بقلم علي الجلولي
يلاحظ العديد من المتابعين ما بلغته الأوضاع التربوية في بلادنا من تدهور طال كل المستويات بما عمّق القناعة الواسعة بطبعها منذ سنوات بكون قطاع التربية والتعليم هو قطاع مأزوم وتنعكس على ملامحه كل مظاهر الأزمة العميقة والشاملة التي تهز البلاد.
لقد انتظمت في أغلب جهات البلاد تحركات احتجاجية في المؤسسات التربوية التي تشهد أوضاعها انحدارا رهيبا، وتراوحت الاحتجاجات بين إمضاء العرائض التي عادت بقوة إلى قاعات الأساتذة والمعلمين إلى الإضرابات بساعة أو ساعتين إن على صعيد مؤسسة واحدة أو على مستوى محلي مثلما انتظم في قطاع التعليم الثانوي بجهة السواسي من ولاية المهدية. ولم يقف الاحتجاج على المدرسين ونقاباتهم، بل تحرك التلاميذ وخرجوا إلى الشارع في مدينة قابس، أو رفعوا لافتات تعبر عن شواغلهم ومطالبهم في إعدادية ابن خلدون بالصخيرة (ولاية صفاقس). وبطبيعة الحال فإن الجامع بين تحركات مجمل الفاعلين التربويين هو الاحتجاج على ما بلغه المرفق التربوي من تدهور طال البنية الأساسية وضعف الموارد البشرية وتصاعد الاكتظاظ، فضلا عن الخلل البنيوي المريع لمنظومة المناهج والمضامين والتقييم والضوارب والزمن المدرسي، وما لحق الحق التربوي من ضرب ممنهج وتصفية مدمرة أصبحت لا تحتاج الى استعراض أرقام ولا معطيات.
ويتجه رأي غالب في الوسط التربوي وفاعليه أن “السيل بلغ الزبى” وبلغت المدرسة العمومية حالة فاقعة وقصوى في التدهور والسوء، فأن يدرس الأستاذ أكثر من 20 ساعة أسبوعية وان يتجاوز عدد تلاميذ الفصل الواحد 50 تلميذا، فهذا لوحده مؤشر قُصوي (indice extrême) على ولوجنا مرحلة اللاتربية، أو اللامعنى في التربية. هذه الأرقام لا تهم مدارس غزة المنكوبة، ولا مدارس منطقة البحيرات الإفريقية المحرومة من ثروات بلدانها التي تحكمها مباشرة الشركات الاحتكارية. إنها تهم المؤسسة التربوية العمومية في بلادنا هذه الأيام. والأمر لا يهم مدارس الهامش والمناطق الداخلية والمحرومة، بل يشمل كل المؤسسات في كل الجهات بما فيها العاصمة والشريط الساحلي التي يظن البعض واهما أنها محظوظة. بالتوازي مع ذلك نشرت وزارة الإشراف منذ أيام نتائج الدراسة الميدانية حول الظواهر المستجدة في الوسط المدرسي وهي نتائج فظيعة فيما يهم استيطان ظواهر العنف والإدمان بأنواعه وفي مقدمته الذي يهم المخدرات، ومزيد استفحال التسرب والفشل والهدر المدرسي، وأيضا الانتحار ومحاولاته، وكذلك الحرقة التي أصبحت تستقطب فتيانا وفتيات من المدارس الإعدادية. هذا وتنشر نقابات الأسلاك التربوية أرقاما مريعة حول هبوط نسب التأطير التي تهم القيمين والأخصائيين النفسيين ومستشاري الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي، كما تشكو المؤسسات التربوية الآن من نقص كبير يمس هيئة التسيير الإداري أي المديرين والنظار والقيمين العامين سواء بسبب الإقالات الواسعة أو خاصة بسبب العزوف الكبير عن قبول التكليف الإداري بمقتضى حجم الخلل في الشروط والمقتضيات التي تهم تحمل هذه المسؤوليات.
واقع المدرسة: أزمة أم تأزيم؟
لا شك أن المدرسة تعيش أزمة كنتيجة موضوعية لتواصل خيارات اقتصادية واجتماعية نيوليبرالية وضعت في أولوياتها تصفية المرفق العمومي وضرب الخدمات الاجتماعية ومن بينها التعليم الذي ظل يُنظر إليه باعتباره عبئا وقطاعا غير منتج ومكلف، والنتيجة طبعا لا يمكن أن تكون إلا أزمة عميقة وبنيوية. لقد وضعت الدولة بعد 1956 استثمارات هامة لتشييد المدرسة العمومية التي تمكنها من حاجياتها من الإطارات والموظفين واليد العاملة المختصة والماهرة، ولأجل ذلك وصل نصيب ميزانية وزارة التربية والتعليم إلى 40% ردحا هاما من عقد الستينات. وحين حققت حاجتها من ذلك في منتصف السبعينات بدأت مكانتها تتراجع تدريجيا عند الدولة ويظهر ذلك من نصيب الوزارة من الميزانية العامة، وانعكاسات ذلك على موقع المؤسسة التربوية وأدائها لا يمكن أن يكون إلا سلبيا، فبدأت منزلة المدرسة في التقهقر ثم التدهور وهو ما بلغ ذروته في ثمانينات وخاصة تسعينات القرن المنصرم. ولم ينعكس هذا الوضع على الجوانب المادية التي تهم البنية الأساسية بل طال أيضا وضعية المربين التي أصبح مرجعا في سوء الحال المادي والمعنوي. يتظافر كل ذلك مع التدمير المضمر للمضامين والمناهج التي بقيت جامدة وعفا على العديد منها الزمن، فآخر “تعديل” للبرامج تم سنة 2005 وشمل بعض المواد. وللعلم فان بعض المواد لازالت تعتمد نفس المسائل والمحاور منذ بداية التسعينات، وبقيت التعديلات هنا وهناك مناسباتية وجزئية وتهم دروسا بعينها بالتنقيح أو الإلغاء في انتظار “إصلاح” لم يحن أوانه. وفي الوقت الذي شهد العالم تحولات جذرية على مختلف الأصعدة بما فيها ما يهم المعرفة والمناهج، فإن مدرستنا لازالت أسيرة جمود لا يكسره إلا “تجديد” اتجهت له همّة هذا المدرس أو ذاك المتفقد. وللعلم فان النظام التأديبي المعتمد في الإعداديات والمعاهد فهو يعود إلى سنة 1991، ولازال القانون الإطار الذي يؤطر التربية والتعليم هو القانون التوجيهي الصادر في جويلية 2002. وفيما بذلت النقابات مجهودات جبارة لا للمطالبة بالإصلاح فحسب بل تقدمت بورقات ونظمت أياما دراسية حول مختلف أوجه الحياة التربوية، فإن السلطة وخاصة بعد الثورة ظلت “مرعوبة” من الملف الذي تحول إلى مجال استقطاب ظلامي/نيوليبرالي مرتبط بمنظومة الحكم التي عوضت الدكتاتورية. وبقي الوضع على حاله مع قيس سعيد الذي بعث مفتتح هذا العام “المجلس الأعلى للتربية” منزوع الصلاحيات وذي التركيبة المعينة والغير ممثلة، والذي يتداول على رئاسته وزراء بحسب العمر، بما عمق قناعة لدى لفيف واسع من المربّين بالرجاء ألا يشتغل هذا المجلس على أي ملف، فالمنطق الشعبوي لن يُصلح بل سيفسد ويعمق أزمة المأزوم ويقضي على ما بقي من مكاسب المدرسة العمومية.
لصالح من يتمّ تدمير المرفق التربوي العمومي؟
مقابل التدهور المريع الذي تشهده المدرسة العمومية، ينتصب في الضفة المقابلة قطاع خاص بدأ في السنوات الأخيرة يأخذ شكلا جديدا يختلف عن “المدارس الحرة” للعقود الفارطة والتي ارتبطت بالفشل الدراسي والبحث عن فرصة أخرى للنجاح من قبل بنات وأبناء الطبقات الشعبية والفقيرة. أما التعليم الخاص الذي بدأ في البروز مؤخرا فهو بمواصفات (hight school) وهو الذي يستقطب جمهورا مخالفا إذ يتجه إلى الطبقات والفئات الميسرة والقادرة على الدفع والى التلاميذ المميزين (أي بمستوى نموذجي niveau pilote). لقد أصبح هذا التعليم الذي يمتد من التعليم الماقبل مدرسي وصولا إلى الجامعة، أصبح يستقطب أعدادا متصاعدة وأصبح منافسا جديا للتعليم العمومي وأصبح يسجل حضوره بقوة متنامية في الامتحانات الوطنية أي امتحان السيزيام والنوفيام والبكالوريا، وهو منافس جدي في المراتب الأولى بما في ذلك البكالوريا إذ نال القطاع الخاص المرتبة الأولى وطنيا في شعبة الاقتصاد والتصرف، وهو ما سيتعمق في السنوات القادمة انطلاقا من المؤشرات الحالية في القطاعين. وللعلم فإن القطاع الخاص يحوز إمكانيات مادية ولوجستية وبيداغوجية ضخمة جدا إذ يمتلك آخر صيحات المخابر والقاعات المختصة والمكيفة والخدمات المدرسية الراقية، كما أنه يحوز الرعاية السياسية والإدارية من الدولة، وهو قطاع فالت عموما عن الرقابة بما فيها البيداغوجية من ذلك أن أغلب هده المؤسسات لا تتقيد بالمقررات الرسمية في التدريس خلافا للقوانين ولكراس الشروط الخاص، ففي سنوات المناظرات (السيزيام والنوفيام) تكتفي هذه المؤسسات بتدريس مواد التناظر على يد أفضل الأساتذة وخاصة المتقاعدين منهم وبأعلى الأجور وذلك من أجل افتكاك أكثر ما أمكن من المواقع في الإعداديات والمعاهد النموذجية، وذلك مقابل مبالغ سنوية مشطة. ولا تكتفي هذه المؤسسات الخاصة بذلك بل هي تستعمل كل الأساليب لاستقطاب التلاميذ المتفوقين من المؤسسات العمومية كآلية من آليات الدعاية. إن هذا القطاع الطفيلي يدور حول معجم الاستثمار الذي أصبح يستقطب جزءا من العائلات التونسية حتى متوسطة الحال التي تقوم بكل التضحيات من أجل تدريس أبنائها في هذه المؤسسات ذات الأفق والتي تستمد مشروعية وجودها وصعودها من أزمة المدرسة العمومية وسقوطها المدوي الذي يشارف الانهيار، وهو حال المرفق الاجتماعي العمومي في الصحة والنقل والسكن…
إن تأزيم حال المدرسة العمومية لا يستفيد منه إلا مصاصي الدماء من الخواص الذي يكدسون الريع. لذلك يُجهض أي مسعى للإصلاح من طرف الطبقات التي تحكم فعليا البلاد وتتحكم في مجمل المنظومة السائدة التي سلعنت كل شيء بما فيه التعليم.
إن نضالا عنيدا يجب أن يخوضه المربون، ومن خلالهم كل قوى التقدم دفاعا عن تعليم عمومي راقي، عقلاني، ديمقراطي ومجاني. ودفاعا عن مؤسسة تربوية للمربين بمختلف فاعليهم لا مؤسسة تريد السلطة تسييرها بعصا القمع مثلما صار في إعدادية الحرايرية يوم 14 أكتوبر حين هددت المندوبية الأساتذة النقابيين بدعوة الشرطة لإخراجهم من قاعة الأساتذة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
