الرئيسية / عربي / اليمن “السعيد” بـ”مقاومته”.. هل طوى الميدان العسكري زمن “خفض التصعيد”؟
اليمن “السعيد” بـ”مقاومته”.. هل طوى الميدان العسكري زمن “خفض التصعيد”؟

اليمن “السعيد” بـ”مقاومته”.. هل طوى الميدان العسكري زمن “خفض التصعيد”؟

بقلم وليد المرداسي

في ذروة الخذلان الدولي، وفي اللحظة التاريخية العاصفة التي تآمر وتكالب فيها المحور الصهيو-أمريكي الفاشي، وتواطأت فيها الأنظمة الصامتة والمطبعة على دماء شعبنا النازف في غزة، قفز اليمن السعيد والصبور بعنفوانه الصاروخي وبأسه الأسطوري إلى خطوط الاشتباك الأمامية، مسطراً ملحمة بطولية وضعت حداً لزمن الاستفراد بالساحات، وكاسراً غطرسة الإمبريالية العالمية.

لقد أثبتت صنعاء الأبية، منذ اللحظات الأولى للمحرقة الصهيونية على قطاع غزة، أنها ليست مجرد ساحة إسناد تضامنية بل هي الرافعة الأكثر جرأة، والذراع الأشد جسارة، وحجر الأساس الصلب في بنيان محور المقاومة الذي لا ينكسر. والآن، والمنطقة برمتها تقف على حافة الانفجار الإقليمي الكبير جراء الهيمنة الإمبريالية الأمريكية السافرة والضربات الغادرة التي تستهدف تقويض حياض إيران وشعبه، يرفض اليمن المقاوم والصبور معادلات الاستضعاف؛ ضارباً عرض الحائط بكل التهديدات والترسانات الغربية. إن هذا التحول النوعي والفريد في العقيدة القتالية للمقاومة اليمنية قد جعل من البحر الأحمر وباب المندب ومحيط الطوق البحري مصيدة استراتيجية وكابوساً جيو-سياسياً ينسف مضاجع واشنطن وتل أبيب معاً، لترتبط الأنفاس والبنادق في خط نار ممتد من جبال اليمن الشامخة إلى أزقة غزة الأبية وعمق طهران المستهدفة، حيث نجحت القوة الضاربة لصنعاء في تحويل “وحدة الساحات” من شعار سياسي إلى حقيقة عسكرية معمدة بالدم، وساهم هذا الفعل الفدائي المنظم في خلط الأوراق الإقليمية، وتشتيت قدرات العدوان، وإعادة توجيه ضربات الردع لحماية جغرافيا المحور ومكتسباته في معركة الوجود.

لم تأتِ الجسارة العسكرية اليمنية الأخيرة مصادفة، بل أسدلت الستار على مسار طويل من محاولات الاحتواء السياسي الأمريكي. فمنذ الهدنة العسكرية عام 2022 – الهادفة لتجميد الجبهات وتأمين ممرات الطاقة – وظفت صنعاء التهدئة للاستعداد التعبوي وتطوير قدراتها العسكرية. واليوم، في ظل تجدد الحصار والضربات الجوية بغطاء من إدارة ترامب، تتحرر صنعاء من الالتزامات الدبلوماسية، وتنتقل في قفزة استراتيجية من تكتيك “المناورة” إلى “التصعيد الشامل والردع المفتوح”، مكرسةً بمعادلات النار مرحلة جديدة من معركة كسر العظام.

كسر الجمود وتجاوز الهدن غير المتكافئة

أحدثت التحولات الميدانية والسياسية الأخيرة في اليمن تبدلاً جذرياً، وأنهت مساراً طويلاً من سياسات الاحتواء والضغط التي مارسه المحور الصهيوأمريكي لسنوات. إن التفاهمات والهدن القائمة منذ عام 2022 تحت شعار “خفض التصعيد” والتي هدفت من خلالها القوى الرأسمالية المهيمنة وحلفاؤها في المنطقة إلى فرض حالة من “الاستقرار الهش” لتأمين خطوط الملاحة الدولية ومصالح الشركات النفطية الاحتكارية لم تمثل لـصنعاء التزاماً دائماً يقيد قرارها السيادي أو يمنعها من التحرك، على النقيض من ذلك، شَكّلت تلك المرحلة فرصة لإعادة ترتيب الصفوف، ورفع الكفاءة القتالية، وتطوير المنظومات الصاروخية وسلاح الجو المسير. ومع تصاعد وتيرة الصراع الإقليمي إسناداً للمقاومة الفلسطينية في غزة، تجاوزت صنعاء القيود الدبلوماسية؛ لتنتقل عبر قفزة نوعية من مرحلة الدفاع والمناورة إلى استراتيجية “المواجهة الشاملة والردع المفتوح”، معلنةً بفرض الإرادة الميدانية انتهاء عهد المساومات غير العادلة.

هدنة 2022 وبناء معادلات الردع خلف ستار الصمت الدبلوماسي

حين اندفعت الدوائر الإمبريالية نحو هندسة هُدن التهدئة قبل سنوات، كان المحرّك الأساس لمركز القرار الرأسمالي العالمي هو امتصاص مفاعيل الضربات البالستية التي طالت عصب الاقتصاد الاحتكاري، وزلزلت أركان تحالف العدوان في عقر داره. لقد سعت عواصم الاستكبار آنذاك إلى فرض “سلام بارد” يضمن تدفق النفط ويحمي مصالح الشركات الاحتكارية العابرة للقارات، دون تقديم حلول جذرية تنهي المعاناة الإنسانية، غير أن حسابات مراكز النفوذ الدولي اصطدمت بتكتيك المقاومة فقد فشلت في عزل الجبهة اليمنية عن مشغلها القومي تجاه قضايا التحرر الوطني وفي طليعتها القضية الفلسطينية.

لقد استحال ذلك الصمت الدبلوماسي التكتيكي إلى ورشة إنتاج وتصنيع هائلة تسابق الزمن؛ حيث عكفت سواعد المقاومة على تطوير جيل جديد من الصواريخ فرط الصوتية والمسيّرات الانقضاضية كاسرة التوازن. وبدلاً من أن تؤدي الهدنة غرضها في تدجين المقاومة اليمنية، خرجت منها أشد تماسكاً وأعظم اقتداراً، متأهبة لفرض شروطها السيادية بقوة السلاح وإرادة وحدة الساحات.

الضغوط القصوى لترامب وارتداد الحسابات

مع عودة إدارة ترامب إلى البيت الأبيض، وإحيائها الفوري لسياسة “الضغوط القصوى” عبر فرض حصار بحري خانق على الموانئ الإيرانية وتفجير اشتباكات مسلحة في مضيق هرمز، توهم صانع القرار في واشنطن أن فرصة الاستفراد بالجبهة اليمنية وعزلها قد حانت. وتُرجم هذا الوهم الشعبوي الامبريالي بمنح الرياض “ضوءاً أخضر” صريحاً للاندفاع نحو خيارات عسكرية محفوفة بالمخاطر؛ تمثلت في إقدام مقاتلات التحالف على قصف مباشر طال مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع هبوط طائرة مدنية تابعة لشركة “ماهان إير” الإيرانية، في محاولة لفرض شروط الاستسلام وتجديد الحصار الجوي.

بيد أن هذه الغطرسة الأمريكية المقنعة بأدوات رجعية إقليمية، جابهتها استراتيجية يمنية صاعقة نسفت الحسابات الإمبريالية بالكامل؛ إذ لم يتأخر الرد اليمني في دهاليز الشجب الدبلوماسي العقيم، بل جاء ليبرهن عملياً أن لغة الضغوط القصوى لم تعد صالحة للاستخدام في الساحة اليمنية، المدججة بقدرات ردع استثنائية وبقرار سيادي مستقل لا يملك أحد في هذا العالم حق “الفيتو” عليه.

معادلة “المطار بالمطار” وفرض قواعد الحظر الجوي المضاد

جاءت ترجمة الموقف الميداني لتجسّد قواعد الاشتباك الجديدة التي فرضتها صنعاء بقرار سيادي؛ حيث دوت زمجرات الطائرات المسيّرة الانقضاضية والصواريخ البالستية المطوّرة في صالات ومرافق مطار أبها الدولي جنوب غربي السعودية. لم يكن هذا الهجوم الواسع مجرد رد فعل عابر، بل تدشيناً علنياً لمعادلة “المطار بالمطار، والميناء بالميناء”، ولم تكتفِ صنعاء بتلك الضربة الصادمة التي شلت الحركة الملاحية، بل أتبعتها بفرض حظر جوي صارم، حذرت فيه كافة شركات الطيران العالمية من العبور أو استخدام الأجواء السعودية، حتى يُرفع الحصار بالكامل عن الأجواء اليمنية. هذا التحول الاستراتيجي الجريء نقل اليمن من موقع الدفاع والامتصاص، إلى تموضع الهجوم والتحكم بمفاتيح الحركة الاقتصادية، واضعاً المحور الصهيو-أمريكي أمام الحقيقة العارية: إن زمن الهدن المؤقتة المذلة قد دُفن، ولا أمن أو استقرار للطيران الدولي ما لم تنل صنعاء كامل سيادتها.

ختاما: الاستنتاجات الجيوسياسية في عهد “الردع المفتوح”

ترسخ المعطيات السياسية والجيوسياسية الراهنة حقيقةً استراتيجيةً كبرى، مفادها أن صنعاء غدت قطباً عصياً على الانكسار، ومحوراً أساسياً يعيد هندسة موازين القوى وصياغة المعادلات الإقليمية والدولية. لقد تبخرت أوهام التسويات المجتزأة والاتفاقيات الهشة تحت وطأة الضربات المسدّدة لسلاح الجو المسير، وولى بلا رجعة عهد الإملاءات الدبلوماسية والمناورات السياسية الخبيثة، التي أدارتها الغرف المغلقة لتأمين مصالح رأس المال الإمبريالي على حساب دماء الشعوب وتطلعاتها. إن معركة “كسر العظام” التي يخوضها اليمن اليوم بعقيدة صلبة، تتجاوز الذود عن الحدود الجغرافية الوطنية؛ لتشكل خط الدفاع الأمامي عن كرامة الأمة وعمقها الاستراتيجي، ونصرةً مطلقةً للمستضعفين في فلسطين المحتلة. وتثبت هذه الملحمة للعالم أجمع أن الانعتاق من براثن الهيمنة الصهيو-أمريكية لا يتحقق بالاستجداء على طاولات المفاوضات العبثية، بل تصنعه إرادة الشعوب الحرة بحد السلاح وفوهات البنادق، مؤذنةً بإنهاء زمن التفرد والغطرسة، وتدشين عصرٍ جديدٍ من الردع المفتوح.

إلى الأعلى
×