بقلم عمار عمروسية
تعيش منطقتنا والإقليم عموما منذ عملية طوفان الأقصى البطولية في 7اكتوبر 2023 على إيقاع حروب همجية متواترة يدير تفاصيلها مثلما هو معلوم كل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني النازي بهدف التعجيل في تنفيذ حلمهما القديم المعروف باسم “الشرق الأوسط الجديد ” الذي استكمل من جهة أبعاده النظرية و إطاره العام مع مضامينه السياسية والاقتصادية والثقافية منذ بداية تسعينات القرن الماضي (عدوان 1991 على العراق الشقيق)، ومن ناحية أخرى الخطوات الأولى لبداية تكريسه بقوة الحديد والنار الذي ظهر جليّا في 2006 عندما كانت الطائرات الحربية للكيان تدك “بيروت” وكل “لبنان” بوابل الصواريخ والقنابل المرفوقة بقصف إعلامي أمريكي/غربي واسع يتمحور حول ما وجدت “كونداليزا رايس” الوقاحة على تأطيره بمقولتها الشهيرة “ما نشهده هو الآم مخاض ولادة شرق أوسط جديد” تتطابق فيه مصالح كل من أمريكا والكيان وفق تفاهمات مسبقة بما يراعي حجم كل طرف وحاجياته ضمن مستلزمات معركة أوسع عالميا تتنزّل ضمن تناقض مستدام بين مختلف القوى الامبريالية القديمة والصاعدة .
فالشرق الأوسط الجديد وفق التصوّر الصهيو-أمريكي ليس سوى إعادة هندسة جذرية وشاملة للمنطقة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية -الأمنية وبطبيعة الحال الديموغرافية والثقافية وحتى الحضارية. فآلام الولادة التي وردت منذ عقود على لسان “كنداليزا رايس” هي ذاتها دلالات التبشير المستمر لكل من “ترمب” و “نتياهو” بضرورات تغيير الشرق الأوسط وبزوغ بشائر وجهه الجديد في أتون حرب الإبادة في “غزة” وعدوانات التدمير والتقتيل والاغتيالات في دول عديدة مثل “إيران”، “لبنان”، “العراق”، “سوريا” و”اليمن”. والأنكى من ذلك أن كلّ هذه الأرواح المزهقة وحجم الخراب الذي حصل طوال العقود الماضية وخلال الأسابيع الأخيرة ليس سوى مقدّمات لويلات قادمة أشدّ كارثية على دول وشعوب أخرى فيها وفق كلّ التوقعات “مصر” و “السعودية ” “وتركيا” والجزائر الخ…
*ملامح الشرق ألأوسط الجديد لدى الكيان النازي:
لا يمكن تحديد تلك الملامح إلآ بمحاولة استيعابها ضمن السيرورة التاريخية لتطوّر واحدة من أسس الايديولوجيا الصهيونية ونقصد” إسرائيل الكبرى” التي مثلّت هدفا دائم الحضور لدى مختلف قادة نشأة الكيان اللقيط.
فالنزعة الاحتلالية التوسعية هي ملازمة للكيان الذي يتفرّد عالميا بعدم ضبط حدود جغرافيته تاركا الباب مفتوحا أمام الإلحاق والغزو بواسطة القوة العسكرية الغاشمة مثلما حدث في حروب 1967،1973 و 1982(لبنان) أو في أيامنا هذه (لبنان) وقبلها في “غزة” و”الضفة الغربية “و”سوريا”.
فالإقليم وعلى وجه الخصوص الوطن العربي في المنظور الصهيوني يقتضي هندسة جيوسياسية جديدة تنسف بالمطلق الحدود الجغرافية القائمة وفق اتفاقية “سايكس بيكو” ورسم خرائط جديدة تنتهي إلى تقويض الدول المركزية بقطع النظر عن طبيعة أنظمتها السياسية القائمة الموغلة في العمالة مثلما هو الشأن بالنسبة لمصر والعربية السعودية وسوريا.
فـ”إسرائيل الكبرى” تنبذ التاريخ وتمقت الجغرافيا وحضارة شعوب المنطقة وتفتح الباب واسعا أمام تشوّهات عميقة محصلتها مزيد التشظي والتناحر المنسجم مع فسيسفاء من الكيانات العرقية والطائفية والمذهبية المتقاتلة بين بعضها على بقايا أوطان وفتات ثروات منهوبة بما ينسجم بالتمام والكمال مع ما ورد على لسان “توم براك” مبعوث الولايات المتحدة الأمريكية إلى سوريا الذي وصف في أحد تصريحاته شعوب المنطقة بأنها مجرد تجمعات عرقية وقبلية مضيفا “مفهوم الدولة القومية في المنطقة هو وهم فرضه الاستعمار … !!!!”، وانطلاقا من هذا المنطق بالإمكان استيعاب الكثير من التحوّلات العميقة والدراماتيكية الحاصلة في العديد من بلدان منطقتنا
فـ”العراق” عراقات و “السودان” سودانات و”ليبيا ” ليبيات و”سوريا “سوريات وقائمة الكيانات الهشة والهجينة مفتوحة وأغلبهم على الأرجح لن يخرج عن سطوة القوى الامبريالية والصهيونية العاملة بكل الوسائل على تحريك قطار التطبيع وفق اتفاقات ابراهام التي تجاوزت مجرد الاستسلام إلى محادثات قليلها علني وأغلبها وراء الأبواب المغلقة من أجل الشروع في تشكيل “ناتو إقليمي” يضع على عاتقه معاضدة قوى العدوان لخنق شعوب المنطقة وتدجينها وتصفية حركات المقاومة المسلحة سواء كانت دولا أو فصائل ومنظمات
*-الشرق ألأوسط الجديد في المنظور الامريكي:
لايمكن تحديد المنظور الأمريكي بمعزل عن الاستراتيجية الصهيونية فالشرق الأوسط الجديد في جميع أبعاده يندرج ضمن تصوّرات الإمبراطورية الأمريكية التي تمثل رأس النظام العالمي السائد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بعبارة أخرى فما ورد بملامحه المرتبطة بالكيان هو من الأساسيات المشتركة بين الراعي (أمريكا ) والوكيل أو القاعدة المتقدّمة بالمنطقة (الكيان).
والحقيقة أن السياقات الدولية والإقليمية الموسومة باشتداد التوترات واحتدام التنافس بين كبريات الدول الامبريالية من أجل إعادة اقتسام الثروات والأسواق ومناطق النفوذ أسهمت في فسخ التمايزات الجزئية التي كانت قائمة منذ سنوات بين التصوّر الأمريكي والمنظور الصهيوني، بعبارة أخرى فالتماثل والتطابق أصبحا بارزان على الأقلّ منذ طوفان الأقصى وهو ما نجد ترجمته الملموسة في سير كلّ الجرائم المرتكبة منذ 7أكتوبر 2023حتى يومنا هذا .وهو تطابق لم يشمل فقط المسار العام للحروب ضد شعوب الإقليم بل طال أيضا الخطاب السياسي ومجمل السردية المتعلّقة ووصل حدودا غير مسبوقة جعلت من الرئيس “ترمب” على الأقل في مناسبتين يلعب دور عون مخابرات “الموساد “لتسهيل خداع “إيران” ومباغتة شعبها وقواته المسلّحة.
فالشرق الأوسط الجديد أمريكيا مشروط بالتفوّق الصهيوني عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا على الجميع بالمنطقة، أكثر من ذلك فسياقات هذه الأوقات دفعت البيت ألأبيض من ناحية إلى تعزيز قدرات الكيان ماليا وعسكريا مع تأمينه سياسيا وديبلوماسيا في كل المحافل الدولية ومن جهة أخرى إلى توسيع أدواره كشرطي حراسة للفتك بشعوب المنطقة وإطلاق آلته العسكرية لمزيد قضم الأراضي وتوسيع الاستيطان والاحتلال.
والشرق الاوسط الجديد وفق التصوّر الأمريكي مثلما أسلف فضاء أرحب قياسا بمجاله لدى الكيان غير أن شرط وجوده مرتهن أكثر من أي وقت مضى بوظائف واسعة للأخير ومغانم أكبر له فيها أولا وقبل كل شيء الأمن والأرض كلما سمحت الأوضاع بالتمدّد أمّا في المنظور الأمريكي فهو (الشرق ألأوسط ) فضاء الثروات النفطية أو الغازية زيادة عن موقعه الاستراتيجي الهام وهما عاملان ضروريان للمحافظة على الموقع القيادي في النظام العالمي السائد زيادة على كونهما من الأسلحة الثقيلة في إدارة الصراع المحموم مع باقي القوى الامبريالية وعلى الاخصّ كل من الصين وروسيا. وفي هذا الصدد نذكر مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا ذاك الذي أعلن عنه الرئيس السابق “بايدن” في سبتمبر 2023. فالمشروع وفق الكثير من كبار رجال الاقتصاد ليس فقط تجاريا بل هو بمثابة “ناتو” اقتصادي لربط أسواق المنطقة بالمركز الغربي الإمبريالي حيث يتوقع أن يختصر زمن الشحن بنسبة 40%ويقلّل التكاليف بنسبة تصل في أسوأ الحالات 30%زيادة عن إمكانية استعماله متى اقتضت الظروف لضرب النفوذ الصيني المتنامي اقليميا وعالميا وتضييق الخناق على روسيا في مجال ضبط الأسعار والحرفاء.
صوت الشعب صوت الحقيقة
