الرئيسية / أقلام / من قاعدة بلاد الرافدين إلى داعش..كرونولوجيا تحليلية (1-2)
من قاعدة بلاد الرافدين إلى داعش..كرونولوجيا تحليلية (1-2)

من قاعدة بلاد الرافدين إلى داعش..كرونولوجيا تحليلية (1-2)

سلامةحول تطوّر الفكر التكفيري “الجهادي” السياسي والإيديولوجي، كتب المفكّر الفلسطيني سلامة كيلة لموقع “العربي الجديد”:

ليست داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) وليدة الآن، بل إنها البنت الشرعية لتنظيم القاعدة، وفرعه في العراق الذي تمرّد أخيراً، وبات يظهر بديلاً للتنظيم. لهذا، إن كل بحث في وضع داعش يفترض العودة إلى تشكّل تنظيم القاعدة، والبحث في الأسس التي قام عليها، والأسباب التي دفعت، وتدفع، شباباً بسيطاً إلى الانخراط في “الجهاد”. وأيضاً، ما هو الدور الدقيق الذي يلعبه، بعيداً عن التهويمات النظرية والكلام الأيديولوجي، والادعاءات. فالأهمّ هو الدور العملي الذي يقوم به، وماذا يخدم؟


“الجهاديون”، الأفغان العرب، والقاعدة

 ربما نشأت فكرة استخدام الدين في الفترة التي تلت التغييرات الكبيرة في الوطن العربي منذ خمسينيات القرن العشرين، حيث ظهر أنه يجب تدمير كل إمكانية لنشوء فكر حديث، وتبلور أفكار حول التحرر والاستقلال والتنميةٍ، بفاعلية أشدّ مما كان في فترة نشوء جماعة الإخوان المسلمين، حيث فتحت التغيرات الكبيرة في الخمسينيات في الوطن العربي الأعين على الخطر الذي يمكن أن يشكله تغيير راديكالي. لهذا، كان يجب الشغل من أجل نشر فكرٍ يكرّس الماضي في أسوأ مراحله، وكانت السعودية مركزه، أقصد الفكر الوهابي الذي عبّر عن عودةٍ إلى أكثر فقهاء الإسلام انغلاقاً، وتعصباً، ابن تيمية وابن قيم الجوزية، اللذين أَسسا أصوليةً منغلقة، معادية لمحيطها، ليس للأقليات الدينية فقط بل لكل المختلفين في “الملة”. ومعادية لكل الفكر والبنى التي تجاوزت منظورها، وباتت تهدد بتجاوز الدين عموماً، الأمر الذي جعلها ترفض كل فكر آخر. وكان هذا الفكر مناسباً لوضعٍ يشهد تحولاً “تقدمياً”، ينسف كل البنى التقليدية والنظم التقليدية والفكر التقليدي. الأمر الذي جعل السعودية توظّف مليارات الدولارات على نشره، ودعم الفئات التي تعتنقه، وتأسيس جمعيات وهيئات ومؤسسات تعبّر عنه، في مواجهة المجتمع الذي كان يريد التطور والحداثة.

هذا هو “النشاط الأيديولوجي” لمواجهة الفكر الحداثي، الليبرالي والديمقراطي والقومي والماركسي. لكن، كان الشغل يجري لتأسيس بنى تهدف إلى تطبيق تلك الأيديولوجية، وتوظيفها، مباشرةً، ضد الحالات التي يبدو أنها يمكن أن تسير نحو التطور والحداثة. هذا منظور عام، ربما تبلور أواسط سبعينيات القرن العشرين (كما يشير محمد حسنين هيكل، في اتفاق أجراه مدير المخابرات المركزية الأميركية والملك فيصل وأنور السادات وشاه إيران، “نشر في كتاب مدافع آيات الله”).

 لكن الشغل الأساسي بدأ حين قررت الولايات المتحدة إدخال الاتحاد السوفييتي في مستنقع أفغانستان. حيث عملت دول وقوى على “تصدير” مقاتلين إلى هناك، منها خصوصاً السعودية التي موّلت وحشدت ورتبت الإرسال، ومنها الأردن ومصر، وطبعاً باكستان التي كانت تستقبل هؤلاء، وتدربهم المخابرات الأميركية والباكستانية. وكان لجماعة الإخوان المسلمين دور في التحشيد والإرسال، خصوصاً من الأردن وسورية ومصر وليبيا والمغرب العربي، كما جرى التحشيد من السعودية واليمن والشيشان وبلدان إسلامية أخرى. ولقد أفتى إخواني أردني/ فلسطيني، أصبح زعيماً لـ “المجاهدين العرب”، هو عبد الله عزام، بأمر هذه التركيبة التي تجمع كل هؤلاء، بأن الأمر يتعلق بـ “تحالف الإيمان ضد الإلحاد”، ورُسِمت “المعركة” ليس في أفغانستان فقط، بل كذلك في فلسطين والمنطقة على أساس هذه الفتوى التي برّرت “التحالف المقدس” هذا. بكل هؤلاء الوافدين من الشرق والمؤدلجين على يد الوهابية السعودية، والمدربين على يد “سي آي إيه”، جرى خوض الصراع ضد السوفييت، إلى أن اضطروا للانسحاب، وسقطت أفغانستان بيد الأحزاب الأصولية التي قاتلت، والتي قاد تقاتلها فيما بينها إلى سيطرة “طالبان”، الأصولية الوهابية. من هؤلاء تشكل تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، و”نخبة” من المقاتلين و”المثقفين”. وكان لافتاً أن معركة هؤلاء هي ضد أميركا التي دربتهم ودعمتهم في أفغانستان، وكان هذا الأمر يُفسّر بانقلاب هؤلاء على السياسة الأميركية، حيث إنهم قد استخدموها لهزيمة السوفييت، والآن، جاء دور هزيمتهم لها. لكن هذا تفسير سطحي، شكلي، ينطلق من أن أميركا تعاني من السذاجة التي تجعلها تدرّب “عدوها”، خصوصاً أن من زرع الرؤية التي تحكم هؤلاء هي “المدرسة السعودية” التي لم تكن بعيدة عن أميركا في التوظيف الأيديولوجي للوهابية في هذه المعارك. الأمر يتعلق بمسألة أخرى، أميركية بامتياز، وتتعلق بما بات يسمى في الأدبيات السياسية “اختراع عدو”، أي تشكيل عدو لخدمة سياسة معينة، كانت الدوائر الأميركية عاكفة على صياغتها منذ بداية تسعينيات القرن العشرين، مع بدء انهيار المنظومة الاشتراكية، و”اختفاء العدو” الذي كان يشدّ بنية أميركا والرأسمالية عموماً، ويبرر تدخلها العالمي. لا يعني هذا أن هؤلاء عملاء، وإنْ كان لا بد من أن تكون المخابرات المركزية الأميركية قد زرعت في مفاصل “الجهاديين” من يعمل لها، على ضوء تدريبها ومراقبتها لهم. بل إنه يعني أن المنظور الأيديولوجي الذي زرع فيهم كان يسمح بأن يلعبوا أدواراً تخدم سياسات تريدها أميركا، بالترافق مع “زرع مفاصل”. هذه الوضعية هي التي شكلت تنظيم القاعدة، وكان دوره الأول هو: أميركا. وهذا ما أُنجز في عقد التسعينيات وأوائل العقد الجديد، وربما كان العمل الأهم هو الهجوم على برجي التجارة العالمية في نيويورك في 11 سبتمبر/أيلول 2001، والذي كان المبرر الأساس لحشد الشعب الأميركي، وقطاع من شعوب العالم لم يكن قليل العدد، خلف عمل عسكري كبير يتعلق باحتلال أفغانستان ثم العراق، ثم تعزيز الميزانية العسكرية، وتوسيع نشر القوات الأميركية في العالم. وباختصار، كان الهدف السيطرة على مناطق النفط والمواقع الاستراتيجية، ووضع كل العالم تحت التهديد العسكري الأميركي، كما لاحظنا فيما جرى بعد “11 سبتمبر”. من أجل تجاوز الأزمة العميقة التي يعيشها الاقتصاد الأميركي، وكانت تُظهر ميله إلى الانهيار منذ الأحد الأسود سنة 1987 (واستمر وصولاً إلى الانهيار المالي في 15 سبتمبر/أيلول 2008).

أظن، هنا، أي بعد هذا التحوّل العالمي في السياسة الأميركية، بات لتنظيم القاعدة هدفاً آخر. فالصدام مع أميركا تراجع، على الرغم من كل صورة الماضي التي كانت تحجب هذا التحوّل. وبالتالي، تحقق انتقال تنظيم القاعدة من “قتال أميركا” إلى ممارسة سياسات أخرى. هي ما سنلمسه في العراق (حيث أعلن بوش الابن شخصياً وصول أبو مصعب الزرقاوي إليه) واليمن والمغرب العربي وسورية. لكن، مع ملاحظة أن أميركا لم تبقَ “المخترق” الوحيد لهذه المجموعات، ولتنظيم القاعدة، حيث كانت السعودية فاعلة منذ البدء في هذا المجال، وكذلك الأردن ومصر. وتبيّن بعد أن النظام السوري هو الأجدر في هذا المجال. وبالتالي، كانت كل دولة تسيّرها وفق الهدف الذي يخدم سياساتها، فقد عمل النظام السوري على توظيفهم في العراق ضد أميركا، بعد التصادم الذي حدث بمقتل رفيق الحريري. ما ساعد أميركا، وكل هذه الدول، على ذلك، طبيعة الفئات الاجتماعية التي تنخرط في “الجهاد”. السمة الأساسية أن هؤلاء يعانون من التهميش بالمعنى الاقتصادي، حيث إنهم من بيئات مفقرة، بلا عمل أو وسيلة إنتاج أو مدخول ثابت. ويعانون من تهميش “حضاري”، حيث إن بيئاتهم هي “خارج الحضارة”، تبدو أنها تعيش “القرون الوسطى”، من حيث المفاهيم والسلوك والتقاليد والقيم. “عالم خارج التاريخ”. وفي حالات كثيرة، يمكن أن يوصف بعض هؤلاء بأنهم “حثالة”، حيث كانوا ينخرطون في “النشاط السفلي”، ويرتكبون كل الرذائل، ويمارسون القتل والدعارة، وكلها تؤشّر على أنهم “حثالة”. وكانت هامشيتهم هذه تؤسس حالات “الهوس الجنسي”، أو الميل الانتحاري، وتحفزهم للانخراط في هذا النشاط “البطولي”، “الاستعراضي”، والذي يفتح الباب إلى “الحوريات في الجنة”. أو يجعلهم ممثلين في مسلسل تاريخي. أو يحوّلهم من الهامش إلى المتن، لكي يحتلوا كل الصورة. ونشأت هذه الحالة الأخيرة بعد نشوء الظاهرة، وتحوّل الاهتمام العالمي نحوها لأسباب مختلفة. بهذا، تشكل تنظيم القاعدة من “تنويعة” من هذه الفئات ومن “رجال مخابرات” مدربين جيداً، وبات وفق المنظور الأيديولوجي الذي يحكمه (وهو غير سياسي أصلاً، وما دون سياسي حتماً)، وتأثير الأجهزة المخابراتية، ينشط بما يظهر واقعياً أنه يدمّر، على الرغم من أنه يقول إنه يسعى إلى إقامة “دولة الخلافة” التي كلما أعلنها تظهر شكلاً كاريكاتورياً هزلياً، أو أن طرح دولة الخلافة، وفق المنظور المطروح، يؤدي، بالضرورة، إلى التدمير، لأنه يريد أن يزيل طبقات من التطور، حدثت بعد هذا الشكل من الإسلام الذي يعتقده. بالتالي، ليس ممكناً أن نفهم ظاهرة “الجهاديين” نتيجة بيئات متخلفة فقط، هذه موجودة، وهي واضحة فيها. لكن، لا بد من أن نلمس المنظور الأيديولوجي الذي يُعبأ هؤلاء به، والسياسة العملية التي يدفعون نحوها. وهنا المؤثر ليس هؤلاء، بل “الخبراء” الذين يؤدلجون، ويدربون، ويوجهون، عبر اختراقات أساسية وفرعية. وحالة تنظيم القاعدة المنتشرة في “العالم الإسلامي” نتاج ذلك. وإذا كان قد قام بعمليات ضد سفاراتٍ أميركية في تسعينيات القرن الماضي، ثم ضرب في أميركا، فقد قام ببعض العمليات في السعودية، لكن، من دون أن يلعب دوراً مهماً، بل ظل دوره محدوداً، و”مسيطراً عليه”. لكن، ظهر واضحاً أنه لا يستطيع الوجود، وفرض سلطته، إلا في المناطق التي تكون خارج سيطرة الدولة، فهو لا يستطيع “التحرير”، ولم يدرّب على ذلك، بل يستغلّ “ضعف الدولة” لكي يفرض وجوده. وهنا، لا بد من أن نشير إلى أن التدريب الأساسي الذي تلقاه يتعلق بالتحديد بعمليات التفجير (المفخخات) والانتحاريين، ولم يتدرب على “حرب العصابات”، أو الاشتباك مع عدو، إلا ربما في حدود بدائية. وكل الهالة التي ترسم حوله تتعلق بالعمليات الانتحارية، والتخويف بها. وكان يتضّح، دائماً، أنها تظهر في مناطق تشهد صراعات وتفككاً قبل أن يأتي، وهو يأتي إلى هذه المناطق تحديداً. لهذا، يجب التدقيق في الدور الذي يقوم به

على صعيد المنظور الذي يعمل هؤلاء على أساسه، بغض النظر عن التأسيس الأصولي الذي يقيمون عليه ذلك، فهو يقوم على أساس “ديني”، أي ينطلق من منظور الدين، كما يصاغ أيديولوجياً، بالاعتماد على فتاوى ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب، والفتوى المباشرة لـ “الشيوخ” في التنظيم. وهذا يعني أن مفهوم الصراع قائم على أساس ديني، وطائفي، أي أنه صراع داخل الدين، ومن أجل تطبيقه (الدين كما يفهمونه طبعاً، بالاعتماد على فتاوى المشار إليهم). بهذا، هي تتخذ شكلين في التطبيق العملي، الأول أن الصراع الأساسي هو ضد الأديان والطوائف الأخرى، لأن الدين هو فقط “الإسلام” الذي يعرفونه مصاغاً من ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب. بالتالي، فإن الصراع الأساسي هو ضد الشيعة الروافض وكل الطوائف الأخرى. والثاني فرض “الشريعة” كما صيغت، وفق هؤلاء الفقهاء في سياق إقامة “دولة الخلافة”. وهنا، يجري العمل على إلزام الشعب بتلك القيم التي يعرفونها ديناً، وهي قيم متشددة ومتعصبة وبدائية، وشكلية جداً. وتحيل إلى القرون الوسطى، وليس إلى الواقع الراهن، ما يجعلها عنصر تدمير وقتل، فكلها باتت “خارج الخدمة”، حيث إن تحولات الواقع تجاوزتها. هذه المسألة هي التي تجعل فاعلية هؤلاء تصبّ في القتل والتدمير، حيث يعملون على تطبيق قيمٍ باتت من الماضي على مجتمعاتٍ تجاوزتها. الصراع أيديولوجي في الحالين، وإن كان يتخذ شكلاً عنيفاً، لأن الهدف هو فرض الأيديولوجية بالقوة السافرة. وما دامت هذه الأيديولوجية متقادمة، وأن بنى المجتمع تجاوزتها، فإن هذه الممارسة تفضي إلى التدمير والوحشية. بهذا، تكون معركة هؤلاء “الجهاديين” مع الشعب، وليس مع النظم السياسية، لأنهم أصلاً، وفق المنظور الأصولي الذي يحكمهم، لا يعرفون السياسة من الأساس، على الرغم من أن ما يمارسونه سياسة، لكنها سياسة تدمير الذات بالاستعانة بأفكار وقوى من القرون الوسطى، أي محاولة حكم الراهن بعقل القرون الوسطى وبناه. الأمر الذي يعني تدمير كل التطور الذي تجاوز القرون الوسطى، أي تدمير المجتمع، لأن المجتمع بكليته تجاوزها، حتى وهو يعيش التخلف القائم (مقارنة بتطور أوروبا).

هذه هي “الخلفية” التي تحكم داعش. ولتحليل وضعيتها، لا بد من الإشارة إلى أن وجود تنظيم القاعدة في العراق مرّ قبل داعش بثلاث مراحل، الأولى نشوء “تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، الثانية بعد مقتل الأخير، حيث جرى تأسيس “دولة العراق الإسلامية” بقيادة ابو عمر البغدادي، والثالثة، مقتل أبو عمر البغدادي وتسلُّم أبو بكر البغدادي، وهي مرحلة مهدت لنشوء “الدولة الإسلامية في العراق والشام –داعش”. وهذا التقسيم مرتبط بسياسات قام بها التنظيم، وأهداف سعى إليها، وانعكست بتحولات الشكل الذي اتخذه .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×