بقلم فرات السلامي
يكتسي البحث العلمي أهمية بالغة في عالم تتعقد فيه مسالك الإنتاج والتوزيع والاستهلاك وتزداد فيه الحاجة لتسريع التقدم التكنولوجي والعلمي. فقد بيّن تطور الإنتاج منذ الثورة الصناعية إلى يومنا هذا علاقة الترابط والتناسب بين الإنتاج والبحث العلمي.
وراء هذا التقدم العلمي المذهل الذي يشهده العالم اليوم، تظهر حقيقة مؤلمة وهي تفاوت فرص تحصيل المعرفة والتقدم العلمي في العالم عوض ضمانها للإنسانية جمعاء، بحيث ينقسم العالم إلى بلدان متقدمة ومتطورة من الناحية العلمية وأخرى تعجز عن اللحاق بالركب، من بينها بلدان العالم العربي الذي لا يزال متأخرا علميا رغم إمكانياته الكبيرة.
فماهو وضع البحث العلمي في العالم العربي؟ وماهي أسبابه؟
البحث العلمي وأهميته
يعني البحث في المعجم العربي التفحص والتفتيش والتتبع والتحري. واصطلاحا هو دراسة مبنية على تقصّ وتتبع لموضوع معين وفق منهج خاص لتحقيق هدف معين سواء كان إضافة جديد أو جمع متفرق أو ترتيب مختلط أوغير ذلك من الأهداف. والبحث العلمي هو عملية نظرية وتطبيقية تتحدد وفق شروط تاريخية، تهدف إلى إنتاج معرفة موضوعية نسبيا، كاشفة البنى والعلاقات والتناقضات التي تفسر الظواهر الاجتماعية والطبيعية.
ولا شكّ أن البحث العلمي مهم لتقدم الشعوب والحضارات ذلك أن ثرواتها لا تقتصر فقط على الثروات الطبيعية وما ينتجه العمل من خدمات وخيرات مادية، بل تشمل أيضا ما تحوزه من معرفة. وإن كانت القوة الاقتصادية لبلد ما تقاس بالناتج المحلي الإجمالي، فإن التقدم المعرفي له يقاس بالمخزون القومي المعرفي ونموه.
محدودية الإنتاج العلمي
نشر العالم العربي في الفترة الممتدة بين 2008 و2018 قرابة 410 ألف بحث وورقة علمية سواء كانت هذه الأوراق مقالات أو مراجعات أو فصول من كتب أو أوراق مؤتمرات. هذا الرقم يدل على ضعف الإنتاج العلمي مقارنة ببقية بلدان العالم. وحسب التقرير السادس للبنك الدولي المتعلق بالتعليم في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لا تمثل نسبة الأبحاث والمنشورات العلمية العربية سوى 0.07% من الإنتاج العلمي العالمي. وإن احتلت مصر المرتبة الأولى على المستوى العربي بين 2001 و2010 في نشر البحوث برصيد لا يتجاوز 3459 خلال سنة 2005،فإن إيرلندا قد أنجزت 14928 بحثا متخصصا في مختلف العلوم خلال نفس السنة، ممّا يبين الفجوة العلمية الهائلة بين العالم العربي وبقية العالم.
وحتى داخل العالم العربي نفسه يظهر التفاوت جليا بين بلدانه في الإنتاج العلمي، ففي الفترة المذكورة تحتكر السعودية ومصر مجتمعتين نصف الإنتاج العلمي العربي، تليهما تونس التي تراجعت نسبة مساهمتها إلى 11% فقط. في حين لم تتجاوز مساهمة 6 بلدان عربية نسبة 0% وهي اليمن والبحرين وموريتانيا وجيبوتي والصومال وجزر القمر. ولم تتجاوز مساهمة السودان وفلسطين وسوريا وليبيا نسبة 1% من إجمالي الأبحاث العربية.
تحاول البلدان العربية ترقيع محدودية إنتاج المعرفة بتوريدها لتوفير حاجياتها من التكنولوجيا والعلوم والمعارف عموما. إلا أن هذه الطريقة تكلفها أموالا طائلة، إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن العالم العربي أنفق أكثر من 5 تريليون دولار بين 2016 و2020 على واردات التكنولوجيا والخدمات والسلع الجاهزة. وهي كلفة تعادل كلفة مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. في المقابل لا يحظى البحث العلمي إلا بالنزر القليل من هذه الموارد.
ضعف التمويل
فبالإضافة إلى ضعف الإنتاج، يعاني الأكاديميون والباحثون في العالم العربي من آثار ضعف التمويل، رغم توفر موارد ضخمة في بعض البلدان، مثل بلدان الخليج. حيث بيّنت دراسة لمنظمة اليونسكو نشرت سنة 2006، أن نسبة الإنفاق العربي على البحث العلمي لم تتجاوز 0.2% من الإنفاق العالمي. وينفق الكيان الصهيوني، الذي لا يتجاوز عدد سكانه المستوطنين نسبة 5% مقارنة بعدد سكان الوطن العربي، أربعة أضعاف الإنفاق العربي على البحث العلمي. ولاستيعاب ضعف الموارد المخصصة لتميل البحث العلمي، يمكن أن نضيف مقارنة أخرى، وهو أن جامعة هارفارد لوحدها تنفق على البحث العلمي ما يعادل إنفاق العالم العربي بأكمله.
ينعكس شحّ التمويل مباشرة على استقطاب الباحثين وتشجيعهم على الإنتاج بل وحتى توفير مستلزماتهم الضرورية لتأمين رحلتهم العلمية، إذ أشار تقرير اليونسكو المذكور إلى أنه يوجد 136 باحث لكل مليون ساكن في العالم العربي مقارنة بـ1395 باحث في الأراضي المحتلة و4374 باحث في الولايات المتحدة الأمريكية.
تغوّل الدراسات التكنولوجية
علاوة على محدودية الإنتاج وضعف التمويل، هناك سمة أخرى تلازم البحث العلمي في البلدان العربية وهو تغوّل الدراسات التكنولوجية مقارنة ببقية العلوم وخصوصا العلوم الاجتماعية، رغم أن التركيز على هذه التخصصات لم يغير واقع التبعية التكنولوجية الذي يعاني منه العالم العربي بشكل مرضي. فعلى سبيل المثال تصدرت دراسات الهندسة الكهربائية قائمة البحوث العلمية العربية المنشورة في شبكة المعرفة بين 2008 و2018 بنسبة 13.5% كما تتصدر أيضا قائمة الاختصاصات الأكثر نشرا للبحوث في كل بلد على حدة.
وإذا أضفنا دراسات علم الحاسوب ودراسات الاتصالات، نجد أن هذه التخصصات الثلاث تمثل 22.5% من إجمالي البحوث العلمية في العالم العربي. وتغيب العلوم الاجتماعية والسياسية تماما عن القائمة الخماسية لترتيب الاختصاصات من حيث عدد الأوراق العلمية المنشورة في شبكة المعرفة.
دور الصراع السياسي في الأزمة العلمية
هناك رأي شائع مفاده أن الشعوب العربية متخلفة ولا يمكنها أن تضاهي بقية شعوب العالم تقدما وتمكنا من العلوم، رغم الإرث العلمي الذي تتمتع به، فقد عاش في مجتمعاتها علماء ورجال علم من أصول مختلفة، ذوي مساهمات مهمة في العديد من المجالات وتأسس عليها العلم كما نعرف اليوم.
إن هذا الرأي لهو في الحقيقة اجترار للدعاية الاستعمارية الأوروبية والأمريكية التي تعتبر شعوبها متفوقة وذات مكانة أعلى من الشعوب العربية. لكن في الواقع ليست الشعوب العربية متخلفة بطبيعتها، أي أن وضعها الدوني اليوم، بما في ذلك العلمي والمعرفي، لا يعود إلى خصائص جينية أو ثقافية، بل إلى علاقة بنيوية كولونيالية تنتج التخلف على جميع المستويات. باختصار شديد إن العالم العربي متأخر علميا ومعرفيا لأنه أريد له ذلك وفرض عليه من الإمبريالية الرأسمالية وأذنابها.
بالإضافة لذلك تمتنع الاحتكارات عن تصدير أحدث أجيال التكنولوجيا وبراءات الاختراع والاكتشافات لتؤبد تأخر العالم العربي. فضلا عن ذلك، هيكلت الإمبريالية الاقتصاد العالمي وقسّمت فيه العمل بشكل تحتكر فيه بلدان المتروبول الصناعات المتطورة التي تحتاج وتنتج تكنولوجيا متطورة، بينما تحصر صناعات العالم العربي في صناعات الثورة الصناعية الأولى الاستخراجية والتحويلية والتركيبية التي لا تتطلب تكنولوجيا متطورة ولا تنتجها، مما يساهم في تأبيد التأخر العلمي العربي، فتظل البلدان العربية دائمة الاحتياج لتوريد التكنولوجيات المتاحة لها والأدوية والتجهيزات الطبية وغيرها من ثمار العلم والمعرفة.
وما يزيد الطين بلة هو التهميش المتعمد للعلوم الاجتماعية والسياسية من قبل الأنظمة العربية. هذه الأنظمة العميلة تخشى وعي شعوبها بحقيقة أوضاعها وخيانات أنظمتها فتحد من مدى استقطاب هذه العلوم للطلبة. في المقابل توجّه قسما كبيرا من الطلبة والأبحاث نحو الدراسات التكنولوجية كما بيننا سابقا بالأرقام، انسجاما مع الهيكلة العالمية للاقتصاد والتقسيم العالمي للعمل الذي لا يحتاج في العالم العربي سوى جيش من عمال الأزرار، لا عقولا مفكرة تنتقد أوضاعها وتوجه أصابع الاتهام مباشرة لمسببيها.
ختاما
إن مسار تحرر الجامعات كوحدات بحث علمي ليس معزولا عن مسار التحرر الوطني، بل هو جزء منه. بالتالي لا تقدم للبحث العلمي في العالم العربي دون تحطيم العلاقات البنيوية التي تضعه تحت هيمنة واستغلال الإمبريالية.
وعلى عكس الرأسمالية التي تخضع البحث العلمي لمنطق الربح خاصتها، تمثل الاشتراكية النموذج الأمثل للتقدم العلمي وتوجيهه نحو دوره الحقيقي ألا وهو تحقيق منفعة الإنسان لا الربح للبرجوازية. وقد أكدت تجربة الاتحاد السوفياتي هذا الأمر، إذ حوّل بلدان أوروبا الشرقية المتخلفة إلى قطب علمي تجاوز كل بلدان المعسكر الغربي. وهو إنجاز لم يتحقق قبل ثورة 17 أكتوبر، فلم تحقق روسيا على سبيل المثال ذلك التقدم العلمي لا في عهد القيصر ولا تحت حكم البرجوازية، بل فقط في دولة السوفياتات التي قادها البلاشفة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
