الرئيسية / صوت النقابة / وانعقد مؤتمر الاتّحاد ماذا بعد؟ (الجزء الأوّل)
وانعقد مؤتمر الاتّحاد  ماذا بعد؟ (الجزء الأوّل)

وانعقد مؤتمر الاتّحاد ماذا بعد؟ (الجزء الأوّل)

بقلم سها ميعادي

وأخيرا أُسدل السّتار عن المؤتمر السّادس والعشرين للاتّحاد العام التونسي للشّغل المنعقد أيّام 25، 26 و27 مارس 2026 بالمنستير تحت شعار “ثابتون على المبادئ، منتصرون للحقوق والحريات”. وانتهى بفوز ساحق لقائمة “الثّبات والتّحدّي” في هيئتي النظام الداخلي والمراقبة الماليّة وفي المكتب التنفيذي الجديد الذي يضم من بين أعضائه ثلاثة أمناء عامّين مساعدين من المكتب المتخلّي واثني عشر عضوا يتحمّلون مسؤولية المكتب التنفيذي لأوّل مرة، واختاروا من بينهم صلاح الدين السالمي أمينا عامّا للمنظمة.

جدير بالذّكر أنّ هذا المؤتمر يأتي إثر أزمة حادّة ومركّبة وشاملة كادت تعصف بالمنظمة الشغيلة وتهدّد وجودها بسبب التّصدّع الدّاخلي والانقسام الذي شق هياكل المنظمة من فوق إلى تحت من جهة وفي علاقة بالسّلطة من جهة ثانية. لذلك كان أمل المؤتمرين والمتابعين للشأن النقابي أن تُطوى صفحة الأزمة بانعقاد هذا المؤتمر الذي شكل محطة حملت معها بارقة أمل في اتّجاه إنقاذ الاتّحاد وتجاوز حالة الوهن التي أصابته. وللتذكير فقد كان موعد انعقاد المؤتمر موضوع جدل وتجاذبات بين شقي المكتب التنفيذي المتخلي وكذلك صلب الهيئة الإدارية الوطنية وظل حتى أيام قليلة قبل تاريخ انطلاق أشغاله بين شك ويقين لا فقط في إمكانية انعقاده من عدمها وإنما أيضا في نجاحه في تجاوز الأزمة الخانقة التي عصفت بالاتحاد في المدة الأخيرة. لذلك تردد في الأوساط النقابية والأوساط المتابعة للجدل الجاري حول المؤتمر سؤال حول ما إذا سينجح المؤتمر في تحقيق ما يصبو إليه النّقابيون والعمال أم أنه سيكون فاتحة لأزمة أخرى أخطر وأشد؟ ونحاول فيما يلي استعراض أبرز ما جاء في مداولات هذا المؤتمر من مواقف وقرارات وتفحّص دلالاتها واستقراء المؤشرات التي تبعث فعلا على الأمل في انتقال المنظمة الشغيلة إلى مسار الإنقاذ المرتقب أم مزيد التردي في الانقسامات والتآكل الداخلي.

مجريات المؤتمر

التأمت ليلة المؤتمر هيئة إدارية سريعة لمتابعة آخر الترتيبات، ووقع الاتفاق على أن تُسند الرّئاسة إلى الأمين العام المتخلي نور الدين الطبوبي بعد أن كان منتظرا أن يترأّس المؤتمر الكاتب العام للاتّحاد الجهوي للشغل بمنوبة حسان العرفاوي الذي خيّر الانسحاب والعدول عن التّرشّح حفاظا على وحدة قاعة المؤتمر والنّأي بالمؤتمرين عن الدّخول في صراعات جانبية حول الرّئاسة خاصة بعد تهديد الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بقبلي بإثارة مشكل حول هذا التّرشح.

وكما هو معلوم امتدّ المؤتمر على ثلاثة أيّام وانطلق في يومه الأوّل بانتخاب رئيس المؤتمر ومكتب الرئاسة وتشكيل اللّجان (لجنة فحص النيابات وفرز الأصوات ولجنة اللائحة العامة ولجنة اللائحة المهنيّة ولجنة اللائحة الداخلية ولجنة لائحة الصراع العربي الصهيوني) وسط أجواء مشحونة تترجم حالة التشظي والصراع بين شقّي المكتب التّنفيذي. كان أبرزها اعتراض الأمين العام المساعد المتخلي محسن اليوسفي على رئاسة نور الدّين الطبوبي المؤتمر بسبب ما اعتبره “هروبا” من الإضراب العام واتّهامه بـ”خيانة العمال” وبـ”الشعبوية” و”بهزّان الاتحاد للهاوية”. وشهدت تلاوة التقرير المالي احتجاجات بسبب ما اعتبره النواب أنّ العرض المقدّم لا يرتقي أن يكون تقريرا ماليّا لما يكتنفه من غموض وتركيزه على الدّيون بسبب شراء المنظمة لأسهمٍ في إحدى مؤسسات التأمين ووقوفه عند سنة 2024، مطالبين بموازنات بقية السنوات. وفي هذا الإطار وُجّه طعن حول هذا التّقرير. كما عرف عرض تقرير لجنة فحص النيابات مشادات كلامية بين أحد أعضائها وعضو المكتب التنفيذي المسؤول عن النظام الدّاخلي فاروق العياري بسبب اعتراضه على تثبيت نيابات وإسقاط أخرى. فيما عدا ذلك جرت المداولات في الجلسات العامة وفي لجان اللّوائح والمصادقة عليها في أجواء عاديّة خلافا لما كان متوقّعا ولما راج قبل المؤتمر من نيّة البعض التّشويش على الأشغال. وكانت بعض المداخلات على غاية من الجرأة والوضوح في التشخيص لأسباب الأزمة وتحميل المسؤوليات فيها والتّطرّق إلى أفق التّجاوز.

جدير بالتّنويه أيضا أنّ نوّاب المؤتمر صادقوا منذ اليوم الأوّل على إدخال تنقيحات على القانون الأساسي في بعض فصوله وخاصّة الفصل 19 (20 سابقا) الذي يعتبره النقابيّون سببا مباشرا في تصدّع وحدة الصف النقابي والتفافا على واحدة من أسس الديمقراطية الداخلية صلب المنظّمة. وقد حُصر ترشح كافة أعضاء المكتب التنفيذي بدورتين متتاليتين، وأن تضم تشكيلة المكتب التنفيذي امرأتين على الأقلّ مع تقليص عدد أعضائه إلى 13 بعد أن كان 15 عضوا. وحُدّد عدد الدورات في الهياكل الوسطى من جامعات عامة واتحادات جهويّة بثلاث دورات فقط وتحمّل مسؤولية الكتابة العامّة بدورتين فقط، على أن تضمّ متقاعدَيْن إثنين كحدّ أقصى. إضافة إلى مراجعة نظام التصويت النسبي بالتخفيض فيه. وتُعتبر هذه التّنقيحات خطوة أولى في انتظار إدخال تنقيحات أخرى على القانون الأساسي والنظام الداخلي في أوّل مجلس وطني سينعقد بعد المؤتمر تكون أكثر جرأة وتقطع مع المركزة المشطّة وتكرّس الممارسة الديمقراطية بعمق.

حول التّرشحات والتّحالفات

ضمّت قائمة المترشّحين لعضويّة المكتب التنفيذي الوطني بعد عمليّة السّحب 35 مترشّحا من بينهم 7 نساء، و6 أعضاء من المكتب التنفيذي المتخلّي و5 كتّاب عامّين للاتّحادات الجهويّة و10 لعضويّة الهيئة الوطنيّة للنّظام الدّاخلي، و11 مترشّحا للهيئة الوطنيّة للمراقبة الماليّة. انطلقت عمليّة التّصويت الجمعة 27 مارس ليلا لتستمرّ إلى حدود الساعات الأولى من يوم السبت 28 مارس وتعلن عن فوز قائمة “الثّبات والتّحدّي” برئاسة “صلاح الدين السالمي” أمام قائمة “الاستقلاليّة والنّضال” برئاسة “فاروق العياري” بفارق بلغ في عدد الأصوات 56 صوتا. هذا الفوز شمل عضوية المكتب التنفيذي الوطني والهيئتين الوطنيّتين للنظام الداخلي والمراقبة الماليّة. أمّا بالنّسبة إلى النوّاب فقد بلغ عددهم 588، حضر منهم 565 نائبا وقام بعمليّة الاقتراع 550 نائبا.

الملفت للانتباه في هذا المؤتمر وعلى خلاف بقيّة المؤتمرات السّابقة هو غياب ما يسمّى بالقائمة الرّسميّة للأمين العام والتي كانت تُبنى انطلاقا من اعتبارات التّمثيليّة الحزبية والجهوية والقطاعيّة. فقائمة “الثّبات والتّحدّي” الفائزة بكلّ المقاعد كانت نتاج توافقات بين جهات وقطاعات وازنة من حيث كتلتها الانتخابية على غرار تونس وبن عروس ونابل وصفاقس وقابس وقفصة ومدنين… ويمكن القول إنّ المحرّك الأساسي في عمليّة التّصويت هو في وجه من وجوهه تصويت “عقابي” ضدّ شقّ من المكتب المتخلّي حمّلته نسبة كبيرة من النوّاب مسؤوليّة الأزمة ومسؤولية إطالتها منذ المجلس الوطني المنعقد في سبتمبر 2024، ومسؤوليّة محاولة عدم إنجاز المؤتمر بتعلاّت مختلفة أبرزها ما سُمّي بالتّحصين. ولعلّ هذا ما يفسّر عدم تجديد النوّاب لثقتهم للثالوث المتبقّي من شقّ “التّسعة” من أعضاء المكتب التنفيذي الوطني المتخلّي.

هذا النّوع من التّحالف وعلى الأساس سالف الذّكر أدّى إلى انحسار التّمثيلية الحزبية التّقليديّة في عضوية المكتب التنفيذي وصعود أغلبية من الأعضاء لا تُعرف بانتماءاتها الحزبية والايديولوجيّة وإنّما بانتماءاتها القطاعيّة والجهويّة. وهو تحوّل في بناء التّحالفات وتشكيل القائمات يستوجب مزيد القراءة والتّحليل قد نعود إليه في قادم الأيام.

ما بعد المؤتمر السادس والعشرين لاتّحاد الشّغل: أيّ رهانات للمنظّمة للخروج من الانكماش والعطالة؟ (الجزء الثاني)

إلى الأعلى
×