بقلم شيراز بن حسين
إنّ ما عشناه في شهر أفريل من “تخمة” في الأحكام والإجراءات التي تستهدف تنظيمات أو أشخاصا فاعلين في الحياة السياسية والمدنيّة، ليس صدفة بل هو، على ما يبدو، قرار سياسي بالمرور إلى السرعة القصوى في فرض الصمت المطبق على المجتمع. فما نعيشه اليوم هو الحلقة الأخطر من حلقات سلطة الانقلاب في عملية التجريف الكلّي للحياة السياسية والحقوقية والاجتماعية. فهي تتحرّك بمنطق “الأرض المحروقة” أكثر من أيّ وقت مضى، ساعية إلى تحطيم أيّ “جسم وسيط”، يقف بين “السلطان الأوحد”، وبين شعب يُراد له أن يكون ذرّات متناثرة، لا تنتظم طبقاته وفئاته لا في أحزاب ولا نقابات ولا جمعيات ولا في أيّ إطار آخر يمكن أن يمثّلها ويعبّر عن مطالبها ويعبّئها من أجل الدفاع عنها.
وفي هذا السياق، يتمّ توظيف أجهزة الدولة، وعلى رأسها القضاء الذي طُوّعَ بالكامل، ليتحوّل من ضامن للحقوق إلى أداة للبطش القانوني بل إلى رأس حربة القمع في بلادنا، بعد أن كان البوليس السياسي هو الذي يقوم بهذا الدور في عهدي بورقيبة وبن علي. فهو الذي تنطلق منه الدعاوي وهو الذي يفتعل الملفّات ويكيّف الاتهامات ويصدر الأحكام كما يريدها الحاكم بأمره. إنها “الفاشية الزاحفة” التي تسعى إلى خنق الفضاء العام بالكامل، وتحويل “العدالة” إلى سُمٍّ يُقنّن القمع ويمنح “القتل المدني” البطيء للمعارضين والناشطين غطاءً شرعيّاً زائفاً.
نقول هذا ونحن في أذهاننا سيل التتبّعات الجارية والأحكام الصادرة في شهر أفريل المُنقضي والتي تتجاوز منطق المحاسبة الذي يتمّ تسويقه من طرف أبواق منظومة الحكم الشعبوية ليكون في الواقع أداة لاستئصال ما تبقّى من أصوات ناقدة أو معارضة في إطار عمليّة الالتفاف على هامش الحريات الذي فرضته ثورة 2010-2011 وتصفيته بالكامل والعودة بالبلاد إلى مربّع الدكتاتورية بغلاف شعبويّ سخيف وفقا للوجه الذي تتّخذه الفاشية اليوم في العالم بما في ذلك في أكبر البلدان الرأسمالية وفي مقدّمتها الولايات المتحدة.
فما هي حصيلة “المقصلة” في شهر أفريل؟
لنبدأ بالاعتقالات والمحاكمات. ففي يوم 14 أفريل أصدر قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي في تونس بطاقة إيداع بالسجن ضدّ الأستاذ شوقي الطبيب الرئيس السابق للهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد ورئيس عمادة المحامين الأسبق بتهم تتعلق بـ”شبهات فساد مالي وتدليس”. وفي يوم 24 من نفس الشهر التحق الصحفي زياد الهاني بسجن المرناقية بسبب نقده قرارا قضائيّا يهمّ زميله خليفة القاسمي الذي قضّى عامين ونصف وراء القضبان ليخرج لاحقا بعدم سماع الدعوى (والسماح في العامين ونصف اللي عداهم في الحبس ظلما). وقد أحيل زياد طبقا للفصل 86 من مجلة الاتصالات البنعلينيّة. وهكذا يلتحق زياد بزميليه مراد الزغيدي وبرهان بسيس القابعين في نفس السجن منذ 2024 استنادا إلى المرسوم 54 سيّء الصيت، ثمّ أضيفت إليهما قضية ثانية لضمان بقائهما في السجن وفقا للقانون الخاص بتبييض الأموال وحكم عليهما فيها بثلاث سنوات ونصف سجنا. وقد نظرت محكمة الاستئناف مرتين في شهر أفريل (14 و28) في هذا الحكم وأجلت القضية في آخر مرة إلى جلسة 12 ماي مع رفض مطلب الإفراج. كما صدر حكم جديد على سنية الدهماني بعام ونصف سجنا بتاريخ 13 افريل 2026. وفي يوم الثلاثاء 15 أفريل أصدرت إحدى الدوائر الجنائية بالعاصمة حكما على رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، وبعض القياديين الآخرين يقضي بسجنهم 20 سنة من أجل التآمر على أمن الدولة في قضية المسامرة الرمضانية التي تعود إلى شهر فيفري من عام 2023 وهو ما يرفع الأحكام الصادرة ضدّه إلى حدّ الآن إلى أكثر من 70 سنة سجنا وهو البالغ من العمر 84 سنة وقد نقل مؤخّرا إلى المستشفى نتيجة تدهور حالته الصحية. أمّا خيّام التركي المحكوم في قضية التآمر (1) بـ48 سنة سجنا فقد لحقه حكم جديد في شهر أفريل “المبارك على الحريات” بـ14 سنة سجنا بتهم تتعلق بغسل الأموال والتحيل مع العلم أنّ محاميه يؤكّدون أنّ نفس هذه القضية عُرضت على القضاء السويسري في فترة سابقة وبُرّئ فيها المعني.
ولا ننسى بطبيعة الحال ونحن نتحدث عن الأحكام الصادرة في شهر أفريل الحكم يوم 6 من هذا الشهر بعام سجنا على رئيس جمعية القضاة الأستاذ أنس الحمايدي بتهمة “تعطيل حرية العمل”.
وفي نفس الوقت تؤكّد عائلات المعتقلين أنّ حالة السجينة السياسية شيماء عيسى المعتقلة بسجن النساء بمنوبة في تدهور مستمرّ وأنّ السجين السياسي جوهر بن مبارك قضّى كامل شهر أفريل في إضراب عن الطعام.
وأخيرا وليس آخر أضيفت إلى سهام بن سدرين رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة السابقة ثلاث قضايا جدد ليصبح مجموع القضايا المتعلقة بها 7 قضايا في الجملة. وهو ما رأت فيه المنظمات الحقوقية مواصلة “تصفية حساب” مع المؤسسات والهيئات التي جاءت بعد الثورة.
نصل الآن إلى ما يمكن أن نسمّيه “مجزرة الجمعيات” لنقول إنّها تواصلت في شهر أفريل بل إن تعاطي السلطة معها شهد في هذا الشهر تحولاً جذرياً تحت غطاء “الشفافية المالية”. فبعد أن قضى القضاء الاستعجالي بـحلّ 69 جمعية نهائياً، من أبرزها “نماء تونس” و”مرحمة”، مع مصادرة أملاكها وسجن مسيّريها بتهم تبييض الأموال، جاء يوم الجمعة 24 أفريل نبأ تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لمدة شهر وهو ما رأى فيه متابعو الشأن العام في تونس خطوة تصعيدية جديدة لا هدف منها سوى قتل الحياة المدنية في تونس، وللتذكير فقد تعرضت منظمات وجمعيات أخرى منذ مدة لمثل هذا الإجراء ومنها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبعض الجمعيات النسائية.
كلّ هذا يقودنا إلى الملاحظة بأنّ الساحة السياسية والحقوقية في تونس تواجه اليوم هجوماً فاشستيّا شرساً تشنّه السلطة الشعبوية عبر جهاز الدولة القضائي الخاضع لها بالكامل من أجل استكمال مشروع قيس سعيد الرامي إلى تصفية كل “الأجسام الوسيطة”، من أحزاب ومنظمات حقوقية ونقابية.
إنّ هذا التوظيف الفج والممنهج للقضاء الذي يمثل اليوم ركيزة أساسية في مشروع سعيد لإرساء حكم فردي مطلق، حيث استُبدلت “الهراوة الأمنية” التي طبعت دكتاتورية بورقيبة وبن علي بـالجهاز القضائي وذلك عبر المحاكمات السياسية الصورية و إصدار الأحكام القضائية الجائرة لزرع الخوف والترهيب في الساحة التونسية وتدجين كامل المجتمع وتكريس عبادة الحاكم الأوحد تحت شعار: “لا صوت يعلو فوق صوت السلطان” المتحكّم في المجتمع عبر أجهزة الدولة البيرقراطية المتمعشة على الدوام من الاستبداد والفساد. ومن النافل أن الهدف من تصحير الحياة السياسية والمدنية هو الانفراد بالطبقات الكادحة والمهمّشة التي يطحنها الغلاء و تدهور الوضع المعيشي المستمر. وما من شكّ في أنّ من العوامل التي شجعت سلطة الانقلاب على السير في هذا النهج القمعي السافر هو حالة الإحباط والتراجع الذي تعرفه الحركة الاجتماعية والشعبية كما الحركة الديمقراطية والتقدمية. لكن من الواضح اليوم أنّ حالة النقمة تتسع ومؤشرات النهوض تتواتر… ومع الوقت لن تقدر سلطة الانقلاب على الوقوف في وجه التيار الشعبي الجارف الذي سيكنس من جديد الاستبداد.
فليتحمل كلّ منّا مسؤوليته،
لا خوف لا رعب… فكل دكتاتورية إلى زوال.
صوت الشعب صوت الحقيقة
