بقلم : شيراز بن حسين
لم يعد الحديث عن “صورية” البرلمان في منظومة 25 جويلية منحصراً في أدبيات المجتمع المدني والنخبة السياسية المعارضة فحسب، بل أصبح هذا التوصيف قناعة راسخة لدى غالبية الرأي العام التونسي. فخلف قبة باردو، يبدو المشهد أشبه بديكور مؤسّساتي مشلول الأركان، إذ حوّل دستور 2022 نوّاب الشعب إلى ذواتٍ معزولة، مجرّدة من أيّ حواضن سياسية أو كتل وازنة قادرة على المبادرة والاعتراض، غير أنّ عملية تدجين المؤسسة التشريعية لم تقف عند حدود إضعافها الهيكلي، بل انتقلت إلى مرحلة “الترهيب القانوني” عبر التوظيف المكثّف لسلاح الملاحقات القضائية. هذا الإجراء، الذي وُضع في الأصل كأداة دستورية للمساءلة، تحوّل إلى سيف على رقاب النواب، يُراد منه إبقاء الجميع تحت التهديد المستمر لضمان الولاء التام لقصر قرطاج.
في هذا السياق، تأتي الجلسة العامة السرية المنعقدة بتاريخ 23 جوان 2026، والتي أُقِرّ فيها رفع الحصانة عن عشرة نواب دفعة واحدة، كترجمة عملية ومصداقٍ عيني على البنية الصورية الهشّة والعاجزة التي صُمّم بها برلمان “مسار 25 جويلية”. هذا الحدث، وهو ليس إلاّ فقاعة من فقافيع الشعبوية، هو في حقيقة الأمر لم يكن تفكيكاً لمنظومة الامتيازات البرلمانية أو تفعيلاً نزيهاً لآليات المحاسبة، بل كان تجسيداً فجّاً لعجز مركّب أصاب مؤسّسة تشريعية هجينة، ولدت قسراً من رحم دستور صاغه الحاكم بأمره لتثبيت أركان الحكم الفردي المطلق. لقد تحوّل هذا البرلمان إلى مجرد هيكل مسلوب الإرادة، وغدت “الحصانة”، والتي انتُزعت تاريخياً عبر نضالات الشعوب لحماية ممثّليها من بطش الأجهزة التنفيذية، كثغرةً قانونية يُخترق منها النواب، وسلاحاً ناعماً لابتزازهم وإخضاعهم.
ذعر سياسي وانحاء أمام العاصفة!
إنّ لجوء نواب في غرفة 25 جويلية للوظيفة التشريعية، من أمثال فاطمة المسدي وأنور المرزوقي ويوسف طرشون، إلى “التنازل الطوعي” السريع عن حصانتهم للمثول أمام القضاء في قضايا حق عام ومخالفات انتخابية قديمة، لا يُعبّر عن منسوب عالٍ من النزاهة بقدر ما يكشف حالة الذعر السياسي والانحناء أمام العاصفة. فهم يدركون جيداً، أنّه وفي ظلّ سلطة شعبوية قائمة على تصفية المجال السياسي العام ومركزية القرار في قصر قرطاج، فإنّ التمسّك بالحصانة الدستورية هو بمثابة انتحار مباشر، وتهمة جاهزة بالتحصّن خلف الفساد. لذلك، تخلّى هؤلاء النواب عن حمايتهم القانونية لإنقاذ ما تبقى من شرعيتهم السياسية المهددة، في مفارقة تاريخية تُثبت أن النائب في هذا المسار بات يبحث عن صك غفران من السلطة التنفيذية بدلاً من ممارسة حق مراقبتها ومحاسبتها.
وعليه، فإنّ هذا المشهد يعتبر جزء من عملية تصفية ممنهجة لأي فضاء، حتى وإن كان صوريا “كاراكوزيا”، وامتدادا لسياسة “التطهير والترهيب” الانتقائي التي توظفها السلطة التنفيذية لإخضاع مكوّنات البرلمان نفسه. إنّ إثارة “مخالفات انتخابية سابقة” في هذا التوقيت بالذات، وبإيعاز من هيئة انتخابات فاقدة للاستقلالية وتحوّلت إلى ذراع تنفيذي أعمى، يثبت أنّ هذه الملفات ليست سوى أوراق ضغط مخزّنة في أدراج السلطة، تُخرجها وقتما تشاء لإعادة هندسة التوازنات وتأديب أي صوت قد تسوّل له نفسه الخروج عن الخط المرسوم.
فاليوم، يظهر البرلمان في شكل ذواتٍ معزولة، بلا كتل تاريخية وازنة، وبلا حواضن شعبية أو نقابية حقيقية تحميه من بطش الترسانة القانونية والمراسيم المسلطة، فالعجز التام لقصر باردو عن تمرير مبادرات تشريعية مستقلة تنحاز لمصالح الطبقات العاملة والفئات الشعبية الكادحة، في مقابل استسلامها التام لدور “غرفة تسجيل” خاضعة كلياً لإملاءات السلطة، هو النتيجة الحتمية لمنظومة نسفت مبدأ الفصل بين السلطات. لقد أفرغ الحكم الفردي البرلمان من أيّ محتوى ديمقراطي حقيقي، ليتحوّل خلف قبة باردو إلى واجهة ديكورية بائسة وفاقدة للسيادة، مهمتها الوحيدة إضفاء شرعية قانونية شكلية على خيارات اقتصادية واجتماعية مأزومة، تزيد من إفقار الشعب التونسي ورهن البلاد لإملاءات الدوائر المالية العالمية.
ابتزاز ممنهج وأوراق ضغط!
فهذه الآلية تحوّلت إلى أداة الابتزاز الممنهج تُديرها أجهزة البيروقراطية الرسمية، حيث تحولت “الهيئة العليا المستقلة للانتخابات” والمرفق القضائي بعد تدجينهما، إلى مجرّد أدوات لتطهير الساحة التشريعية، رغم كونها غرفة صورية، من أي إمكانية للتمرد، وإعادة صياغة باردو كملحق إداري تابعة بالكامل لقصر قرطاج.
إنّ النبش في رماد “المخالفات الانتخابية السابقة” وقضايا الحق العام ليس صحوة ضمير قضائي، بل هو تفعيل سافر لتقنية “الملفات المخزنة في الأدراج”. فالمنظومة الحاكمة لم تفتح هذه الملفات دفاعاً عن طهارة العملية الانتخابية التي زوّرت وعيها ومؤسساتها سلفاً، بل وظّفتها كأوراق ضغط تُسحب في التوقيت السياسي المناسب، إنّها رسالة ترهيب موجّهة لعموم النواب لضبط إيقاع حركتهم، فبقائهم تحت القبة مشروط بمدى انصياعهم التام لحاكم قرطاج، وصكوك الأمان لا تُمنح إلاّ لمن يبدي الولاء الأعمى. وهذا التوظيف الفجّ للقانون حوّل المرفق القضائي من ساحة للعدالة إلى حديقة خلفية لقصر قرطاج وذلك لإخضاع وتأديب حتى أولئك الذين انخرطوا يوماً في تزكية مسار 25 جويلية بمجرّد أن تراودهم أوهام الاستقلالية.
في هذا السياق، يبرز الدور الوظيفي لهيئة الانتخابات كذراع بيروقراطية صلبة لتثبيت الحكم الفردي المطلق، فهذه الهيئة التي أشرفت على صياغة مشهد برلماني صوري مشتّت وفقير سياسياً عبر نظام اقتراع على الأفراد أقصى الأحزاب الحقيقية، وهي تلعب اليوم دور الحارس القضائي المسلّط على نواب الشعب. إضافة إلى ذلك تحوّل هذا البرلمان الصوري أكثر من أيّ وقت مضى إلى برلمان “الأفراد المذعورين” الذين يفتقدون لحواضن طبقية أو نقابية تحميهم، ليبقى العمال والكادحون في مواجهة مباشرة مع سلطة تمارس التفقير والتقشّف بلا رقيب أو حسيب.
وتحت وطأة هذا الابتزاز المستمرّ، تسير المؤسسة التشريعية اليوم بخطى حثيثة لتكريس خيارات التبعية والتقشف الأعمى، بعيداً عن أي نقاش ديمقراطي حقيقي حول الميزانيات أو الاتفاقيات الدولية والقروض المذلّة، فالنواب يشغلهم أكثر هاجس الحفاظ على مقاعدهم وتجنّب السجون، لن يجرؤوا على الوقوف في وجه الإملاءات التي تفرضها الدوائر المالية العالمية، أو مناقشة السياسات الجبائية الجائرة التي تمتص دماء الأجراء لتغطية عجز ميزانية منظومة مأزومة. وهكذا، يصبح تصفيد البرلمان عبر سلاح رفع الحصانة هو الضمانة الأساسية للسلطة التنفيذية لفرض الخيارات الرأسمالية التبعية لنظام 25 جويلية، وحماية مصالح البرجوازية والبيروقراطية الحاكمة على حساب جوع الشعب التونسي.
وفي المحصلة، يثبت المشهد البرلماني الراهن خلف قبة باردو، من التجريد الهيكلي للصلاحيات وصولاً إلى مقصلة رفع الحصانة والملاحقات الجماعية، أن كافة الرهانات على إصلاح المنظومة من داخل مؤسساتها الصورية ليست سوى أوهام بائسة. إنّ برلمان 25 جويلية الهجين قد استنفد وظيفته كـ”ديكور ديمقراطي” مخاتل، وتعرّى بالكامل كأداة بيروقراطية وظيفية صُمّمت حصراً لحماية الحكم الفردي المطلق وتأمين التمرير السلس للسياسات الرأسمالية والتقشفية التي تسحق الشغيلة التونسية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
