بقلم ولد البطحاء
في سياق عمالي عالمي شهد إصدار محكمة العدل الدولية يوم 21 ماي 2026 رأيها الاستشاري حول الحق في الإضراب ،على ضوء الطلب الذي تقدّم به مجلس إدارة منظمة العمل الدولية لحسم الجدل حول حماية الحق في الإضراب بموجب الاتفاقية رقم 87 (*)، وبحضور عددي أقل من المعتاد لكن بثقل “سياسي” لا بأس به، شارك الاتحاد العام التونسي للشغل في أشغال الدورة 114 لمؤتمر منظمة العمل الدولية مثقلا بقضاياه الداخلية وبملفات قديمة متجددة معروضة على أنظار منظمة العمل الدولية يخص حرية العمل النقابي في تونس في ظل تدهور غير مسبوق لأوضاع الشغلية.
امتدت الدورة 114 من 1 إلى 12 جوان 2026 بجينيف-سويسرا، ناقش خلالها ممثلو منظمات العمال ومنظمات أصحاب العمل والحكومات(**) 5 ملفات رئيسية: العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية / المساواة بين الجنسين في عالم العمل / الحوار الاجتماعي الثلاثي / العدالة الاجتماعية ومستقبل العمل / الحماية الاجتماعية والتحولات الاقتصادية. كما أصدر المؤتمر اتفاقية جديدة متعلقة بعمال المنصات تحت عنوان الاتفاقية عدد 193 وأسقط طعنا قدمته كل من أمريكا والأرجنتين والكيان الصهيوني لإلغاء صفة الدولة المراقب غير العضو(***) عن فلسطين والتي أقرتها الدورة 113. وقد رفض المؤتمر هذا الطعن بأغلبية 394 صوت مع مقابل 17 صوت ضدّ. ولئن ساهم الوفد النقابي التونسي في هذه الهزيمة السياسية والديبلوماسية للكيان الصهيوني فإنه لم ينجح في تحصيل إدانة حازمة من المؤتمر ضد الهجمة الشعبوية على الحق النقابي وحقوق الشغالين في تونس في حين فشلت الشعبوية في قبر هذه الملفات دوليا.
الذهاب للدورة 114 بجراح الدورات السابقة
“أن تأتي متأخرا أفضل من أن لا تأتي أبدا” هكذا تلقى عديد النقابيين خطاب الأمين العام للمنظمة الشغيلة في الدورة 114 لمؤتمر منظمة العمل الدولية بعد خيبات خطاب غرة ماي 2026 بالبطحاء رغم أن الإعداد لهذه المحطة حكمته المسلكية البيروقراطية من حيث غياب الشفافية في ضبط السلوك النقابي الأسلم خلال المؤتمر حيث لم يتمّ عرض هذه المسألة على الهيئة الإدارية الوطنية قبل الذهاب للمؤتمر ولم تتم دعوتها بعد العودة من جينيف لإطلاعها على مخرجات المؤتمر وسط ادعاءات حول عدم تناسق الأداء.. ولا نذيع سرا إذا قلنا إنّ من بين الملفات التي مثلت محور صراع بين مجموعتي المكتب التنفيذي قبيل مؤتمر مارس الأخير كانت حول الشكاية التي تقدمت بها تونس والتي غطت جانبا من أشغال مؤتمر منظمة العمل الدولية، شكاية أكدت هذه المجموعة أنه تمّ سحبها ودافعت المجموعة الثانية كون الترويج لحكاية السحب هو محض افتراء. ومهما يكن من أمر فإن أشغال الدورة 112 لمؤتمر منظمة العمل الدولية شهد بالفعل تقديم قائمة اسمية إلى لجنة الحريات النقابية تتضمن نقابيين يتعرضون لملاحقات قضائية وإيقافات عن العمل على خلفية نشاطهم النقابي علاوة على تعطيل المجلس الوطني للحوار الاجتماعي بعد أولى جلساته وعدم تطبيق الاتفاقات وإصدار مناشير تقيّد العمل النقابي مثل المنشور رقم 21، وقد تقدم الاتحاد الدولي لنقابات العمال بهذه الشكوى مدعوما بالاتحاد العام التونسي للشغل. وقد حشدت الشكوى تعاطف عديد الوفود النقابية مع نقابيي تونس وعملت على إدراج تونس ضمن القائمة القصيرة للحالات المعروضة على لجنة تطبيق المعايير أو ما يتعارف على تسميته ضمن الأوساط النقابية بـ”القائمة السوداء”، إلا أن عوامل خارجية وداخلية ساهمت في عدم إدراج تونس ضمن القائمة القصيرة. ومن بين أبرز هذه العوامل الخارجية كان نشوء النزاعات المسلحة الإقليمية، التحررية منها والرجعية، بعدد من البلدان العربية مثل سوريا واليمن وليبيا ولبنان والعراق عاملا ساعد على جعل الوضع النقابي بهذه البلدان ملفات تحظى بأولوية العرض والإدراج ضمن القائمة القصيرة. أما داخليا تذكر تقارير أن الوفد الحكومي التونسي ناور بـ”البرنامج الوطني للعمل اللائق 2025-2029″ المعدّ بالشراكة مع منظمة العمل الدولية، “مهددا” بكون إدراج تونس ضمن القائمة القصيرة سيعود بالتفاوض حول هذا البرنامج إلى النقطة صفر. كما ركز الوفد التونسي دعايته حول التطوير التلقائي الرسمي للتشريعات الشغلية عبر مجلة الشغل بصيغ تتلاءم مع معايير العمل الدولية ضمن مركاتو هجرة الخبرات من المنظمات إلى الحكومات.. ورغم نجاح ممثلي الحكومة في تجنب تلقي ضربة كانت لتكون قاسمة فإن الدعاية الشعبوية حول ضمان الحريات النقابية لم تحظى بمصداقية ولعل ذلك ما يفسر صدور توصيات حازمة تلزم الحكومة التونسية بمراجعة قوانينها وإطلاق سراح النقابيين وهو ما حدا بعديد متابعي الشأن النقابي اعتبار تونس واقعة تحت “المراقبة اللصيقة” لمنظمة العمل الدولية بخصوص احترام الحقوق والحريات النقابية والالتزام بتقاليد الحوار الاجتماعي.
هزيمة ديبلوماسية أخرى للشعبوية
صحيح أن الشعبوية قد نجحت في تفادي ما هو أسوء ولكن ذلك لا يعني أنها لم تهزم بل إن العكس صحيح حيث لم تخرج بعد من وضع “المتهم” بل أن جلّ ما جنته هو تأجيل إعلان هزيمتها. فبالرجوع إلى المعلومات القليلة المتوفرة تشير تقارير إلى أن توجيهات رقابية واستشارية عديدة وُجّهت إلى الحكومة التونسية محورها الحوار واحترام الحريات النقابية والإصلاح التشريعي. فعلى مستوى الحوار الاجتماعي أكدت التوصيات على ضرورة العودة للمجلس الوطني للحوار الاجتماعي كإطار أمثل لمناقشة الإصلاحات الضرورية للحفاظ على “السلم الاجتماعي”. كما تمت دعوتها إلى احترام الاتفاقات الأساسية وخاصة الاتفاقية رقم 87 وإلغاء المناشير المقيدة لحرية العمل النقابي مثل المنشور رقم 21. أما فيما يخص دعاية الحكومة حول مجلة الشغل و”البرنامج الوطني للعمل اللائق2025-2029″ فقد طالبت لجنة الخبراء بضبط جدول زمني رسمي للانتهاء من التنقيحات وعلى أن تتلاءم هذه التنقيحات فعلا مع معايير العمل الدولية وربطت برنامج التعاون التقني والمالي بخصوص الثانية بشروط تتعلق باحترام الحق النقابي. ولا يخفى على كل عاقل أن الشعبوية التي تتخبط في حل أبسط الأزمات التي قد تطفو على السطح ستنجح في الالتزام بتعهداتها الدولية في ملفات جعلت من استعدائها جوهر دعايتها المضللة للشعب. والرئيس الذي رغم تجمع كل دواليب الحكم بين يديه والذي يسنّ قوانين ويعود لإلغائها وإعادة سنّها من جديد لصالح الشباب المعطل عن العمل ثم يعود لقبرها من جديد كاشفا قصور أسلوب حكمه، أيّ أبله قد ينقاد وراء دعايته الفضفاضة حول تمثيل طموحات الشباب، والبلاد التي تقود تشريعاتها مراكز دراسات خاصة لهذا وذاك من المتسلقين الجدد كيف لها أن تحظى بمصداقية أو أن تطبق تشريعات تهم تطوير حقوق الشغيلة في وقت يطرد فيه العمال يوميا من الشغل ويحاكمون أو يموتون تحت الأنقاض بسبب تدهور الحماية الضرورية لهم.. إن جل ما أحرزته الشعبوية في جينيف ليس سوى يوم آخر في تجربة مآلها الأقرب للموت مهما كانت سيناريوهات الرحيل..
لقد مثلت الدورة 114 أولى محطة لاختبار الديبلوماسية النقابية ورغم المسلكية البيروقراطية التي رافقت إعداد المكتب التنفيذي لهذه المحطة فإن تركة الأزمة الداخلية وارتباك المعالجة لبعض الملفات النقابية ومنها ملفات النقابيين ضحايا استهداف العمل النقابي فإن ضعف حصيلة حكم الشعبوية وعدم جديته في احترام حقوق الشغالين والحق النقابي قد مثل عاملا مساعدا لهزيمة الشعبوية رغم عدم انتصار الاتحاد والحركة النقابية التونسية وتبقى ديمقراطية التسيير الداخلي والاستقلالية والنضالية مفاتيح مرجعية في مستقبل المنظمة وطنيا وعلى مستوى علاقتها العمالية العالمية خاصة مع تواصل تمثيلية الجسم النقابي صلب مجلس إدارة منظمة العمل الدولية إلى حدود سنة 2027.
———-
هوامش:
(*) تحمي اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي لسنة 1948 المعروفة بالاتفاقية رقم 87 أوجه مختلفة من ممارسة الحق النقابي وقد مثلت الاتفاقية مرتكزا تشريعيا للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بخصوص الحق في الإضراب كجزء أصيل في ممارسة الحق النقابي.
(**) منذ تأسيسها سنة 1919 في أعقاب الحرب العالمية الأولى مرورا بانضمامها إلى منظمة الأمم المتحدة سنة 1946 اعتمدت منظمة العمل الدولية مبدأ الحوار الثلاثي بين ثلاث مكونات ضبطتها كالآتي: الحكومات وممثلي منظمات العمال ومنظمات أصحاب العمل. ولا نحتاج هنا أن نلاحظ أن هذه التصنيف يحتاج بدوره إلى الكثير من التدقيق من حيث موقع كل واحدة من هذه المكونات من الصراع الطبقي سواء على المستوى النظري العام و/أو في كل مرحلة تاريخية بعينها، وكون اعتمادنا لهذا التصنيف إنما هو اعتماد منهجي لا غير لمنظمة لا تخفي أنها تستمر في النشاط بمساهمة كبرى الدول الإمبريالية في تمويلها بصفة قارة ضمن معاليم انخراطها فيها وبتمويلات طوعية أخرى.. وسنعود إلى طبيعة تنظيم هذه المؤسسة ومضمون نشاطها في مناسبة لاحقة.
(***) أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10 ماي 2024 قرارها رقم ES-10/23 التي دعا من خلالها عموم الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة إلى ترقية وضعية فلسطين. فجاء قرار مجلس الإدارة سنة 2024 إلى تغيير صفة فلسطين من حركة تحرر وطني إلى وضعها الجديد وثبتته الدورة 113 سنة 2025 وهو ما فتح لفلسطين منذ تلك اللحظة حقوق واسعة صلب منظمة العمل الدولية ناهيك عما يمثله من قاعدة حقوقية للدفاع عن عضوية كاملة لفلسطين صلب الأمم المتحدة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
