بقلم رشيد سوايح
مجرّد أن يكفّ الناس عن إرادة المستبدّ، يُهزم؛ ومجرّد أن يرغبوا في الحرية، يمتلكونها. ليست هذه مجرّد حكمة عابرة، بل مفتاح لفهم أعمق لآلية اشتغال الاستبداد، حيث لا يقوم الاستبداد فقط بالقوة، بل بتواطئ ظاهر وخفيّ من داخل المجتمع نفسه.
الاستبداد يُصنع يوميّا
ليس الاستبداد مجرّد نظام قمعي مفروض من الأعلى، ولا هو حادثة عابرة في تاريخ الشعوب، بل هو قبل كلّ شيء علاقة اجتماعية متجذّرة، تتغذّى من داخل المجتمع نفسه، من تمثّلاته، من رغباته، ومن شبكة المصالح التي تشدّ أفراده بعضهم إلى بعض في هرم من الخضوع والاستغلال. تلك هي الحقيقة الصادمة التي يكشفها تحليل “العبودية الطوعية”: المستبدّ لا يقوم وحده، بل يُقام، يُصنع، ويُعاد إنتاجه يوميًا عبر قبول الناس به، بل عبر مشاركتهم الفعلية في تثبيت سلطته.
من هنا، لا يمكن فهم الاستبداد من خلال اختزاله في شخص الحاكم أو في جهاز القمع فقط، لأنّ هذا الفهم يبقى سطحيًا، يُريح الضمير دون أن يغيّر الواقع. فلو كان الاستبداد مجرّد عنف مادي، لكان بالإمكان إسقاطه بسهولة عبر ثورة مسلّحة أو انتفاضة شعبية مباشرة. لكنّ الواقع يبيّن أنّ الأنظمة القمعية قد تعمّر طويلًا، حتى في ظلّ بؤس شعوبها، بل أحيانًا بفضل هذا البؤس نفسه. لماذا؟ لأنّ القمع الحقيقي ليس فقط في السلاح، بل في العقول، في الرغبات، في تلك الآلية الخفية التي تجعل الإنسان يقبل بالخضوع، بل ويبحث عنه أحيانًا.
حين تصبح العبودية رغبة… لا مجرّد قيد
إنّ الفكرة المركزية التي ينبغي الانطلاق منها هي أنّ الاستبداد لا يستند أساسًا إلى القوّة، بل إلى القبول. ليس لأنّ الناس يحبّون الظلم في ذاته، بل لأنّهم يُدمجون في شبكة من العلاقات تجعل الخضوع يبدو لهم خيارًا عقلانيًا، أو على الأقلّ أقلّ كلفة من التمرّد. وهنا يكمن البعد الخطير: العبودية لا تُفرض فقط، بل تُراد. ليست نتيجة قهر خارجي فقط، بل تعبير عن تشوّه داخلي في الوعي الجماعي.
لكن كيف يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من الانقلاب على ذاته؟ كيف يتحوّل من كائن يسعى بطبيعته إلى الحرية إلى كائن يقبل القهر، بل يدافع عنه أحيانًا؟
الجواب لا يكمن في طبيعة بشرية فاسدة، كما تحبّ الأيديولوجيات الرجعية أن تدّعي، بل في شروط اجتماعية وتاريخية محدّدة. فالإنسان لا يولد عبدًا، بل يُصنع كذلك. يُصنع عبر التربية، عبر الخوف، عبر العادة، وعبر نظام معقّد من المصالح المتداخلة التي تجعل كلّ فرد مرتبطًا ببنية السيطرة.
العادة، مثلًا، تلعب دورًا حاسمًا. فالإنسان الذي يولد في مجتمع قمعي، ولا يعرف غيره، قد يفقد حتى القدرة على تخيّل الحرية. يصبح الخضوع عنده أمرًا “طبيعيًا”، بل قد يبدو له التمرّد ضربًا من الجنون. لكن العادة وحدها لا تفسّر كلّ شيء، لأنّ التاريخ يبيّن أنّ بعض الأفراد، بل وبعض الفئات، تتمرّد رغم كلّ شيء. إذن، لا بدّ من البحث عن عامل أعمق.
هرم الهيمنة… من ضحية إلى أداة قمع
هذا العامل هو المصلحة. الاستبداد لا يقوم فقط على إخضاع الأغلبية، بل على إدماج جزء منها في منظومة الاستغلال. كلّ نظام استبدادي يبني حوله طبقة من المنتفعين: موظفون، أعوان، وسطاء، بيروقراطيون، صغار مسؤولين… هؤلاء لا يخضعون فقط، بل يمارسون القمع بدورهم على من هم دونهم. وهكذا، يتشكّل هرم من الهيمنة، حيث يصبح كلّ فرد خاضعا من جهة، ومُخضِعا من جهة أخرى.
في هذا الهرم، لا يعود المستبدّ هو الفاعل الوحيد، بل يصبح مجرّد رأس لشبكة واسعة من العلاقات السلطوية. السلطة تنتشر في كلّ مكان، تتسرّب إلى أدقّ تفاصيل الحياة اليومية. الأب يمارس سلطته على أبنائه، المدير على عمّاله، الموظف على المواطن، وهكذا. كلّ واحد يجد من هو دونه ليُسقط عليه عنفه، فيعوض بذلك شعوره بالعجز أمام من هم فوقه.
وهنا تكمن عبقرية النظام الاستبدادي: إنّه لا يكتفي بإخضاع الناس، بل يجعلهم يشاركون في إخضاع بعضهم البعض. إنّه يحوّل المجتمع إلى آلة لإعادة إنتاج القمع، دون حاجة دائمة إلى تدخّل مباشر من السلطة المركزية. كلّ فرد يصبح حارسًا للنظام، بل مستفيدًا منه بشكل أو بآخر.
بهذا المعنى، الاستبداد ليس علاقة ثنائية بين حاكم ومحكوم، بل علاقة اجتماعية شاملة. إنّه نظام يقوم على تواطؤ واسع، واعٍ أو غير واعٍ، من طرف قطاعات من المجتمع. ولذلك، فإنّ إسقاط المستبدّ لا يكفي لإسقاط الاستبداد، لأنّ هذا الأخير متجذّر في البنية الاجتماعية نفسها.
التحرّر ليس إسقاط حاكم… بل تفكيك نظام بالكامل
وهنا يجب أن يتدخّل التحليل اليساري الجذري ليكشف الأساس المادي لهذا الوضع. فالاستبداد ليس منفصلًا عن النظام الاقتصادي. بل هو في كثير من الأحيان التعبير السياسي عن علاقات الاستغلال الطبقي. الطبقات المهيمنة تحتاج إلى نظام قمعي يحمي مصالحها، وتجد في الاستبداد وسيلة فعّالة لضمان استمرارية هيمنتها.
لكن هذه الهيمنة لا تُمارس فقط بالقوّة، بل أيضًا عبر الإيديولوجيا. يتمّ إقناع الناس بأنّ النظام القائم هو “طبيعي” أو “ضروري”، وأنّ أيّ بديل سيكون أسوأ. تُزرع فيهم الخشية من الفوضى، من المجهول، من التغيير. وهكذا، يصبح الخضوع خيارًا يبدو عقلانيًا، بل حكيمًا.
غير أنّ هذا “العقل” نفسه هو عقل مزيّف، عقل مقيّد بشروط القهر. إنّه عقل يرى العالم من داخل قفص، فيحسب القفص هو العالم. ومن هنا تأتي أهمية الوعي: الوعي ليس مجرّد معرفة، بل هو فعل تحرّر. إنّه القدرة على رؤية الواقع كما هو، وعلى إدراك أنّ ما يبدو طبيعيًا ليس كذلك.
لكن الوعي وحده لا يكفي. فكم من مثقفين يدركون طبيعة النظام، لكنهم يظلون عاجزين عن تغييره، بل أحيانًا متواطئين معه. لأنّ الوعي إن لم يتحوّل إلى فعل جماعي، يظلّ مجرّد تأمّل عقيم. التحرّر الحقيقي يتطلّب تنظيمًا، صراعًا، بناء قوة مضادّة قادرة على كسر شبكة الهيمنة.
وهنا يظهر البعد التحريضي لهذا التحليل: إذا كان الاستبداد قائمًا على تعدّد الخضوعات، فإنّ إسقاطه يتطلّب تفكيك هذه الخضوعات. يتطلّب أن يرفض كلّ فرد لعب دور الجلّاد الصغير، أن يقطع مع موقعه داخل هرم القهر، أن يختار التضامن بدل المنافسة، والمساواة بدل الهيمنة.
لكن هذا الخيار ليس سهلًا. لأنّ النظام لا يمنح الأفراد فقط القمع، بل أيضًا امتيازات صغيرة، فتات سلطة يجعلهم يتمسّكون به. العامل الذي يقهره ربّ العمل قد يقهر بدوره من هم أضعف منه. الموظف الذي يُهان من رئيسه قد يجد في المواطن البسيط فرصة لتعويض إذلاله. وهكذا، تستمرّ السلسلة.
كسر هذه السلسلة يتطلّب وعيًا جذريًا بأنّ هذه الامتيازات وهمية، وأنّها في النهاية تعيد إنتاج النظام الذي يقهر الجميع. لا يمكن تحرير المجتمع دون تحرير العلاقات بين أفراده. لا يمكن بناء الحرية على أساس الهيمنة المتبادلة.
إنّ المجتمع الحرّ ليس ذلك الذي يغيّر الحاكم فقط، بل الذي يغيّر طبيعة العلاقات داخله. مجتمع يرى فيه كلّ فرد الآخر كندّ، لا كوسيلة. مجتمع يقوم على التعاون لا على التنافس، على التضامن لا على الاستغلال.
وهذا يفتح أفقًا سياسيًا واضحًا: التحرّر لا يمكن أن يكون فرديًا، بل جماعيًا. لا يمكن أن يتحقّق عبر إصلاحات سطحية، بل عبر تغيير جذري في البنية الاجتماعية. إنّه مشروع ثوري، لا بمعنى العنف الأعمى، بل بمعنى القطيعة مع منطق النظام القائم.
في هذا الإطار، يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف نُسقط المستبدّ؟ بل: كيف نُسقط شروط إنتاج الاستبداد؟ كيف نبني مجتمعًا لا يحتاج إلى مستبدّين قاهرين؟ كيف نخلق شعبًا من الأنداد، لا من الرعايا؟
الجواب يبدأ من هنا: من رفض العبودية في أبسط أشكالها اليومية. من كسر الخوف. من إعادة بناء الثقة بين الناس. من خلق فضاءات للتنظيم، للنقاش، للفعل الجماعي. من استعادة السياسة كفعل جماعي، لا كاحتكار من طرف نخبة حاكمة وأخرى متسلّقة ومتزلّفة وثالثة معارضة.
فالاستبداد يعيش من تفرّق الناس، من عزلتهم، من شعور كلّ فرد بأنّه وحده. أمّا التحرّر، فيبدأ حين يكتشف الناس قوّتهم المشتركة. حين يدركون أنّهم، مجتمعين، أقوى من أيّ مستبدّ.
كلّ شيء ينهار… فقط نكسر الخضوع
وفي النهاية، الحقيقة بسيطة وصادمة في آن: لا يوجد مستبدّ قوي أمام شعب لا يريد الخضوع. قوّة الاستبداد هي ضعف الشعوب، وتواطؤها، وخضوعها المتبادل. وحين ينكسر هذا الخضوع، ينهار كلّ شيء.
لذلك، فإنّ المعركة الحقيقية ليست فقط ضدّ الحاكم، بل ضدّ ما زرعه فينا: الخوف، الأنانية، الرغبة في السيطرة. هي معركة لتحرير الإنسان من داخله، بقدر ما هي معركة لتحريره من الخارج.
إنّها معركة طويلة، معقّدة، لكنها ممكنة. لأنّ التاريخ يعلّمنا أنّ الشعوب، مهما طال خضوعها، قادرة على النهوض. قادرة على إعادة اكتشاف نفسها، وعلى كسر السلاسل التي قيّدت بها نفسها.
والسؤال المطروح علينا اليوم ليس إن كان ذلك ممكنًا، بل متى نبدأ؟ وبأيّ ثمن؟
صوت الشعب صوت الحقيقة
