بقلم : شيراز بن حسين
لم تكن جريمة الاغتصاب البشعة التي تعرّضت لها امرأة حامل مهاجرة من جنوب الصحراء أمام أنظار زوجها الموثقة عبر مقطع فيديو نشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بمعزل عن حملة التحريض العنصرية التي استهدفت منذ فترة ولازلت المهاجرين والمهاجرات الأفارقة من جنوب الصحراء المتواجدين على الأراضي التونسية بعد منعهم من الوصول إلى دول الاتحاد الأوروبي. كيف لا ونحن نتابع الدعوات المتصاعدة والمتواصلة التي يتزعّمها خاصة جزء من النخبة دون أن نغفل عن الحملات المنشورة عبر الفضاء الرقمي بتعلة ضرورة طردهم وترحيلهم دفاعا عمّا اعتبروه “السيادة الوطنية” وتصديا لمؤامرة “تغيير التركيبة الديمغرافية والاستيطان التي تحاك ضدّ بلدنا“.
ورغم رفض واستهجان ما تمّ توثيقه من اعتداء وحشي نفّذه نفر من الذكور، فقد واصلت تلك النخبة (صحافيون، إعلاميون، نواب من البرلمان الحالي، الفضاء الرقمي، دكاترة…) التي تزعّمت راية الدفاع عن السيادة الوطنية ومستقبل التونسيين خوفا عليهم من “خطط الاستيطان التي تهرول منظمات المجتمع المدني إلى تنفذيها” في الترويج لتلك الحملة، ولم تكن لهم الشجاعة طبعا للاعتذار عمّا بدر منهم، بل ما حصل أدهى وأمرّ. وفي ظلّ صمت السلط الرسمية طبعا فهناك من هرول إلى تكذيب صحة الفيديو الذي وثّق الجريمة البشعة وهناك من برّر فعلا، وواصلوا سياستهم في التحريض والشحن دون أيّ خجل حتى من إنسانيتهم. وها نحن نتابع فيديوات أخرى توثّق التحريض والاعتداءات علنا ضدّ المهاجرين أمام مرأى ومسمع الجميع.
رأس النظام ينتهك السيادة الوطنية دون محاسبة
في ظلّ حكم قيس سعيد، وقعت تونس سنة 2023 مذكّرة تفاهم لإرساء “شراكة استراتيجية وشاملة” في التنمية والطاقات المتجدّدة ومكافحة الهجرة غير النظامية مع الاتحاد الأوروبي، ودون الكشف لعموم التونسيين عن فحوى هذا الاتفاق فما تمّ تداوله أنّ هذا الاتفاق يتضمّن حزمة مساعدات مشروطة لتونس، سيتيح “تحكّما أفضل بالهجرة غير النظامية“. ومنذ هذا الاتفاق انطلقت أجهزة النظام الأمنية في التصدي إلى محاولات المهاجرين الأفارقة للوصول عبر البحر إلى دول الاتحاد الأوروبي خاصة منها إيطاليا. ثم عمدت إلى توجيههم إلى أرياف ولاية صفاقس دون أيّ تعاطي جدّي مع وضعيتهم أو إيجاد حلول مكفولة بالقانون.
ومؤخّرا تمّ التداول في الإعلام الإيطالي طبعا، بأنّ البرلمان الإيطالي قد صادق رسميًا على وثيقة “البعثة الثنائية في تونس” التابعة للحرس المالي الإيطالي (Guardia di Finanza). وتنصّ الوثيقة وفق ذات المصدر على إنشاء بعثة إيطالية جديدة في تونس لتقديم المساعدة والتدريب والدعم اللوجستي للحرس الوطني البحري التونسي، مع نشر ما يصل إلى 22 عنصرًا إيطاليًا وتخصيص ميزانية تفوق 8.83 مليون يورو، أي 30 مليار من المليمات، إضافة إلى تجهيزات ومعدات وبنية دعم دائمة في تونس وصفاقس.
وتستند المهمة إلى تبادل مذكرات شفوية بين تونس وإيطاليا خلال شهر ديسمبر 2025 إثر زيارات رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني إلى تونس ولقاءاتها مع سعيد. وظلت هذه المذكرات دون أي نقاش عمومي، ودون نشرها للرأي العام، ودون عرض تفاصيلها على ما يسمّى “البرلمان” التونسي، وطبعا الشعب التونسي لا يعلم فحواها إلى اليوم.
ورغم ما شرّع له رأس النظام من انتهاك فعلي لحرمة البلد وسيادته الوطنية، لم تبادر تلك النخبة “الوطنية” التي تتسابق اليوم في ممارسة أشنع الممارسات في توجيه ولو نقد أو استهجان يتيم إلى المسؤول الأوّل عن تحويل تونس إلى حرس حدود للدول الأوروبية، ولم نسمع لهم أيّ تسائل يتيم عن المسؤول الفعلي عن دخول المهاجرين إلى التراب التونسي عبر الحدود التونسية الليبية والجزائرية.
رئاسة الجمهورية عنوان لخطاب الكراهية والعنصرية
إنّ التصعيد الخطير والصادم لخطابات الكراهية والعنصرية وفي ظلّ تنامي الانتهاكات والاعتداءات ضدّ المهاجرين والمهاجرات القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء لا يمكن فصله عن المناخ العام الذي تشكّل منذ البلاغ الفضيحة الصادر عن مؤسسة رئاسة الجمهورية بتاريخ 21 فيفري 2023 إثر اجتماع لمجلس الأمن القومي، حيث ذكر بأن “الوضع غير طبيعي وأنّ هناك ترتيب إجرامي لتغيير التركيبة الديمغرافية لتونس وأنّ هناك جهات تلقّت أموالا طائلة من أجل توطين المهاجرين غير النظاميين من إفريقيا جنوب الصحراء في تونس…”، بل مثّل نقطة تحوّل بارزة في التجييش ضد المنظّمات والمجتمع المدني تلتها إيقافات وأحكام سجنية إضافة إلى ممارسة أشنع الأفعال ضد المهاجرين، ولا يمكن أن ننسى طبعا التحريض الصادر عن عدد من نوّاب برلمان الدمى بل بلغ الأمر إلى التحريض والتهكّم والتخويف ضدّ نسب الولادات في صفوف المهاجرات !
ومن المؤكّد أنّ مسؤولية الجريمة البشعة التي تعرّضت لها مهاجرة حامل لا تقع فقط على عاتق منفذي الجريمة بل تمتدّ إلى كلّ من ساهم في نشر خطاب الكراهية والعنصرية، وكل من برّر التمييز أو صمت أمام الاعتداءات المتكررة ووجد لها تعلّة ومن استثمر سياسيا في الخوف والعنصرية لتحقيق مكاسب ستظّل عارا يلاحق أصحابها دون شكّ.
وعوض المطالبة بأنّ إدارة ملف الهجرة لا يمكن أن تقوم على المقاربات الأمنية الضيقة أو على منطق الردع والتجريم، وبأنّه لا يجوز أن تتحوّل تونس إلى فضاء لاحتواء سياسات الهجرة الأوروبية أو إلى حارس حدود دول أخرى وفقا لاتفاقيات عار على حساب حقوق الإنسان وكرامة المهاجرات والمهاجرين وأنّ أيّ تعاون دولي في مجال الهجرة يجب أن يظل خاضعاً لاحترام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي للاجئين والالتزامات الدولية للدولة التونسية، فقد كان الأسهل وخدمة للشعبوية والتزلّف لمنظومة الحكم السقوط في التحريض والعنصرية وتنامي الاعتداءات ضد المهاجرات والمهاجرين.
وهنا وأمام عدم جدية منظومة الحكم في تحمّل مسؤولياتها كاملة في حماية المهاجرين والمهاجرات وضمان أمنهم وسلامتهم وحقوقهم الأساسية ووضع حدّ للإفلات من العقاب في الجرائم والانتهاكات المرتكبة ضد المهاجرين، والتصدّي الفعلي لخطابات الكراهية والعنصرية والتحريض على العنف، فقد أصبح من الضروري توحيد الصفوف للتصدي للممارسات المنافية لأبسط حقوق الذات البشرية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
