بقلم : حمه الهمامي
شهد شهر ماي حدثان دبلوماسيان هامّان استقطبا اهتمام وسائل الإعلام العالميّة. ويتمثّل هذان الحدثان في الزيارتين اللتين أدّاهما، على التوالي، كلّ من رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب ورئيس الاتّحاد الروسي، فلاديمير بوتين للصين. وقد تمّت الزيارة الأولى فيما بين 13 و15 ماي والثانية فيما بين 19 و20 من نفس الشهر. وقد رأت وسائل الإعلام في هاتين الزيارتين إشارة إلى المكانة المركزيّة التي أصبحت تُحظى بها الصين في العلاقات الدوليّة. ولكنّ السؤال الأهمّ يبقى بالطبع لماذا ذهب كلّ من ترامب وبوتين إلى الصين؟ وما هي مصلحة هذه الأخيرة في ذلك؟ وهل لعمّال العالم وشعوبه موقع في هذه اللقاءات بين كبار كواسر الرأسمالية العالميّة؟
إن المؤكّد أنّ توجّه ترامب وبوتين إلى بيكين في هذه الظرفية الدولية المضطربة إنّما يشير إلى المكانة المركزيّة التي أصبحت تحتلها الصين الرأسماليّة الامبرياليّة في العلاقات الدوليّة. فهي بلا شكّ القوة الاقتصادية والعسكرية الثانية عالميّا التي تعمل جاهدة على تجاوز منافستها الرئيسية صاحبة المركز الأول أي الولايات المتحدة الأمريكية وهي ليست في حاجة في الظرف الحالي إلى التوتّرات التي من شأنها عرقلة مسيرتها فمصلحتها تكمن في مواصلة التسلّل إلى مختلف أسواق العالم ومواطن المواد الأولية والمواقع الاستراتيجية لإزاحة خصيمتها دون ضجيج لذلك هي تدعو إلى ما تسمّيه “الاستقرار الاستراتيجي البنّاء” متجنّبة حتى عبارة “المنافسة الاستراتيجية” رغبة منها في عدم التصادم حاليا مع الولايات المتحدة وتدعو إلى “حل الخلافات بالطرق الدبلوماسية والتفاهمات” دون أن يمنعها ذلك من مواصلة العمل على ردم الهوة الكبيرة بينها وبين الولايات المتحدة في مجال التسلّح.
أمّا الولايات المتحدة فرغم حفاظها على المركز الأول فهي في حالة تراجع على كل المستويات والأكثر من ذلك فهي، بزعامة الشعبوي والفاشي الجديد ترامب قد فتحت على نفسها ألف واجهة بعضها اقتصادي (حرب الرسوم الجمركية…) شمل حتى حلفاءها المقربين في “الناتو” الذين هدّدت بابتلاع بعضه (كندا) أو انتزاع جزء من “أملاكه” (غرينلاند التابعة للدنمارك) وبعضها عسكري ومنه المستنقع الإيراني الذي وقعت فيه ولا تعرف كيف ستخرج منه. لذلك ذهب ترامب إلى بيكين بحثا عن مغانم اقتصادية وفي مقدمتها دفع الصينيين إلى فتح أسواقهم وتخفيف القيود التجاريّة على البضائع الأمريكيّة وعرقلة تمدّدها التكنولوجي. وفي هذا السياق ركّز ترامب على إتمام صفقة بيع طائرات بوينغ ومنتوجات زراعية. كما ذهب إلى الصين للبحث عن “مساعدة” من أجل الضغط على إيران لوضع حد للمواجهة وإعادة فتح مضيق هرمز.
إن ترامب الذي يضع الصين على رأس قائمة منافسي وبالأحرى أعداء الولايات المتحدة لم يذهب إلى بكين إلّا وفي ذهنه تعطيل تطور الصين التي تسعى إلى افتكاك المركز الأول منها والهيمنة على العالم. لذلك فهو يضغط عليها اقتصاديا وتجاريا وفي نفس الوقت فهو يعمل على محاصرتها عبر تقوية العلاقات بتايوان وضرب حلفاء الصين في مختلف مناطق العالم ومحاولة إعادتهم إلى الزريبة الأمريكية على غرار ما فعله في فينيزويلا وما يفعله في إيران وما يهدد بفعله في كوبا مستعملا في ذلك القوة. وهو يعمل في نفس الوقت على محاصرتها وتطويقها في آسيا عبر إعادة تسليح اليابان وإنشاء تكتلات معادية للصين. وبطبيعة الحال فالمارد الامبريالي الصيني يدرك كلّ ذلك وهو ما يجعله يستغل تداخل المصالح بينه وبين الولايات المتحدة للتظاهر بالمرونة فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية والتجارية وذلك عبر تقديم بعض التنازلات المحدودة التي لا تحدّ استراتيجيا من التطور الصيني (شراء 200 طائرة بوينغ عوض 500، اتفاق يهمّ عددا من المنتجات الزراعية والاستثمار في بعض القطاعات علاوة على اهتمام الجانب الصيني بشراء النفط الأمريكي للتقليل من الاعتماد على نفط الشرق الأوسط…). أما بالنسبة إلى إيران فلئن اتفق الطرفان على “أهمية وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز” فإن الصين لم تلتزم بأي شيء عملي بخصوص هذا الموضوع وهي تعلم ما تمثّله إيران بالنسبة إليها من ثقل استراتيجي في مواجهة الولايات المتحدة. لذلك انتهت زيارة ترامب للصين دون تحقيق نتائج كبرى وكما يقول المثل التونسي “الزغاريد أكثر من الكسكسي“. لقد حظي ترامب باستقبال كبير يلبّي غروره الشخصي و“الأنا المتضخّمة” التي تسكنه لكن من الناحية العملية لم يحصل من منافسه الصيني على منجزات ملموسة لا اقتصادية ولا سياسية تهم بالخصوص حربه مع إيران. كما أن الجانب الصيني لم يحصل على أي تعهّد بشأن تايوان ولا بشأن الرسوم الجمركيّة التي لم تناقش أصلا واكتُفي بتكوين مجلس تجاري بين البلدين لإدارة الخلافات وتنظيمها. وهكذا فإن الأوضاع تبقى على حالها بين صاحب المركز الأول وصاحب المركز الثاني، الأول يحاول احتواء الثاني والحد من خطواته نحو الهيمنة على العالم والثاني يحاول كسب الوقت واجتناب الصدام حاليا والاستفادة من مشاكل خصمه الذي اتسعت دائرة خصومه بما في ذلك في صلب أقرب حلفائه.
أما بوتين فقد كانت زيارته للصين بمثابة زيارة الحليف لحليفه. فالطرفان محتاجان إلى بعضهما البعض في مواجهة نفس الخصوم. فالصين تحتاج إلى روسيا كشريك يوفّر لها العمق الجيوسياسي والطاقة والاستقرار على حدودها الشمالية، بينما تحتاج روسيا إلى الصين منفذا اقتصاديّا وتكنولوجيّا ضخما مع استمرار خلافاتها مع الغرب جرّاء الحرب مع أوكرانيا وما نجم وينجم عن ذلك من ضغوط اقتصادية ومالية بل وحتى تهديدات عسكريّة ما انفكّت تتصاعد يوما بعد يوم. ولعلّ هذا ما يفسّر حجم الاتفاقيات التي أُبرمت بين الطرفين. ففي حين انتهت زيارة ترامب دون عقد اتفاقيات ذات طابع استراتيجي هام فإن زيارة بوتين كُلّلت بحزمة هامة من الاتفاقيات التي تهم التجارة والطاقة بما في ذلك مشاريع للتعاون في مجال الغاز والنفط وخطوط الإمداد طويلة المدى إضافة إلى مسألة أخرى هامة تتعلق بتوسيع استخدام عملتي البلدين (الروبل واليوان) في المعاملات التجارية بدل الدولار الأمريكي وهو ما يعكس رغبة مشتركة في بناء منظومة مالية موازية تقلّل من قدرة واشنطن على استخدام العقوبات والهيمنة على النظام المالي “كسلاح سياسي“. كما ناقش الطرفان الروسي والصيني تسريع إنجاز مشاريع البنى التحتية العابرة للحدود وربط الممرات التجارية الروسية بالمبادرات الصينية الكبرى وعلى رأسها مبادرة “الحزام والطريق“. وبالإضافة إلى ذلك شملت الاتفاقيات بين الطرفين مجالات التكنولوجيا والتعاون الصناعي والتنسيق الإعلامي والأمني.
وهكذا نفهم طبيعة الزيارتين الأولى لـ“الترويض” بين متنافسين على الهيمنة على العالم وقد انتهت دون قرارات هامة لصالح هذا الطرف أو ذاك فلا الولايات المتحدة تخلّت عن مجال أوسع لصالح الصين في النظام العالمي ولا الصين أظهرت من جانبها استعدادا للتخلّي عن مشروعها كقوة صاعدة تطمح إلى الهيمنة على العالم من الآن حتى عام 2049 الذي يناسب مرور قرن على قيام الصين الشعبية. أما الثانية فقد كانت زيارة لمزيد “تكتيل الصفوف” وعيا بالمصلحة المشتركة في مواجهة “الخصم الغربي” وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية. وفي كل هذا فإن دول الاتحاد الأوروبي تبقى على الهامش. فهي في خلاف مع ترامب الذي يعتبر أن “الصداقة” معها مكلفة للولايات المتحدة التي تتخبّط في أزمة اقتصادية وماليّة شائكة وتواجه منافسة شرسة من الصين التي تريد نزع زعامة العالم منها. كما أنّها في صراع حقيقي مع بوتين الذي يخوض حربا توسّعيّة على حدودها الشرقية، في أوكرانيا، ولا تتوقف التهديدات المتبادلة بينهما. أمّا الصين فهي المنتفع من كل هذه الصراعات التي تجد فيها فرصة للتسلّل من هنا وهناك إلى أسواق البلدان الأوروبية على حساب الغريم الأمريكي، هذا دون الحديث بالطبع عن الانفتاح الكندي على الصين إثر تهديد ترامب بضمّها إلى الولايات المتحدة وفرض رسوم جمركية هامة على صادراتها للسوق الأمريكية. وهو ما يبيّن مدى الاضطراب الذي أصبح عليه الوضع الدولي وما يحمله من مخاطر كبرى وفي مقدمتها الحرب التي تشتعل نيرانها في أكثر من مكان في العالم وبالخصوص في شرقي أوروبا والشرق الأوسط بينما تتزايد التوترات في مناطق أخرى مثل منطقة بحر الصين وأمريكا الوسطى. ولا يوجد في المنطق الامبريالي ما يمنع تحوّل هذه النزاعات الجهوية والمحلية إلى نزاع كوني مدمّر وهو ما تعبّر عنه العسكرة غير المسبوقة لاقتصاديات كبريات الدول الرأسمالية وحجم الأموال غير المسبوق المخصص للنفقات العسكرية.
وما من شكّ في أنّ المتضرر الأكبر من هذه الأوضاع هي الطبقة العاملة العالمية والشعوب. فنحن لا نجد في لقاءات هؤلاء الكواسر أي حضور لمصالحهما فلا حديث بينهم إلّا عن مصالحهم الخاصة وسواء اتفقوا أو اختلفوا فدائما على حساب الطبقة العاملة والشعوب بما فيه عمالهم وشعوبهم التي تتعرض حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية للانتهاك المستمر في محاولة لتحميلها فاتورة أزمة النظام الرأسمالي من قبل حكومات تنزع أكثر فأكثر نحو التطرف الفاشي. وهذا الأمر ليس بالجديد فقد عرفت الطبقة العاملة والشعوب امتحانات قاسية في ظل هذا النظام أهمّها الحربان الكونيتان الأولى والثانية. وحتى لا تواجه الطبقة العاملة والشعوب امتحانا جديدا لا شكّ أنّه سيكون أقسى بكثير من الامتحانين السابقين فإن عليهما حزم أمرهما وتنظيم صفوفهما لمنع حصول كارثة كونية جديدة قد تنهي هذه المرة الحياة البشريّة. ولا ينبغي في هذا السياق أن تنخدع الطبقة العاملة والشعوب لا بخطاب ترامب ولا بخطاب شي جيبينغ ولا بوتين ولا غيرهم من زعماء البلدان الرأسمالية فجميعهم من طينة واحدة وإن اختلفت الأساليب وجميعهم متآمر على حرية الشعوب وحقوقها وعلى السلم العالمي. وما من شكّ في أنّ شعوب منطقتنا التي تتعرض لهجمة امبريالية صهيونية شرسة هي الأَوْلَى بالدرس. فلا حديث في لقاء هؤلاء الكواسر عن حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني ولا حديث عن العدوان الصهيوني المستمر على لبنان وسوريا والعراق واليمن وحتى إيران فقد أثيرت حالتها كورقة في إطار صفقة لا كقضية شعب عرضة لعدوان همجي.
إن الحلّ يبقى في نضال العمال والكادحين ضد مستغِلّيهم في كل بلد رأسمالي وفي اتحاد العمال والشعوب في العالم ضد هؤلاء المستغِلين جميعا وعملائهم في كل مكان لإفشال مخططاتهم بشكل ملموس عبر نضال يومي ودؤوب تمهيدا للتخلص نهائيا من النظام الرأسمالي وإرساء أسس نظام جديد، اشتراكي، في خدمة الإنسان كما في خدمة المحيط الطبيعي الذي يعيش فيه.
صوت الشعب صوت الحقيقة
