الرئيسية / صوت الوطن / سبع سنوات من حكم سعيد فشل على طول الخط (الجزء الثاني)
سبع سنوات من حكم سعيد فشل على طول الخط  (الجزء الثاني)

سبع سنوات من حكم سعيد فشل على طول الخط (الجزء الثاني)

بقلم حمّه الهمّامي

ذكرنا في الجزء الأوّل من هذا المقال أنّ التغيير الحقيقيّ لن يكون إلّا من صنع الشعب بمختلف طبقاته وفئاته شريطة أن يكون مُنَظّم الصفوف وملتفّا حول برنامج وخطّة سياسية حتّى يضمن الانتصار على منظومة الحكم الشعبويّة ويسدّ الباب أمام التلاعب من جديد بمطالبه ومصالحه كما حصل في ثورة 2010-2011. إنّ مسألة السلطة كانت وما تزال المسألة المركزيّة في كلّ صراع اجتماعيّ، سياسيّ إذ يسعى كلّ طرف من الأطراف المتقابلة والفاعلة في الحركة إلى حسمها لصالحه ليحقّق بها أهدافه ومصالحه.

إنّ قوى اليمين المعارضة بمختلف شقوقها لا تفكّر اليوم إلّا في كيفية العودة إلى السلطة عبر تفاهمات مع بعضها ومع مؤسّسات الحكم والحلفاء الغربيّين التقليديّين أو بعض القوى الإقليميّة الرجعيّة  وهي لا ترى واقعيّا في الحركة الاجتماعيّة والشعبيّة سوى “ورقة” ضغط لتحقيق أهدافها التي لا تتجاوز في أقصى الحالات العودة إلى نظام ليبراليّّ بورجوازيّ مغشوش بنفس الاختيارات الاقتصاديّة والاجتماعيّة النيوليبراليّة التابعة التي عاني منها الشعب التونسي وما يزال. وهو ما يفسّر انحصار مقترحات تلك القوى في الدعوة إلى تفاهمات فوقيّة، بمعزل عن الشعب، على “صيغة انتقالية” وتأجيل الخوض في خيارات البلاد السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية بدعوى أنّ الأولوية اليوم لإسقاط منظومة الاستبداد.

إنّ إسقاط الاستبداد وإن كان يمثّل فعلا المهمة الرئيسية اليوم فإنّه لن يتم بشكل جذري وعميق إلا عن طريق التعبئة الشعبية، والالتفاف حول بديل يقطع مع المنظومة الحالية بعيدا عن كلّ شكل من أشكال التدخّل الأجنبي. وهو ما يطرح مباشرة العمل على تحقيق هذه التعبئة انطلاقا من واقع الحركة الحالي الذي يتسم ببداية نهوض ومن مطالبها المُلحّة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع ربط ذلك ببديل عام وشامل. ولكن هذه التعبئة ينبغي أن ترتبط بالتنظيم، فالتنظيم الذاتي للحركة الاجتماعية والشعبية يكتسي أهمية بالغة لا في عملية إسقاط نظام الاستبداد فحسب وإنّما أيضا في تحديد مستقبل البلاد وخياراتها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.

إن الطابع العفوي لثورة 2010-2011  هو الذي سمح لقوى اليمين بالمناورة بدعم قوى خارجية، دوليّة وإقليمية لتوجيه المرحلة الانتقالية وحسم مسألة السلطة لصالحها والالتفاف على الثورة. إن الحضور المنظّم والفاعل للعمال والكادحين والنساء والشباب والمثقفين والمبدعين سيسمح لهم بالقيام بدور حاسم في أي مرحلة انتقالية تعقب حكم قيس سعيّد وذلك بالتصدّي لمحاولات “تجديد” المنظومة من داخلها أو عبر عقد مفاهمات بين قوى اليمين للالتفاف على مطالب الشعب أو إدخال البلاد في حالة من الفوضى بتدخل أو تحريض خارجي، إقليمي أو دولي.

إن المقصود بالتنظيم الذاتي للحركة الاجتماعية والشعبية هو كافّة أشكال التنظّم في المستويين الطبقي والقطاعي (الشبابيّ، النسائيّ، الثقافيّ…) والجغرافيّ (الحيّ، القرية، المدينة….). ويمكن لهذه التنظيمات أن تتّخذ شكل مجالس أو لجان ينخرط فيها العامل والأجير والفلاح والمعطّل عن العمل والسياسي، المنظم أو المستقل، والنقابي والمثقف والمبدع والمرأة والشاب.  إنّ هذه الأطر ستشكّل فضاء لمناقاشة خيارات البلاد العامة وتقديم المقترحات والتصورات والبدائل والحسم فيها بأساليب ديمقراطية. كما أنّها ستكون أداة للنضال والتعبئة في الشارع لحماية المسار من أيّ انزلاق خطير ضد الشعب

إنّ أحد أهمّ هنات ثورة 2010-2011 هو أنّها لم تتطوّر بالشكل وإلى الحدّ الذي يسمح لها بتطوير أطرها الذاتية (لجان حماية الثورة) التي تحميها وتؤطّرها وتثبّتها وتمكّنها من حسم المعركة لصالحها وهو ما سمح لقوى اليمين بالالتفاف عليها  ووأدها في المهد واستبدالها بميليشيات فاشية (الروابط). إنّ مهمّة القوى الثوريّة والديمقراطيّة التقدّمية أن تنصهر في النضالات العماليّة والشعبيّة المنظّمة والعفويّة على حدّ سواء وتعمل على الرفع من درجة وعيها وتنظيمها بهدف ضمان استقلاليّتها عن قوى اليمين الرجعي الذي يسعى بكل الوسائل إلى بسط هيمنته على التحركات الاجتماعية والشعبيّة وتوظيفها لصالح عودته أو وصوله إلى السلطة لإعادة إنتاج نفس النظام السياسيّ والاجتماعيّ بعناوين وصيغ جديدة

إنّ حزب العمّال يعتبر أنّه من المهمّ أن يكون للحركة الاجتماعيّة والشعبيّة تصوّر للمرحلة الانتقالية التي تعقب سقوط منظومة الاستبداد. إنّ سدّ الفراغ الذي سيتركه سقوط المنظومة يقتضي مباشرة وجود أداة سياسيّة تنفيذيّة التي ستكون مهمّتها قيادة الفترة اللاحقة بصورة مؤقّتة. وهذه الأداة لن تكون سوى حكومة مؤقتة. ومن المؤكّد أن تشكيل هذه الحكومة سيخضع لموازين القوى في اللحظة المعيّنة، فبقدر ما تكون هذه الموازين لصالح الحركة الاجتماعية والشعبية والقوى الثورية والتقدميّة المنصهرة فيها، تكون الحكومة المؤقّتة أقرب إلى الشعب وأقدر على تحقيق مطالبه والدفاع عن مصالحه وتعبيد الطريق نحو تركيز نظام وطني، ديمقراطي، شعبيّ بحقّ.

فماهي المهام والإجراءات المستجلة التي ستكون منوطة بعهدة هذه الحكومة المؤقتة؟

10 إجراءات سياسيّة

أوّلا : ففي الجانب السياسي سيكون من مهام هذه الحكومة توفير الأمن للشعب التونسي وحماية مكتسباته وبعث مناخ سياسي ديمقراطي باتخاذ إجراءات عاجلة تقضي بما يلي :

1-إصدار عفو تشريعي عام يشمل كافة المحكومين في قضايا رأي

2-إيقاف العمل بدستور الانقلاب والأمر 117 

3-إلغاء كافة مراسيم سلطة الانقلاب المنتهكة للحريات والديقراطية واستقلالية القضائيّة علاوة على مراجعة المنظومة الجزائية والعقابية على أساس توفير العدل واحترام الكرامة الإنسانية وتوفير شروط المحاكمة العادلة

4-إلغاء قانون حالة الطوارئ 26 جانفي 1978

5-ضمان المساواة بين المواطنين/المواطنات واحترام حرية الفكر والضمير والتعبير والتنظّم والإبداع ورفع القيود عن نشاط الأحزاب ومكونات المجتمع المدني والنقابات.

6-حلّ المجالس والهيئات الصورية التي أنشأها قيس سعيد (البرلمان، مجلس الأقاليم والجهات، الهيئة العليا للانتخابات…)

7-إعداد قانون انتخابي جديد تتم مناقشته صلب الأطر الشعبية (جلسات عامة..) ويكون الهدف منه تمكين مختلف الطبقات والفئات الشعبية من التمثيل في المجلس التشريعي

8-إلغاءالاتفاقيات العسكرية والأمنيّة، المعلومة وغير المعلومة (السرية) الماسة بسيادة تونس واستقلالها.

9-تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني

10-الإشراف على تنظيم انتخابات ديمقراطية للمجلس التشريعي الجديد الذي ستكون من مهامه البتّ في دستور البلاد وفي نظامها السياسي مع تشريك  المواطنات والمواطنين في نقاش كافة مواد الدستور عبر التنظيمات والأطر الشعبيّة المناسبة.

ثانيا :أمّا في الجانب الاقتصادي والاجتماعي فإنّ الحكومة مؤقتة مطالبة باتخاذ إجراءات مستعجلة لإنقاذ البلاد من الانهيار الاقتصادي والمالي وتحسين أوضاع الشعب المادية والمعنويّة وفتح الطريق نحو مراجعة جذرية للخيارات اللاوطنيّة واللاشعبيّة المتّبعة حتى اليوم وإرساء أخرى جديدة تضمن حق المواطن في الشغل والصحة والتعليم والسكن والنقل والتنمية الجهويّة والمحليّة والثقافة وفي بيئة سليمة تأخذ بعين الاعتبار حقوق الأجيال القادمة. 

10 إجراءات اقتصاديّة 

1-تأميم القطاعات الاستراتيجيّة والتجارة الخارجيّة

2-إلغاء الاتفاقيات الاقتصاديّة والتجاريّة غير المتكافئة

3-تعليق تسديد المديونيّة لمدّة ثلاث سنوات وإجراء تدقيق حولها.

4-سداد الديون الديوانيّة المتخلدة بذمة الموردين واسترجاع أموال الدولة لدى الشركات والخواص (متخلدات ضرائب…)

5-إقرار ضريبة استثنائيّة على الشركات والبنوك والثروات الكبرى

6- إدماج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد المنظّم

7- تأميم القطاع البنكي وإعادة هيكلته بهدف تطوير الاستثمار في القطاعات المنتجة والخدمات الأساسية .

8-الوقف الفوري للتوريد العشوائي وتحديد قائمات في الحاجات الأساسية الموجهة إلى القطاعات المنتجة والخدمات العامة (صحة، تعليم، نقل…)

9-إيقاف العمل بالحوافز المالية والجبائية ومِنح الاستثمار  للشركات الأجنبية وإلزامها بإبقاء مرابيحها في تونس لفترة ثلاث سنوات

10-تحويل الأراضي الدوليّة إلى تعاونيات فلاحيّة تمهيدا لإصلاح زراعي شامل

ملاحظة : هذه الإجراءات من شأنها توفير موارد لحكومة المرحلة الانتقاليّة تسمح لها بالاستثمار مباشرة في القطاعات المنتجة وفي الخدمات الأساسية، وهو ما من شأنه خلق قاعدة مادية لمقاومة البطالة وتوفير المنتوجات والخدمات الضرورية.

10 إجراءات اجتماعيّة

1-مضاعفة الأجر الأدنى للعمال/العاملات في القطاعين الصناعي والفلاحي وتعميم التغطية الاجتماعية على كافة الأجراء وصيانة حقوق المتقاعدين وتحسين ظروف حياتهم.

2- إقرار منحة للمعطّلين عن العمل مع منحهم الحق في العلاج والتنقل مجانا إلى حين انتدابهم.

3-تمكين الشباب في الأرياف من مقاسم فلاحية ومساعدتهم على استغلالها في إطار تعاونيات

4-إلغاء ديون الفئات الصغرى من الفلاحين والبحارة والحرفيين ودعمهم لتطوير إنتاجهم

5-تأميم القطاع الصحّي: صحة عمومية واحدة ومجانية للشعب

6-تأميم التعليم : تعليم عمومي واحد، راق ومجان.

7- ضبط خطة وطنية لحماية البيئة من التلوث وإنقاذ المناطق المتضررة وصيانة المائدة المائية وضبط خطة وطنية لتنميتها واستغلالها لتوفير الماء الصالح للشراب لعموم الشعب.

8- إلغاء كافة أشكال التمييز في الحقوق بين الرجال والنساء والاعتراف الكامل بالأمومة كوظيفة اجتماعية وإقرار العلاج المجاني للمرأة عند الحمل والوضع وبعده وتوفير المحاضن ورياض الأطفال العمومية وحماية المرأة من العنف عبر إيجاء الآليات لتفعيل القانون.

9-إلغاء كافة القيود على حرية الإبداع وتوفير الدعم للمثقفين والمبدعين في إطار سياسة عمومية تنهض بالثقافة وتحررها من الطابع الاستهلاكي لتكون أداة للارتقاء بالوعي الفردي والجماعي  

10-تقليص ساعات العمل للشبان البالغين من العمر ما بين 18 و25 سنة مقابل أجر كامل لتمكينهم من مواصلة تعليمهم وتكوينهم وتخصيص نسبة من المساكن للشباب بأسعار في متناولهم وتحسين البنية الأساسية الرياضية للشباب وعموم التونسيين

هذا هو برنامج الحد الأدنى الذي يطرحه حزب العمال لإخراج تونس من أزمتها. إنّ التخلّص من منظومة الاستبداد ينبغي أن يرتبط ببديل حتى لا تتكرر أخطاء الماضي ويُعاد إنتاج الاستبداد والدكتاتورية في صيغ جديدة.

إلى الأعلى
×