الرئيسية / صوت العالم / إيران: حرارة المناخ… والحرب الإمبريالية
إيران: حرارة المناخ… والحرب الإمبريالية

إيران: حرارة المناخ… والحرب الإمبريالية

    بقلم حمادي المثلوثي

كتب لينين قبل أكثر من قرن، في كتابه الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية، أن الإمبريالية تمثل مرحلة من تطور الرأسمالية تحتدم فيها المنافسة على الأسواق والموارد وتقاسم العالم، فتغدو الحروب جزءا من منطقها الهيكلي. وبعد أكثر من مائة عام، لا يزال هذا التحليل يحتفظ براهنيّته، إذ تكشف الحرب على إيران، كما غيرها من الحروب في منطقتنا، أن الصراعات المعاصرة لا تنفصل عن سعي القوى الإمبريالية إلى الحفاظ على هيمنتها السياسية والاقتصادية والعسكرية.

لم يكن صيف هذا العام في إيران صيفا عاديّا، فقد اجتمع على البلاد تحدّيان ثقيلان في آن واحد: موجة حرّ وجفاف غير مسبوقة، وعدوان عسكريّ إسرائيليّ مدعوم مباشرة من الولايات المتّحدة وحلفائها.

وبينما كان الشعب الإيراني يواجه نقص المياه وانقطاعات الكهرباء تحت وطأة حرارة قياسيّة، كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإسرائيلية تستهدف منشآت عسكريّة وعلميّة وبنية تحتيّة، مضاعفة بذلك معاناة المدنيين. وهكذا التقت أزمة المناخ بأزمة الحرب، ليصبح المشهد الإيراني مرآة لعالم تتشابك فيه الكوارث الطبيعيّة مع الصراعات الجيوسياسيّة التي تغذيها الإمبرياليّة.

تشهد إيران منذ سنوات تفاقما في آثار التغيرات المناخيّة. ففي صيف 2025 تجاوزت درجات الحرارة خمسين درجة مئوية في عدد من المحافظات، وانخفضت التساقطات بنسبة 44% مقارنة بالمعدل السنوي،فأصبحت إيران تستغل  حوالي 80% من مواردها المائية المتجددة (أرفع معدلات الإجهاد المائي في العالم)، ولم تعد أزمة المياه مقتصرة على الأرياف، إذ تعاني آلاف القرى من نقص مياه الشرب، في الوقت الذي تواجه فيه مدن كبرى، مثل طهران وأصفهان ومشهد، ضغوطًا متزايدة على شبكات التزود بالمياه، وانقطاعات متكررة للمياه والكهرباء بسبب الجفاف وارتفاع الطلب، وهو ما يعكس اتساع آثار الأزمة لتشمل غالبية السكان، في الريف كما في المدينة، كما  أدى الجفاف إلى اتساع رقعة التصحر والعطش، وتراجع الإنتاج الزراعي وبالتالي ازدياد تدفق  الهجرة من الأرياف نحو المدن.

لكن هذه الأزمة ليست طبيعية فقط. فمنذ سنة 1995، حين وسّعت الولايات المتحدة نظام العقوبات على إيران بفرض حظر تجاري واستثماري شامل، دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة جديدة من الضغوط المتواصلة. ثم بلغت هذه العقوبات ذروتها بعد انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي سنة 2018 وإطلاق سياسة الضغوط القصوى“. وقد استهدفت قطاعات النفط والغاز والمصارف والنقل، وعرقلت تحديث البنية التحتية والحصول على التكنولوجيا والاستثمارات، ففاقمت الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي يتحملها الشعب الإيراني.

وجاء العدوان الإسرائيلي الأخير ليؤكد أن العقوبات الاقتصادية والحرب العسكرية ليستا سوى أداتين ضمن استراتيجية إمبريالية واحدة، هدفها إنهاك إيران وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بما يخدم المشروع الأمريكيالصهيوني في الشرق الأوسط، القائم على ضمان التفوق العسكري الإسرائيلي، وتصفية القضية الفلسطينية، ومنع قيام قوى إقليمية مستقلة، وإخضاع دول المنطقة للهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية الأمريكية.. فالغاية لم تكن تدمير بعض المنشآت أو اغتيال قادة وعلماء فحسب، بل إضعاف دولة تُعد، في نظر واشنطن وتل أبيب، من أبرز القوى الرافضة لهيمنتهما في الشرق الأوسط.

لكن الحرب كشفت أيضا حدود القوة العسكرية. فعلى الرغم من التفوق التكنولوجي الإسرائيلي والدعم الأمريكي غير المحدود لم يتحقق، حسب العديد من المراقبين، الهدف السياسي المعلن والمتمثل في كسر إرادة الدولة الإيرانية و فرض الاستسلام عليها. وهو ما يؤكد أن موازين الصراع لا تُحسم بالتفوق العسكري وحده، بل كذلك بقدرة الشعوب والدول على الصمود وتحمل الضغوط.

ومن منظور ماركسي لينيني، لا يمكن فهم ما يجري بمعزل عن طبيعة الرأسمالية في مرحلتها الإمبريالية. فالصراع على الموارد والأسواق والنفوذ يدفع القوى الإمبريالية إلى توظيف الحصار الاقتصادي والعدوان العسكري للحفاظ على هيمنتها في مواجهة عالم يشهد تحولات متسارعة وتراجعا نسبيا للأحادية القطبية. ولذلك فإن العدوان على إيران ليس حدثا معزولا، بل حلقة من سلسلة تمتد من فلسطين إلى لبنان واليمن وسوريا، حيث تتقاطع المصالح الإمبريالية مع المشروع الصهيوني لإعادة رسم المنطقة بالقوة.

ولا يعني ذلك تجاهل التحديات الداخليّة التي تواجهها إيران، سواء تعلق الأمر بالتضخّم الذي بلغ  حوالي 40% أو ارتفاع أسعار المواد الغذائيّة في بعض الفترات بأكثر من 40% أو نسبة البطالة  المقدرة بحوالي 9%على المستوى الوطني أو بإدارة الموارد المائية والاقتصادية. فتعزيز العدالة الاجتماعية، وتطوير الاقتصاد المنتج، وحسن إدارة الموارد، تبقى عناصر أساسية لتعزيز صمود المجتمع في مواجهة الضغوط الخارجية.

إن ما عاشته إيران هذا الصيف يختزل واقع عالم مضطرب. فحرارة المناخ تكشف حدود نموذج رأسمالي قائم على الاستغلال المفرط للطبيعة، فيما تكشف الحرب الوجه العدواني للإمبريالية في مرحلة تتعمق فيها أزماتها الهيكلية. وبين حرارة الجو وحرارة القصف  الصاروخي، يدفع الشعب الإيراني، كما تدفع شعوب فلسطين ولبنان واليمن وغيرها، ثمن نظام عالمي يقوم على الهيمنة والاستغلال وإشعال الحروب.

إن التضامن مع الشعوب المستهدفة بالعدوان لا يعني تأييد سياسات الأنظمة أو التغاضي عن تناقضاتها الداخلية، بل هو دفاع مبدئي عن حق الشعوب في السيادة الوطنية ورفض الهيمنة الأجنبية. وضمن هذا السياق، فإن صيف إيران لا يمثل مجرد حدث عابر، بل يكشف أن أزمات المناخ والعقوبات والحروب أصبحت وجوها متعددة لأزمة النظام الرأسمالي الإمبريالي، وأن النضال من أجل التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية يظل الطريق الأساس لبناء عالم أكثر عدلا وسلاما.

إلى الأعلى
×