الرئيسية / صوت النقابة / ماذا تغيّر في الاتّحاد بعد مؤتمر مارس الماضي؟ (الجزء الأوّل)
ماذا تغيّر في الاتّحاد بعد مؤتمر مارس الماضي؟ (الجزء الأوّل)

ماذا تغيّر في الاتّحاد بعد مؤتمر مارس الماضي؟ (الجزء الأوّل)

بقلم : جيلاني الهمامي

سؤال بات يتردّد بكثرة في الساحة النقابية ويُرَدُّ عليه ردودا عدّة وشتّى. ويُسْتَشفُّ من التعاليق التي تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي حالة من عدم الرضا وفي بعض الأحيان نوع من الغضب والامتعاض من أداء القيادة النقابية الجديدة.

الآن وقد مضى على مؤتمر المنستير الأخير أكثر من ثلاثة أشهر (أكثر من 100 يوم) صار من المنطقي بل من الضروري إجراء تقييم وَلَوْ أوّلِي للوضع النقابي العام في ظل القيادة الجديدة. ولئن كانت هذه المدة تُعَدُّ قصيرة فإنها لا محالة كافية للحكم على حصيلتها انطلاقا من بعض المؤشرات المتوفّرة انطلاقا من الجوانب الأساسية من الحياة النقابية.

للتذكير، وبسرعة، انعقد المؤتمر الوطني الأخير بعد صراع حادّ قابل بين شقّين داخل القيادة السابقة، الأوّل تشبث بالبقاء في موقعه حتى نهاية المدة النيابية في بداية السنة القادمة (2027) والثاني ضغط بأشكال عدة (بما في ذلك اعتصام فيفري 2025) من أجل التعجيل بعقد المؤتمر استثنائيا كسبيل وحيد لانتشال المنظمة من الأزمة التي تردّت فيها. والحقيقة أنّ هذا الانقسام تمدّد إلى خارج القيادة ليشمل عموم هياكل الاتحاد الأخرى وعموم النقابيين والمتابعين للشأن النقابي العام. وَحُسِمَ هذا الصراع في النهاية لفائدة وجهة النظر الثانية فانعقد المؤتمر فعلا أواخر شهر مارس الماضي في مدينة المنستير.

وككلّ المؤتمرات طغت عليه الحسابات الانتخابية فيما لم تلق المسائل النقابية التي شكّلت محاور جدل وصراع من قَبْل الاهتمام المنتظر. فباستثناء بعض القرارات والإجراءات التنظيمية (تسقيف الحق في الترشح خاصة) فإنّ بقية القضايا النقابية المتصلة باستقلالية العمل النقابي عن السلطة الحاكمة وبمهام النضال في ظل الهجمة التي عاشها الاتحاد من قبل منظومة الحكم الشعبوية بما في ذلك مسألة الإضراب العام التي كان من المنتظر أن ينظر فيها المؤتمر، كل هذه القضايا لم تلق العناية الكافية بحيث لم ينبثق عن هذا المؤتمر برنامجَ نضال واضح في مستوى التحديات ولم يضع بالتالي للقيادة الجديدة إطارا دقيقا للعمل ولم يُصْدِرْ لها بوضوح جملة الالتزامات المطلوب منها تنفيذها.

طبيعة الرّهانات وحدود الحصيلة

قبل الشروع في رصد حصيلة عمل القيادة الجديدة للحكم لها أو عليها يجدر أن نضع المقاييس المعيارية التي ينبغي الانطلاق منها حتى يكون الحكم أقرب ما أمكن إلى الموضوعية. وتتمثل هذه المقاييس في الرهانات التي بلورتها الحركة النقابية التونسية على امتداد تجربتها خاصة منذ أحداث 26 جانفي 1978 والتي يمكن اختزالها في شعارات الحركة، أي ثلاثي الاستقلالية والنضالية والديمقراطية الداخلية“. وقد برزت من خلال الصراعات التي جرت قبيل المؤتمر مؤشرات على وجود إرادة نقابية واسعة في إحياء هذه المبادئ الكبرى والسّعي إلى إعادة تفعيلها في علاقة بالاستحقاقات الراهنة المرتبطة بتطورات الواقع في السنوات الأخيرة.

فقد رأى الكثير من النقابيّين في مؤتمر المنستير فرصة كي يستعيد الاتحاد مكانته في الساحة السياسية والديمقراطية ويلعب دوره في الموازنات العامة في وقت كانت الدولة قد استولت على جانب كبير من الفضاء العام ونسفت المنجزات الديمقراطية (على محدوديتها) التي أنجزتها ثورة 2010 – 2011. كما رأوا فيه مناسبة لنهوض الاتحاد من حالة العطالة التي أضحى عليها في الوقت الذي قوّضت فيه الدولة أسس الحوار الاجتماعي والمفاوضات والحقوق بما في ذلك الحق النقابي وألحقت بالعمال وسائر الكادحين أضرارا كثيرة في ظروف عيشهم كما في ظروف العمل. ورأوا فيه أيضا الأداة لمحو آثار الانقلاب البيروقراطي على الفصل 20 الذي مثّل على امتداد سنوات عنوانا للمكاسب الديمقراطية داخل المنظمة (على قلّتها). لذلك شكّل المؤتمر في نظر الكثير ممّن دافعوا عن ضرورة عقده والتعجيل به محطة ومنعرجا تاريخيا ومدخلا لإصلاح أوضاع المنظمة المهددة بمخاطر كثيرة.

وممّا لا شك فيه كان كل طرف ينظر إلى المؤتمر من زاوية نظره الخاصة. ورغم تباين زوايا النظر وبالتالي تباين المقاربات والمصالح والأهداف فقد جرى عمل دعائي وميداني من مواقع مختلفة للضغط من أجل أن تكون هذه الاستحقاقات في قلب اهتمامات المؤتمر وعلى رأس جدول أعماله. ولكن وللأسف لم يكن الأمر كذلك بل وكما كان متوقعا طغى عليه الهاجس الانتخابي والتسابق نحو كرسي القيادة. لذلك جاءت مخرجاته ضعيفة نسبيا ولا ترتقي إلى متطلبات معالجة آثار الأزمة والنهوض بالاتحاد لمواجهة التحديات الجديدة/القديمة في عهد الشعبوية التي ماتزال تصرّ على تهميش المنظمة النقابية باتجاه محو وجودها أصلا.

حصيلة هزيلة

وبصرف النظر عن المآخذ المسجلة على المؤتمر وخاصة فشله في وضع برنامج لإنقاذ المنظمة فإنّ مجمل حصيلة ثلاثة أشهر من عمل القيادة الجديدة تبدو بالعين المجردة بعيدة كل البعد عمّا كان مطلوبا منها وتتحمل هي في المقام الأول المسؤولية في ذلك بالنظر إلى ما نسبته إلى نفسها كونها قيادة بديلةجاءت لتطوي صفحة سيئة من تاريخ الاتحاد وتفتح صفحة جديدة أفضل وأرقى. ولعلّ أوّل ما تؤاخذ عليه القيادة الجديدة سقوطها في نزعة انتظارية فيما يخص التعاطي مع السلطة. كان ذلك واضحا من خلال ما قضته من وقت وهي تأمل في الفوز بلفتة كريمة من طرف قيس سعيد الذي رفض ومازال رافضا لاستقبالها وراحت تلهث وراء أبسط مؤشر يفيد، على سبيل التصريح أو حتى على سبيل التلميح، بإمكانية عودة علاقات الوئام أو التعاون أو حتى مجرد التواصل بين الاتحاد وقيس سعيد وحكومته.

وفي ظلّ هذه الانتظارية قيّد المكتب التنفيذي الجديد يديه وضرب على نفسه نوعا من الرقابة الذاتية وهو ما يفسّر، إلى حدّ بعيد، النسق البطيء في التعاطي مع جملة محاور العمل الموروثة عن الفترة الماضية. ويشمل هذا البطء لا فحسب الملفات المطروحة ذات الصلة بمؤسسات السلطة وإنما أيضا الملفات الأخرى الداخلية أو المطروحة المتّصلة بالحراك المدني الاجتماعي والحقوقي على الساحة السياسية.

لقد اتّبع المكتب التنفيذي سياسة الحذر في التعامل مع الحكومة ودوائر السلطة وتحاشي استفزازَها وحتى عندما تجرّأت هذه الأخيرة على إعلان زيادات من جانب واحد اكتفى بانتقاد ذلك السلوك معبّرا عن رفضه لـغياب الحوار الاجتماعيالأمر الذي حسب تعبيره يعمّق الأزمة بدل حلّها، ويضعف إمكانيات التوافق حول الإصلاحات الضرورية، والحال أنّ الخطوات التي قطعتها حكومات قيس سعيد لنسف تقاليد راسخة في مجال السياسة التعاقدية مثل المفاوضات الجماعية والزيادة في الأجور ومراجعة الاتفاقيات المشتركة وتنظيم المهن وتمثيلية الاتحاد في عديد الهيئات والدوائر والمؤسسات وحق المنظمة المكتسب في الخصم المباشر الخكانت تتطلب موقفا أكثر صرامة وردودا أكثر جرأة.

لقد استبشر المكتب التنفيذي بمراسلة وزارة المالية لأخذ رأي الاتحاد في ميزانية العام القادم ووضعها في حساباته ضمن المؤشرات الإيجابية التي يؤيّد مقاربة عدم التّسرّعوالتعويل على إمكانية مراجعة السلطة لسياسة التصلّبلأنه لم يكن، في الحقيقة، يرى من سبيل لاسترجاع مكاسب الاتحاد وحقوق قواعده ومناضليه إلاّ عبر تسوية وبالتراضي مع السلطة ليكتشف بعد أشهر أنه كان متعلّقا بوهم وجب الإقلاع عنه أمام الحقائق المُرّة الدّامغة.

إنّ الشعبوية في نسختها التونسية لا تقبل بوجود أجسام وسيطة بما في ذلك المنظمات النقابية ولن يهدأ لها بال إلاّ عندما تقضي عليها القضاء المبرم سواء بتصعيد القمع ضدّها والهجوم السافر عليها أو عبر التهميش والمضايقات والحصار.

إنّ الثورة المضادة في نسختها الشعبوية تستعجل الانتقام لنفسها لمَا تكبّدته من خسائر سنوات الثورة. ويأتي على رأس قائمة مهمّات الانتقام تنفيذ برنامجها الليبرالي المتوحش الذي يقتضي فيما يقتضي نسف العمل النقابي والقضاء على المنظمات النقابية لكسر كل إمكانية مقاومة عمّالية أو نهوض شعبي.

هذا وجه من أوجه حقيقة الصراع في مجتمعنا اليوم. وهي حقيقة ظاهرة وجلية ولا تتطلب ذكاء خاصا لإدراك أنّ منظومة قيس سعيد الشعبوية لن يهدأ لها بال إلاّ بعد أن تتخلّص من الاتحاد. لذلك فإنّ اللهث وراء أوهام يزرعها سماسرة يروّجون الأمل في وساطات وتدخلات ليس غير مضيعة للوقت.

إنّ طريق النجاح في الخروج من هذا الوضع هو التمسك بحقوق الشغالين ومكتسبات منظمتهم والعمل بكلّ تفان في صفوف القواعد لتعميق القناعة بذلك من جهة وانخراط الاتحاد في حراك المقاومة الذي ينهض تدريجيا بين الأحزاب الديمقراطية والتقدمية صديقة الاتحاد ومكونات المجتمع المدني شريكته التقليدية.

ما نلاحظه ونلمسه في توجه القيادة الجديدة وسلوكها طوال المدة المنقضية يسير في الاتجاه المعاكس إذ مازال المكتب التنفيذي، فضلا عن انتظار لفتة كريمة من سيادته، ينآى بالاتحاد عن فضائه الطبيعي ألا وهو مكونات المجتمع السياسي والمدني الديمقراطي الذي تربطه بالاتحاد علاقة تفاعل وتعاون تاريخية في فترات الأزمات كما في فترات النهوض والرخاء.

صحيح أنّ ما ورد في لائحة الهيئة الإدارية الوطنية الأخيرة (4 جوان الماضي) وخاصة النقطة السادسة منها تنمّ عن نبرة جديدة نسبيا أكثر جرأة في مساندتها المطلقة للمحامين في نضالهم المشروع.. وللرابطة ولكافة الجمعيات والمنظمات الوطنية والمدنية المناضلة…”(1). ولكن هذه النبرة تحتاج إلى أن تتحوّل إلى خيار واعٍ ونشيط يدخل بمقتضاه الاتحاد في الجهد المبذول لا فقط للتنديد بالقمع والتعسف وتوصيف الواقع المرير وإنما لمساندة ضحايا القمع أوّلا وتحريك الساحات ضدّ خيار القمع ثانيا.

هوامش

1 – اُنظر النص الكامل للائحة الهيئة الإدارية الوطنية المنعقدة يوم 4 جوان 2026 على الرابط التالي:https://www.facebook.com/photo/?fbid=1513575263450648&set=pcb.1513575300117311

يتبع

إلى الأعلى
×