بقلم عيّاشي بالسايحيّة
تمتلك دولة الكيان الصهيوني القوة العسكرية والاقتصادية وتتمتع بدعم أقوى دولة امبريالية في العالم، وبالمقابل ومنذ تجمع عصابة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين لم تخفت أصوات أحرار العالم عن ترديد “فلسطين حره حره والصهيوني على بره”، على اعتبار وأن الحركة الصهيونية هي حركة عنصرية وجبت مقاومتها وساحة النضال الميداني شاهدة على إجماع شعوب العالم وقواها الثورية والتقدمية على عدالة القضية الفلسطينية وعلى حق كل الفلسطينيين في التحرر والانعتاق، وقد تم تسجيل استشهاد المئات من مختلف الجنسيات ومن مشرق الأرض ومغربها، وبذلك ترسخت لدى أحرار العالم ثقافة العداء والرفض لهذا الكيان.
هذه الحالة من للوعي بضرورة تحرير فلسطين من الاحتلال من جانب كل أحرار العالم أحزابا ومنظمات وجمعيات وأفرادا وحتى بعض أصحاب القرار في حكوماتهم، والإصرار والتعنت لإبادة الشعب الفلسطيني من جانب العصابة الصهيونية وبدعم مفضوح من الإمبريالية الأمريكية ومهما تغيرت ألوان حكامها وأسماؤهم فهي تبقى الراعي الرسمي للإرهاب العالمي والداعم الدائم للاحتلال. فالمسألة باتت واضحة لدى العدو بأن ترسانته الحربية والعسكرية المدمرة لا يمكن أن تصمد أمام إرادة الأحرار وفي مقدمتهم المقاومة على الميدان، إذ كلما شدد المحتل قبضته وتوسع في عملياته الاستيطانية كلما تضاعف جيش المقاومة وتصاعدت الضغوطات في العالم انتصارا لفلسطين ورفضا للعنصرية الفاشية الصهيونية.
كما بات متأكدا لدى بني صهيون ومن ورائهم الإمبريالية العالمية أن دولة الكيان لن تعمر إلا إذا تمتعت باعتراف دولي وأشكال علاقات “طبيعية” مع بقية دول العالم وذلك لمحو فكرة أن هذه الدولة هي عصابة غاصبة ومجرمة.
ولهذه الأسباب جاءت فكرة إبرام الاتفاقيات الإبراهيمية (نسبة إلى النبي إبراهيم باعتباره أبو الديانات الثلاثة) لإعطائها طابعا دينيا مقدسا لأن أصحاب هذا المشروع يعرفون جيدا وقع الوازع الديني وقوته وقدرة الدين على توفير حالة من الخضوع والقبول بمقتضيات تعاليمه، وتم إبرام اتفاقيات مع الإمارات والبحرين والسودان، في انتظار البقية، وهي اتفاقيات تهدف إلى تطبيع العلاقات الثنائية والجماعية في المنطقة تحت غطاء ديماغوجي من نوع إحلال السلام والتعاون الاقتصادي في مجالات العلم والصحة والتكنولوجيا وغيرها وهي مجرد عناوين فضفاضة يكذبها الواقع والممارسة لأنه تأكد لدى العالم أن دولة الكيان لم تخف رفضها لمحاولة إيران تطوير قدراتها التكنولوجية والطاقية العالية، وهكذا إذن فإن التطبيع المزعوم المراد منه هو التطبيع مع الهيمنة الصهيونية والاعتراف بها كأمر واقع، ولكن السؤال: هل أن قائمة الدول الممضية على الاتفاقيات الإبراهيمية هي تلك المعلنة والمنشورة أم هناك خفايا لم تتجاوز كواليس قوى الاستعمار والهيمنة؟ يكتسي هذا السؤال مشروعية كاملة لأن الإعلان عن قائمة الدول المطبعة لا يعني وقوف البقية في صف مقاومة التطبيع باعتبار تشريعاتها وعلاقاتها الدولية وتبعيتها الاقتصادية والسياسية للإمبريالية لا يمكن لها في أي حال من الأحوال أن تترك لها أي مجال لمجابهة العقوبات والضغوطات التي قد تنجرّ عن مقاومة التطبيع ورفضه وبذلك يصبح هناك شكلان من التطبيع يفرضهما الوضع الداخلي للدول ومواقعها الجيوسياسية: تطبيع معلن موثق ضمن اتفاقيات مكتوبة ومنشورة وتطبيع مستتر لا يعلم حدوده إلا أصحاب قرار رأس المال العالمي، ويمكن اعتبار التطبيع المتستر والخفي أخطر وأشد وطأة على مسار التحرر لما يسببه من تشويش في وعي الشعوب وخلق حالة من اللخبطة في المفاهيم وتعقيد إمكانيات الفرز الحقيقي بين أنصار التحرر وأنصار الخيانة والعمالة داخل المجتمع الواحد والشعب الواحد. ولنا في تجربتنا البسيطة والخاصة في تونس مثال حي على ذلك ؛ فالموقف الرسمي التونسي ومنذ حكم الترويكا كانوا يعارضون مطلب سن قانون لتجريم التطبيع بتعلة أن الفلسطينيين لا يريدون ذلك (كذا !!!) ولا نعرف عن أي فلسطينيين يتحدثون (قد يكون مثلهم عميل دحلان والصهاينة المدعو باسل الترجمان)، ثم بعد ذلك وخلال الحكم الشعبوي كان زعيمها صرح خلال حملته الانتخابية 2019 أن التطبيع خيانة عظمى ولكن لما تعلق الأمر بتحويل الشعار إلى ممارسة تشريعية واضحة رفضه شكلا ومضمونا بل صار يردد أن سن قانون يجرم التطبيع هو اعتراف بدولة الكيان (كذا !!!). وبالعودة إلى هذه المواقف المتعددة وأنصاف المواقف فإنها حرمت الشعب التونسي من شرف دور الريادة في الحسم في جريمة التطبيع والقطع نهائيا مع أي شكل من أشكال التعامل مع الحركة الصهيونية ومن اتخاذ المبادرات الوطنية والقومية والدولية لمحاصرة الحركة الصهيونية وإنهاء الاحتلال لأنه من المؤكد والأكيد أن غالبية الشعب التونسي منتصرة للحق الفلسطيني في التحرر والعودة إلا أولئك الذين أعمى الاصطفاف بصيرتهم وانطلت عليهم الديماغوجيا الشعبوية.
إن الانتصار للحق الفلسطيني وإسناد مقاومته الصامدة ليس شعارا يردد لكسب أصوات انتخابية ولا هو مزاج يخضع لحسابات الأغلبية والأقلية ولا هو في النهاية وجهة نظر بل هو مبدأ ثابت يستند إلى العمق الإنساني الأممي والقومي في القضية فإما أن تكون مناضلا من أجل حرية الإنسان وكرامته وإما أن تكون عدوا للإنسانية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
