الرئيسية / صوت الوطن / قراءة أولية في مخطط التنمية 2026-2030: بين الخطاب الشعبوي واستمرار الخيارات القديمة
قراءة أولية في مخطط التنمية 2026-2030: بين الخطاب الشعبوي واستمرار الخيارات القديمة

قراءة أولية في مخطط التنمية 2026-2030: بين الخطاب الشعبوي واستمرار الخيارات القديمة

بقلم : حمادي المثلوثي

ليست مخططات التنمية مجرد وثائق إدارية تحدد نسب النمو وحجم الاستثمارات، وإنما هي تعبير مكثف عن طبيعة المشروع الاقتصادي والاجتماعي الذي تتبناه السلطة. فهي تكشف موقع الدولة من الاقتصاد، ومكانة رأس المال الخاص، وأولويات توزيع الثروة، والجهات والفئات الاجتماعية التي ستستفيد من ثمار النمو أو تتحمل كلفته. ولذلك فإن قراءة مخطط التنمية 2026-2030 ينبغي أن تتجاوز الأرقام والشعارات إلى مساءلة الخيارات التي يقوم عليها، ومدى قدرتها على إخراج تونس من أزمتها البنيوية.

يأتي هذا المخطط في سياق اقتصادي واجتماعي شديد التعقيد، من سماته: الركود الاقتصادي، وارتفاع المديونية، وتراجع الاستثمار المنتج، واستمرار البطالة، وتفاقم التفاوت الجهوي، وتدهور الخدمات العمومية، في حين تتآكل القدرة الشرائية وتتعمق هشاشة الفئات الشعبية.

وهي أزمة ليست نتيجة ظرف دولي فقط، بل تعكس أيضًا حدود النموذج الاقتصادي الذي تشكل منذ عقود، والقائم على التبعية للخارج، وضعف الإنتاج الوطني، وتهميش دور الدولة التنموي.

وفي هذا السياق، يعرض المخطط أهدافًا طموحة تتمثل في تحقيق نسب نمو مرتفعة4.2%، وخلق مئات الآلاف من مواطن الشغل، وتحسين مناخ الاستثمار ورفعه إلى حوالي 25%من الناتج المحلي الإجمالي وتعزيز الرقمنة، وتطوير الاقتصاد الأخضر، وتقليص الفوارق بين الجهات.

بطبيعة الحال ،لا خلاف حول أهمية هذه الأهداف، لكن السؤال الجوهري لا يتعلق بما يعد به المخطط، وإنما بالوسائل التي يعتمدها لتحقيق تلك الوعود، وبالخيارات الاقتصادية التي يستند إليها.

وأول ما يلفت الانتباه هو هيمنة خطاب سياسي يقوم على الإرادة والتعبئة أكثر مما يقوم على التحليل العلمي لشروط التنمية. فالوثيقة تقدم صورة توحي بأن تجاوز الأزمة يكفيه توفر الإرادة، وحسن التصرف، ومقاومة الفساد، وتحرير المبادرات، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالبنية الاقتصادية، وبطبيعة علاقات الإنتاج، وبموقع تونس داخل الاقتصاد العالمي، وبحدود نموذج التنمية الذي أوصل البلاد إلى أزمتها الحالية. إن هذا الخطاب، الذي يختزل التنمية في الإرادة السياسية أو في الصراع ضد بعض مظاهر الفساد، يحمل في جوهره نزعة شعبوية، لأنه يستبدل التحليل الاقتصادي والاجتماعي بتفسير أخلاقي للأزمة. والحال أن الشعوب لا تخرج من أزماتها بالشعارات، بل بإعادة بناء الاقتصاد على أسس جديدة، وبوضع سياسات إنتاجية واضحة، وبإصلاح منظومة الجباية، وبحماية القطاعات الاستراتيجية، وبالاستثمار العمومي المنتج.

وتكمن خطورة هذا الخطاب الشعبوي في أنه يحجب التناقضات الحقيقية التي يعيشها الاقتصاد التونسي. فهو لا يجيب بوضوح عن أسئلة أساسية: كيف سيتم تمويل الاستثمارات المعلنة؟ وهل ستواصل البلاد التعويل على الاقتراض؟ وما هي مكانة المؤسسات العمومية؟ وكيف ستتم إعادة الاعتبار للفلاحة والصناعة؟ وما هي السياسات الجبائية التي ستضمن عدالة توزيع الأعباء؟ إن غياب الإجابات الدقيقة عن هذه القضايا يفتح المجال أمام هيمنة الخطاب الإنشائي على حساب النقاش الاقتصادي العلمي.

من ناحية أخرى، لا يبدو أن المخطط يقطع بصورة واضحة مع الخيارات الكبرى التي حكمت السياسات الاقتصادية خلال العقود الماضية. فما يزال الاستثمار الخاص يقدم باعتباره المحرك الرئيسي للنمو، وما تزال جاذبية الاستثمار والتنافسية والانفتاح الاقتصادي تشكل المرتكزات الأساسية للسياسات المقترحة. وهي الخيارات نفسها التي رُوّج لها في مخططات سابقة، دون أن تنجح في الحد من البطالة التي تفاقمت أو تحقيق التوازن بين الجهات أو بناء قاعدة إنتاجية قوية. ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الاستثمار الخاص، لكنه لا يستطيع وحده إنجاز تنمية وطنية متوازنة، لأن منطق الربح يدفع الرساميل بطبيعتها إلى الاستثمار حيث تكون المردودية أعلى، لا حيث تكون الحاجات الاجتماعية أكبر. ومن هنا تبرز أهمية الدولة بوصفها فاعلا اقتصاديا واستثماريا، لا مجرد منظم للسوق أو وسيط بين المستثمرين والإدارة.. كما لا يطرح المخطط أسئلة جدية حول مفهوم العدالة الاجتماعية الذي يتبناه. فالتنمية لا تقاس فقط بارتفاع الناتج الداخلي الخام، بل بقدرتها على تحسين أوضاع العمال، وصغار الفلاحين، والعاطلين عن العمل، وسكان الجهات المهمشة، وعلى تقليص الفوارق في الدخل والثروة والخدمات الأساسية. أما إذا اقتصر النجاح على ارتفاع بعض المؤشرات الكلية، دون تغيير ملموس في أوضاع الأغلبية، فإن التنمية تتحول إلى نمو بلا عدالة، وإلى أرقام بلا مضمون اجتماعي.

إن المطلوب اليوم ليس إنتاج خطاب تعبوي جديد، وإنما فتح نقاش وطني جدي حول النموذج التنموي الذي تحتاجه تونس. فالبلاد في حاجة إلى مشروع يقوم على السيادة الاقتصادية، وإعادة الاعتبار للإنتاج الوطني، وتطوير الصناعة والفلاحة، وإصلاح المنظومة الجبائية، وتعزيز الاستثمار العمومي، وحماية المؤسسات العمومية الاستراتيجية، وتوجيه الموارد نحو الجهات المهمشة. فهذه هي الأسئلة التي تحدد مستقبل التنمية، لا كثافة الشعارات ولا قوة الخطاب السياسي. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة مخطط التنمية 2026-2030 لا ينبغي أن تتوقف عند إعلان النوايا، بل يجب أن تنفذ إلى الخيارات الفعلية التي يتضمنها. فالتنمية ليست وعدا سياسيا، بل هي مسار اقتصادي واجتماعي يخضع لقوانين موضوعية، ويقاس بقدرته على تغيير حياة الناس، لا بقدرته على إنتاج خطاب متفائل.

إلى الأعلى
×