أن نسبة الحجوزات تتراوح بين 0.00 % و0.77 % أي أقل من 1% وهو ما لا يسمح بتفسير أزمات النقص في المواد الاستهلاكية المذكورة فقط بالاحتكار والفساد والمضاربة التي أقام عليها قيس سعيد سرديته المعروفة.

في المقابل قدّم الباحث تفسيرا اقتصاديا علميا مدعوما بمعطيات وأرقام تؤكد كلها أن أزمة نقص تلك المواد إنما تعود إلى طبيعة الاختيارات الاقتصادية المتبعة.

في تفسير أزمات النقص وآلياتها

أوعز الباحث أزمات النقص في مواد الاستهلاك إلى عدة أسباب هيكلية منها أولا ما أسماه “أهمية التوريد الخارجي” مشيرا إلى تصاعد التّعويل على التوريد في فترة ما بين 2010 و2024 هذه الفترة التي عرفت من ناحية تراجع التّمويل الخارجي الذي انعكس سلبا على قدرة الدولة على تمويل التوريد (نقص في العملة الصعبة) فيما لم تواكب قنوات التوريد من ناحية أخرى التطور الكمي لحجم التوريد. واستنادا إلى تقرير البنك الدولي لسنة 2023 في باب إصلاح دعم الطاقة أشار الباحث إلى انعكاس نقص التمويل الخارجي على قدرة البلاد على تمويل الواردات من مواد المحروقات والحبوب والسكر ومنتجات الألبان والقهوة والأدوية. مع العلم أن هذه الفترة (2010 – 2024) شهدت تراجعا في الإنتاج وفي الصّادرات التي من شأنها أن تسمح عبر مداخيلها من العملة الصّعبة بتغطية تكلفة التوريد. لذلك تحوّلت مشكلة التّوريد الخارجي من النّاحية الهيكلية إلى مشكلة تزويد السوق المحلية.

أمّا السّبب الهيكلي الثاني الذي اعتبر الباحث أنه ساهم في أزمات النقص فهو منظومة الأسعار والدّعم موضحا أنّ الأسْعار الإدارية les prix administrés التي تضعها الدولة لبعض المنتوجات لفترة طويلة دون مراجعةٍ وتُصْبِح في وقت من الأوقات متخلفة عن تكلفة الإنتاج تتسبّبُ في نقص الإنتاج ممّا يؤدي بالتالي إلى فقدانها في السّوق. واستشهد في هذا الباب بعدّة أمثلة منها ما يتعلّق بتقرير منظمة التّعاون حول أزمة الحليب أو ما يتعلّق بما جاء في تقرير البنك الدّولي بخصوص أزمة الحبوب. ولعل مثال شركة “الستاغ” يغني عن كل تعليق إذْ قال فيه مستشهدا بتقرير البنك الدولي “يشير البنك الدولي إلى أن التعريفة الكهربائية في تونس لا تغطي سوى نحو 60% من تكلفة توفير الكهرباء، وهو ما يرتبط خصوصًا بالإبقاء على تعريفات منخفضة لأسباب اجتماعية، ويؤدي إلى اعتماد الشركة على دعم الدّولة لتغطية الفارق”.

ومن جانب آخر اعتبر الباحث أن أوضاع المؤسسات العُمومية يُمكِن أن تكون سببا في أزمة نقص في السوق في هذه المادة أو تلك خصوصا وأن بعض هذه المؤسسات “في قلب سلاسل التوريد والطاقة والمياه والصحة مثل ديوان الحبوب وديوان التجارة والديوان الوطني للزيت والشركة التونسية للكهرباء والغاز والشركة التونسية لصناعات التكرير والصيدلية المركزية” كما قال. وأضاف “تواجه بعض هذه المؤسسات صعوبات في تغطية التكاليف وأعباء توظيفية ومديونية متراكمة في حين تؤدي في الوقت نفسه مهمات اجتماعية وتبيع بعض الخدمات أو المواد بأسعار لا تغطي تكلفتها”. وتفترض العملية أن تتولى الدولة تغطية الفارق أو العجز باعتبارها المسؤولة عن دعم الاستهلاك في تلك المواد أو الخدمات ولكنها لا تقوم بذلك أصلا أو تتأخر في تسديد مستحقات المؤسسات العمومية المتخلدة بذمتها. وقد بلغت مستحقات المنشآت العمومية لدى الدولة سنة 2023 أكثر من 11.9 مليار دينار منها 3.9 مليار دينار لفائدة شركة “الستاغ”. وبناء على عدة أمثلة استخلص الكاتب أنه “تصبح الحلقة واضحة: أسعار منخفضة أو مهمات اجتماعية غير مموّلة، ثم خسائر، ثم تأخّر الدولة في السداد، ثم نقص السيولة، ثم صعوبة في التوريد أو الاستثمار، وأخيرًا يؤدّي ذلك إلى ظهور النقص في السوق”.

وأخيرا يمثل اختلال منظومة التخزين والتوزيع سببا من أسباب أزمة نقصٍ في السّوق وهو كذلك سبب هيكلي على غاية من الأهمية والتأثير. وقد اعتبر الكاتب أن المرسوم 14 لسنة 2022 وقانون الشيكات عدد 41 لسنة 2024 قد تسبّبا، كل في مجاله، في خلق اضطراب في تزويد السوق وفي عدم “قدرة بعض التجار على تمويل المخزون المؤجل الدفع عندما تكون السيولة مكلفة”.

خلاصة القول

خلاصة القول أن الضجيج الذي يفتعله قيس سعيد حول “الاحتكار والمضاربات والفاسدين واللوبيات والكرتيلات” وما إلى ذلك لتفسير أزمات النّقص les pénuries في السّوق في الكثير من المواد الاستهلاكية التي ساهمت بشكل كبير في ارتفاع الأسعار ونسبة التضخم وبالتالي في تدهور المقدرة الشرائية للمواطنين هو في الحقيقة مجرّد ديماغوجيا سياسية مفضوحة الغاية منها التغطية على عجزه وفشله في إدارة شؤون الاقتصاد. فأزمات السّوق هي في الحقيقة تعبير مادي وصريح عن إفلاس الخيارات المتبعة لأن هذه الأزمات تعود لأسباب هيكلية كما تمّ تبيانه أعلاه.

هوامش

1 – محمد براء اللافي باحث في الاقتصاد يتابع دراسته في برنامج التحليل والسياسات الاقتصادية بكلية باريس للاقتصاد (PSE) ويعمل مساعد تدريس لمادة الاقتصاد الجزئي في جامعة باريس 2 بانتيون – أساس. تتركز اهتماماته البحثية على الاقتصاد الكلي وتقييم السياسات العامة والمؤسسات والاقتصاد السياسي مع عناية خاصة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

2 – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أنظر الرابط التالي: https://www.dohainstitute.org/ar/Pages/index.aspx

إلى الأعلى
×