الرئيسية / صوت العالم / من خطاب النصر إلى واقع الاستنزاف: الإمبريالية الأمريكية تحت المجهر
من خطاب النصر إلى واقع الاستنزاف:  الإمبريالية الأمريكية تحت المجهر

من خطاب النصر إلى واقع الاستنزاف: الإمبريالية الأمريكية تحت المجهر

بقلم : كوثر الباجي

في لحظة سياسية مشبعة بالتناقضات، خرج الرئيس الأمريكي بخطاب يتسم بثقة مفرطة، معلناً من على منصة دولية خلال مؤتمر مالي في شاطئ ميانو لصندوق الاستثمار الأجنبي السعودي أن العالم بات “أقرب من أي وقت مضى إلى صعود الشرق الأوسط”، مرجعاً ذلك إلى ما اعتبره “الهيمنة الأمريكية” في المواجهة مع إيران. غير أنّ هذا التصريح، الذي يسعى إلى تكريس صورة التفوق، يتقاطع بشكل صارخ مع معطيات ميدانية مغايرة، أبرزها إصابة جنود أمريكيين في ضربات إيرانية استهدفت قواعد عسكرية يفترض أنها محصّنة.

ففي الوقت الذي كان فيه الخطاب الرسمي يحتفي بـ”الانتصار”، كانت الوقائع تشير إلى إصابة ما لا يقل عن 12 عسكرياً أمريكياً في غارة استهدفت قاعدة جوية في المملكة العربية السعودية، من بينهم حالات خطيرة. هذا التزامن بين خطاب الانتصار وواقع الخسارة لا يمكن اعتباره مجرد مفارقة عابرة، بل هو تعبير مكثّف عن تناقض بنيوي أعمق، يفرض قراءة تتجاوز الحدث الظرفي نحو تحليل طبيعة الإمبريالية ذاتها والتحولات التي يشهدها النظام العالمي.

وانطلاقاً من هذا التناقض، يصبح من الضروري تفكيك الخطاب السياسي ذاته، ليس باعتباره انعكاساً مباشراً للواقع، بل كأداة فاعلة في تشكيله وإعادة تأويله.

أولاً: الخطاب كأداة إيديولوجية لإخفاء أزمة الهيمنة

لا يمكن التعامل مع تصريحات ترامب بوصفها مجرد مواقف سياسية ظرفية، بل ينبغي قراءتها ضمن جهاز إيديولوجي متكامل يسعى إلى إعادة إنتاج شرعية القوة الأمريكية. الإمبريالية،، لا تقوم فقط على السيطرة العسكرية والاقتصادية، بل تحتاج أيضاً إلى غطاء رمزي يبرر هذه السيطرة ويخفي تناقضاتها.

وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن “الهيمنة” و”الانتصار” ضرورة سياسية، حتى عندما تشير الوقائع إلى العكس. فإصابة جنود أمريكيين داخل قواعد في الخليج لا تمثل فقط حادثة عسكرية، بل دلالة على اختراق صورة القوة التي تسعى الإمبريالية إلى ترسيخها. غير أن هذا المعطى يتم تهميشه داخل الخطاب الرسمي لصالح سردية التفوق، وهو ما يعكس التناقض الكلاسيكي بين البنية الفوقية (الخطاب الإيديولوجي) والبنية التحتية (الواقع المادي للصراع).

غير أن هذا التناقض لا يظل حبيس مستوى الخطاب، بل يمتد ليكشف عن أزمة أعمق تتعلق بوظيفة الحرب نفسها داخل النظام الرأسمالي.

ثانياً: الحرب كآلية لتصدير الأزمة الرأسمالية

إذا كان الخطاب يعمل على تغطية التناقضات، فإن الحرب تمثل إحدى الآليات الأساسية لإدارتها. فمن منظور ماركسي، لا يمكن فصل الحروب عن السياق الاقتصادي الذي تنتج فيه، حيث تلجأ القوى الرأسمالية الكبرى إلى التوسع الخارجي كوسيلة لتجاوز أزماتها الداخلية.

فالولايات المتحدة، باعتبارها مركزاً للرأسمالية العالمية، تواجه أزمات دورية مرتبطة بتراكم رأس المال، وتراجع معدلات الربح، وتفاقم التفاوت الاجتماعي. في مثل هذه الظروف، تصبح الحروب وسيلة لإعادة تنشيط الاقتصاد عبر الصناعات العسكرية، وفتح أسواق جديدة، والسيطرة على الموارد الاستراتيجية. في هذا الإطار، يمكن فهم التصعيد مع إيران كجزء من محاولة لإعادة ترتيب المجال الاقتصادي في الشرق الأوسط، خاصة في ما يتعلق بالطاقة ومسالك التجارة. غير أن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات متزايدة، نتيجة قدرة إيران على فرض كلفة عالية على أي تدخل عسكري مباشر.

الهجمات التي استهدفت منشآت وقواعد أمريكية وخليجية تعكس تحولاً في ميزان القوى، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على خوض حروب منخفضة الكلفة كما في السابق.

وهذا ما يجعل من الحرب سلاحاً ذا حدين: فهي قد تساهم في تأجيل الأزمة، لكنها في الوقت نفسه تعمّقها عبر استنزاف الموارد وتعريض المصالح الأمريكية لمخاطر جديدة. وهنا يظهر التناقض بوضوح: فالحرب التي يُفترض أن تكون أداة لتعزيز الهيمنة تتحول إلى عامل استنزاف، حيث تؤدي الهجمات على القواعد والمنشآت إلى تقويض الأمن الاستراتيجي ورفع كلفة الوجود العسكري.وبذلك تصبح الحرب سلاحاً ذا حدين، تؤجل الأزمة من جهة، لكنها تعمّقها من جهة أخرى.

غير أن هذا التحول في وظيفة الحرب لا يمكن فهمه دون التوقف عند التحولات الأعمق التي طرأت على طبيعة الصراع العسكري نفسه.

ومنهم من يلوح أيضاً إلى تغير النفوذ في الشرق الأوسط، إذ باتت إيران بسيطرتها على المسالك البحرية كمضيق هرمز تلعب دوراً محورياً في إعادة تشكيل معادلات الردع.

ثالثاً: تحوّل طبيعة الصراع وتآكل التفوق العسكري

إن أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة يتمثل في التحول من الحروب التقليدية إلى الحروب غير المتماثلة، حيث لم يعد التفوق العسكري يقاس فقط بحجم الجيوش أو ترسانة الأسلحة الثقيلة، بل بمدى القدرة على توظيف التكنولوجيا منخفضة الكلفة وعالية الفعالية.

في هذا السياق، تمكنت قوى إقليمية مثل إيران من تقليص الفجوة مع القوة الأمريكية، عبر استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة. وقد سمح هذا التحول باستهداف مواقع كانت تُعد سابقاً خارج نطاق التهديد، بما في ذلك القواعد العسكرية المحصّنة.

إن اختراق هذه المنظومات الدفاعية لا يمثل مجرد نجاح تكتيكي، بل يعكس تآكل القدرة الردعية التي شكلت لعقود حجر الزاوية في الهيمنة الأمريكية. فحين يصبح الوجود العسكري عرضة للهجوم، يفقد جزءاً كبيراً من وظيفته كأداة للسيطرة.

ومن هنا، لا يبدو هذا التحول معزولاً عن السياق الأوسع، بل يتقاطع مع إعادة تشكيل شبكة العلاقات الدولية نفسها.

رابعاً: تصدّع التحالفات وصعود التعددية القطبية

إذا كان التراجع العسكري النسبي يعكس جانباً من الأزمة، فإن تآكل شبكة التحالفات يكشف عن بعدها السياسي. فقد شكّلت التحالفات الغربية، وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي ، أحد أعمدة الهيمنة الأمريكية، غير أن التوترات المتزايدة داخل هذا الحلف تعكس تراجع القدرة الأمريكية على قيادة المعسكر الغربي بشكل موحد.

في المقابل، تلعب القوى الإقليمية دوراً متزايداً في إعادة تشكيل التوازنات، كما هو الحال مع المملكة العربية السعودية بقيادة محمد بن سلمان، التي تسعى إلى تعزيز موقعها ضمن نظام إقليمي أكثر تعقيداً. غير أن تعرض هذه الدول لهجمات مباشرة يكشف حدود الاعتماد على الحماية الأمريكية، ويدفعها إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية.

وعلى هذا الأساس، لا يبدو المشهد الراهن مجرد أزمة عابرة، بل مؤشر على انتقال تدريجي نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، تتقاسم فيه القوى الكبرى والإقليمية النفوذ، في مقابل تراجع القدرة على فرض الهيمنة الأحادية.

خاتمة: بين إنكار التراجع وبوادر التحول التاريخي

في ضوء ما سبق، يتضح أن خطاب “الهيمنة” الذي يروّج له ترامب لا يعكس قوة بقدر ما يعكس محاولة لإنكار واقع التراجع النسبي. فالتناقض بين إعلان الانتصار وتكبد الخسائر ليس سوى عرض لمرض أعمق يضرب بنية النظام الإمبريالي.

إن ما نشهده اليوم يتجاوز كونه صراعاً إقليمياً، ليشكل لحظة انتقال تاريخي تتقاطع فيaشرق الأوسط ليس فقط ساحة للصراع، بل مختبراً لإعادة تعريف مفهوم الهيمنة ذاته.

وبينما تستمر الولايات المتحدة في إعادة إنتاج سرديتها، تكشف الوقائع عن عالم يتجه نحو مرحلة جديدة، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بالقدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل بمدى القدرة على التكيف مع واقع متحوّل، تتآكل فيه اليقينيات القديمة لصالح معادلات أكثر تعقيداً وتشابكاً.

إلى الأعلى
×