الرئيسية / صوت العالم / عزلة دولة الكيان الصهيوني تتفاقم أوروبيا
عزلة دولة الكيان الصهيوني تتفاقم أوروبيا

عزلة دولة الكيان الصهيوني تتفاقم أوروبيا

بقلم : مرتضى العبيدي

تشهد العلاقات بين دولة الكيان الصهيوني وعدد من الدول الأوروبية، موجة توتر غير مسبوقة، في ظل تصاعد الانتقادات السياسية الموجهة لسياسات حكومة دولة العصابات الصهيونية، خاصة في ما يتعلق بملف الاستيطان والعمليات العسكرية المتواصلة، ليس فقط في قطاع غزة بل وكذلك في الضفة الغربية.

وبحسب بعض القراءات، فإن العلاقات الإسرائيلية الأوروبية تمر بمرحلة هي الأصعب منذ عقود، إذ لم يعد الدعم السياسي للاحتلال الإسرائيلي في أوروبا أمرا مفروغا منه كما كان في السابق، باستثناء لدى بعض الدول المحدودة مثل صربيا وجمهورية التشيك.

بل إن حدة الخطاب الأوروبي النقدي تجاه الكيان تتزايد يوما بعد آخر، حيث صعّد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لهجته، متحدثاً عن انتهاكات صارخة للقانون الدولي، في وقت تشهد فيه العلاقات الإسبانيةالإسرائيلية تراجعاً لافتاً، وصل إلى حد غياب التمثيل الدبلوماسي المتبادل الكامل.

ويرى بعض الملاحظين أن التحولات الجارية تعكس نوعا من التآكل غير المسبوقفي مكانة الاحتلال داخل أوروبا، معتبرين أن فقدان الدعم الحكومي والشعبي في القارة قد تكون له تداعيات استراتيجية طويلة الأمد، نظراً لارتباط الكيان الوثيق بالتجارة الأوروبية والتعاون العلمي والأكاديمي.

وبحسب التقديرات، لم تعد الأزمة مقتصرة على دول بعينها، بل باتت تشمل معظم القارة، حيث فقدت إسرائيل منذ سنوات دعم دول مثل إسبانيا وسلوفينيا وإيرلندا، لتنضم مؤخرا دول كانت تعد من أقرب الحلفاء مثل إيطاليا وبدرجة أقل فرنسا وألمانيا.

ولعل هزيمة فيكتور أوربان في الانتخابات الأخيرة في المجر ساعد في وتيرة هذا المسار، إذ لطالما كان هذا الأخير المدافع الأشرس عن إسرائيل داخل المجلس الأوروبي، باستخدامه حق الفيتو لتعطيل أي تحرك جماعي ضدها، وهو الموقف الذي منع مرارا وتكرارا تطبيق حزمة العقوبات ضد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية. كما منع الاتحاد الأوروبي من اتخاذ قرارات وإجراءات عقابية ضد دولة الكيان خلال الحرب على غزة.

إسبانيا تطالب بإلغاء اتفاقية الشراكة

وقد عبّر بيدرو سانشيز أكثر من مرّة عن قلقه من تواطؤ الاتحاد الأوروبي مع الكيان الصهيوني وصمته عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ارتكبها ويرتكبها في غزة وفي باقي الأراضي الفلسطينية وإطلاقه أيادي قطعان المستوطنين ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وطالب بإلغاء اتفاقية الشراكة التي تربط الاتحاد الأوروبي بدولة الكيان، والتي تجعل من الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لهذه الأخيرة.

وقال سانشيز خلال تجمع حاشد في إقليم الأندلس إن الحكومة التي تنتهك القانون الدولي أو مبادئ الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن تكون شريكا. فانضمّت إلى إسبانيا كل من سلوفينيا وإيرلندا للضغط في ملفات اعتبرتها «خطوطاً حمراء»، أبرزها وقف العمل بقانون إعدام الفلسطينيين. ولجم اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية.

إيطاليا تعلّق التعاون العسكري مع الكيان الصهيوني

وفي خطوة مفاجئة، قررت حكومة إيطاليا برئاسة جورجيا ميلوني تعليق التجديد الآلي لاتفاق التعاون الدفاعي مع إسرائيل، وهو اتفاق قائم منذ عام 2005 ويتم تجديده دوريا، ويتضمن تبادل المعدات العسكرية وأبحاث التكنولوجيا، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط الداخلية والانتقادات السياسية. وقد كانت إيطاليا أعلنت منذ عام 2024 تعليق تصاريح تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، ما يعزز مؤشرات التدهور في العلاقات الثنائية. ولا ننسى هنا دور عمال الموانئ في إيطاليا الذين نفذوا عديد الإضرابات ورفضوا قطعيا تحميل الأسلحة في البواخر المتجهة نحو الكيان. (انظر مقال محمد الحباسي نضال عمال الموانئ لفك الحصار على غزةالصادر بـصوت الشعبعدد 95، بتاريخ 19-09-2025)

وهكذا شرعت إيطاليا، التي كانت حليفا وثيقا تحت قيادة جورجيا ميلوني في الابتعاد عن حكومة أقصى اليمين الصهيونية. ويعود هذا التحول بشكل كبير إلى الضغوط المحلية؛ حيث يشير بعض المراقبين إلى أن السياسة الخارجية الإيطالية أصبحت لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية شاغلا مركزيا للرأي العام الإيطالي، نظرا للتبعات الجيوسياسية والاقتصادية المباشرة للصراع بالشرق الأوسط.

وجاءت زيارة وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاياني، إلى بيروت مؤخرا لتُشعل الفتيل بين الدولتين، بعدما وصف الهجمات الإسرائيلية بـ «غير المقبولة» عقب سقوط مئات المدنيين فيما يعرف بـ «الأربعاء الأسود». ولم تكتفِ روما بالخطاب السياسي، بل جمدت مبيعات الأسلحة لإسرائيل، مدفوعة بضغوط الرأي العام الداخلي وحماية مصالحها في قطاع الطاقة مع بعض الدول العربية كالجزائر.

ألمانيا تعارض إلغاء الاتفاقية

أما ألمانيا التي تعارض إلغاء الاتفاقية، مفضلة نهجا أكثر حذر، فإنها لم تسلم من نيران أبرز زعماء أقصى اليمين الصهيوني، من ذلك الهجوم الذي شنه وزير المالية بتسلئيل سموترتش على الحكومة الألمانية بسبب قرارها استنكار مخطط الاستيطان الجديد، حتى أن سفير دولة الكيان ببرلين استنكر تصريحات سموترتش واعتبرها إساءة لألمانيا الصديقة. وهو ما دفع هذا الأخير إلى الرد بخطاب وُصف بأنه عدائي وشعبوي، استخدم فيه إشارات تاريخية مرتبطة بالهولوكوست، الأمر الذي أثار موجة استياء دبلوماسية جديدة بين الجانبين.

دول أوروبية أخرى تتخلى عن المساندة المطلقة لدولة الكيان

ولم تقتصر هذه التحوّلات على البلدان المذكورة أعلاه، بل شملت بشكل أو بآخر، في هذا المجال أو ذاك، عديد البلدان الأوروبية التي ضاقت ذرعا بعربدة الكيان ورميه عرض الحائط بكل القرارات الأممية وبميثاق الاتحاد الأوروبي ذاته.

ويشير الملاحظون أن التحول الحقيقي بدأ يظهر في البنية التحتيةللعلاقات؛ حيث تتصاعد في عدة دول أوروبية منها البلدان الاسكندنافية وهولاندا والبرتغال حملات لمقاطعة الجامعات الإسرائيلية، ورفض التعامل مع الأكاديميين والشركات التجارية الإسرائيلية، معتبرين أن هذا النوع من المقاطعة من القاع إلى القمةقد يؤدي إلى عزل إسرائيل بنيويا عن الفضاء الأوروبي، حتى لو ظلت الاتفاقيات الرسمية قائمة شكليا.

دور الحراك الشعبي في التأثير على مواقف الدول

ويرى المراقبون لتطور العلاقات الأوروبية الإسرائيلية أن الحراك الشعبي الذي شهدته وتشهده جل العواصم الأوروبية وكبريات المدن، منذ طوفان الأقصى، يمثل ضغطا مستداما سيجبر الحكومات، عاجلا أم آجلا، على اتخاذ قرارات تتجاوز مجرد التنديد الكلامي. وهو ما جعل الصهاينة يعيشون حالة من القلق الفعلي تجاه تحول الوعي الأوروبي وانهيار سردية الضحيةالتي طالما استثمروا فيها، مما قد يؤدي إلى مقاطعة شاملة من القواعد الشعبية وحتى الأكاديمية. بل إن المسألة لم تعد تقتصر على الاحتجاجات الشعبية أو على بعض البيانات الأوروبية الباهتة، إذ إن الغضب من عنجهية دولة الكيان بدأ ينتقل من الشارع إلى البرلمانات، ومن منصات الإعلام البديل إلى مراكز صنع القرار.

وعلى الرغم من ذلك، يتوقع الخبراء في الشأن الإسرائيلي أن تل أبيب مطمئنة في الوقت ذاته بأن هذه التهديدات لن تتحول إلى عقوبات فعلية على المدى القريب؛ فهي ترتكز على حلفاء استراتيجيين داخل الاتحاد، وفي مقدمتهم ألمانيا فضلا عن إدراك إسرائيل للتعقيدات البيروقراطية في بروكسل التي تجعل من الصعب تحقيق إجماع أوروبي على عقوبات فعلية، وهو ما جعل تل أبيب تتعامل مع التحذيرات الأوروبية تاريخيا كـ ظواهر صوتيةتفتقر إلى الآليات التنفيذية.

التراجع يطال أمريكا أيضا

وحسب بعض المحللين للعلاقات الدولية، فإن هذا التراجع في العلاقات الأوروبية الإسرائيلية لم يكن وليد اللحظة بل إنه عرف مدّا تصاعديا منذ أن اختار الكيان الصهيوني التعويل بصفة شبه مطلقة على الحماية الأمريكية التي اعتُبرت ضمانة لا تهتز، تاركا الحليف التاريخي الأوروبي في المقام الثاني. لكننا نراه اليوم بصدد خسارة الحليفين معا. إذ أن وضع إسرائيل في أمريكا ذاتها ليس على أحسن حال. فإذا كان كذلك مع النظام الأمريكي، فالأمر مختلف في الأوساط الشعبية ولدى فئات الشباب التي ملأت الشوارع لشهور متتالية تنديدا بجرائم إسرائيل“. وتأتي استطلاعات الرأي لتؤكد هذا التوجه.

إذ أبرز استطلاع لمركز بيوأن 60% من الأمريكيين لديهم رأي سلبي تجاه إسرائيل، بمن فيهم 41% من الجمهوريين، وتوصف هذه النتيجة بأنها كارثة بكل المقاييس“. ويعتبر محللو هذه الأرقام أن الأخطر من ذلك هو التحول داخل الأجيال الجمهورية الشابة، إذ تشير إلى أن 57% من الجمهوريين بين 18 و49 عاما باتوا يحملون رأيا سلبيا تجاه إسرائيل، مما يعني أن التآكل لم يعد محصورا في أوساط الليبراليين أو الديمقراطيين فقط.

كما أبرزت التصويتات الأخيرة في الكونغرس بشأن المساعدات العسكرية لإسرائيل لم تعد تشكل إجماعا أمريكيا راسخا، إذ صوّت عديد النواب ضد استمرار الدعم غير المشروط.

وفي الختام، يمكن القول إن دولة الكيان أصبحت تعيش عزلة دوليةبفعل الحروب الضارية التي يشنّها قادتها على جبهات عدّة وما يصاحبها من انتهاكات فاقت كل التصوّرات صُنّفت في عداد جرائم الحرب والإبادة الجماعية، أصبحت تضايق حتى أصدقاء هذه الدولة المارقة.

 

 

إلى الأعلى
×