الرئيسية / صوت الوطن / حتى لا تكون تونس موضوع “حفل شواء” إقليمي ودولي
حتى لا تكون تونس موضوع “حفل شواء” إقليمي ودولي

حتى لا تكون تونس موضوع “حفل شواء” إقليمي ودولي

بقلم علي الجلولي

صرّح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في لقاء إعلامي دوري مع الصحافة المحليّة بتاريخ الاثنين 27 جويلية 2026 بأنّ أمن تونس من أمن الجزائر والعكس بالعكس  وأن من يريد جلب الإرهاب إلى تونس وتهديد أمنها سيتلقّى ردّا حاسما من الجزائر. وقد أثار هذا التصريح جدلا واسعا وردود فعل مختلفة في الساحة السياسية التونسية بين طرف أوّل، يمثل شقّا من المعارضة، يرى فيه استنقاصا من السيادة التونسية وتعبيرا مبطّنا عن وصاية وبين طرف ثان، موال لسلطة الانقلاب، يثمّنه ويرى فيه “تكريسا لعلاقات الأخوة والتضامن بين البلدين والشعبين”. وبين طرف ثالث يؤكّد على أهميّة الوضوح واجتناب الانتقائية وعدم الخلط بين مصالح الأنظمة ومصالح الشعوب في مثل هذه المسائل ويحذّر من وضع تونس المتدهور الذي يغذّي الأطماع.

 ما من شكّ في أنّ تصريح الرئيس الجزائري ليس الأوّل من نوعه فقد سبقه تصريح مماثل قَبْلَ مدّة. أضف إلى ذلك أنّ من الأشياء التي ظلّت تثير الحذر حتى لا نقول الريبة الاتفاقية الأمنيّة/العسكريّة المبرمة بين نظامي البلدين في خريف 2025 والتي لم يُكشف مضمونها وهو ما فتح الباب للتأويلات والإشاعات في سياق أوضاع إقليميّة وجهويّة ودوليّة شديدة الاضطراب. ولكن ما كان للأمور أن تختلط بهذا الشكل لولا الهشاشة العامة التي أوقعت فيها سلطة الانقلاب تونس ممّا جعلها فريسة لكل المطامع. فالدولة مفكّكة والسجون تعجّ بمنتقدي النظام ومعارضيه نتيجة الحكم الفردي المطلق والاقتصاد منهار والمجتمع ممزّق تنهشه البطالة والفقر والجريمة، زدْ على ذلك خطاب الكراهيّة والتخوين، الشعبوي والبدائي، الذي يروّجه قيس سعيّد وأتباعه لتوتير الأوضاع وحرف الأنظار عن مصدر الفشل والعجز.

 كلّ هذه العوامل تجعل تونس في موقع ضعيف وتَحُدُّ من قدراتها على صيانة سيادتها الوطنية المنتهكة بألف شكل وشكل ومواجهة مخطّطات القوى الامبريالية-الصهيونية وعملائها لإعادة ترتيب المنطقة وتقسيمها سواء عبر زرع الفتن الطائفية والدينية والأثنية باستعمال المجاميع الإرهابيّة أو عبر الانقلابات العسكريّة الموالية. وتمثّل الجزائر أحد أهداف مشروع الشرق الأوسط الجديد. ومن هذا المنطلق تصبح محاصرتها شرقا، من تونس المنهكة، وغربا من المخزن الذي وثّق علاقته بالكيان النازي، جزءا من مخطط تقسيمها لإخضاعها ونهب ثرواتها. ومن الطبيعي أن تتطلّب مثل هذه الأوضاع الكثير من اليقظة وأن تتكاتف جهود بلدان المنطقة وشعوبها ومن باب أولى وأحرى الشعبان التونسيّ والجزائريّ لمواجهة المخاطر المحدقة بتقوية جبهاتها الداخلية وتعزيز تضامنها.

لكنّ ضرورة التضامن والتعاون شيء والوصاية شيء ثان. إنّ الشعب التونسي، مثله مثل بقية المنطقة، هو المسؤول الأوّل عن أمنه وسلامته وهو قادر على تحدّي «الدويلة» التي قصدها الرئيس الجزائري في حديثه وغيرها من أدوات الاستعمار والصهيونيّة. هذا أوّلا وثانيا فإن التضامن مع تونس لا يعني تحويل نظامها إلى تابع وحمايته من غضب شعبه ومن معارضيه بدعوى الحفاظ على الاستقرار أو التصدي للأخطار الخارجية فالشعب التونسي أدرى بمصالحه وهو المسؤول عن اختيار النظام الذي يحكمه وهو قادر على فرض احترام إرادته رغم ظروفه الصعبة. 

 هذا أوّلا. ولكن لا يمكن التوقّف عند هذا الحدّ. فإذا كان من الضروري توضيح الأمور مع النظام الجزائري، فمن باب أولى وأحرى توضيح الأمور مع من يهيمن فعلا على تونس وينتهك سيادتها ويتدخل في شؤونها ويعيق تطوّرها ويحكم عليها بالتخلف حتى لو تظاهر أحيانا بانتقاد نظام حكمها سواء من باب « التقية » أو للمطالبة بمزيد الخضوع. ونعني هنا الدول الاستعمارية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي التي تمارس هيمنة متعدّدة الأطراف على بلادنا. كما نعني بعض دول المنطقة التي ما فتئت منذ الثورة تتدخل في الشأن التونسي لإيجاد موطئ قدم ونقصد هنا قطر وتركيا. فالأمر لا ينحصر في نظام السيسي وفي الإمارات والسعودية فحسب فكل من هذا القطبين سعى إلى التدخل في تونس ووجد من يصطف وراءه.

 فما القول في الاتفاقية التي أبرمها الباجي قايد السبسي ووقعها مستشاره سنة 2015مع إدارة أوباما بواشنطن والتي تمنح تونس رتبة “حليف رئيسي” أو “عضو أساسي” من خارج الناتو  وهي نفس الرتبة التي يتمتع بها الكيان الصهيوني الذي ظل ممثل النظام التونسي منذ ذلك الوقت إلى اليوم يحضر إلى جانبه في اجتماعات الحلف الموسعة دون حرج؟ وما القول أيضا في الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي ومع إيطاليا خصوصا بشأن الهجرة أو بالأحرى بشأن تحويل تونس إلى حارس حدود أوروبا الجنوبية مقابل حفنة من اليوروات؟ وما القول بشأن اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي لم تلغ حتى الساعة رغم ما أحدثته من خراب بالاقتصاد التونسي؟ وما القول في الضغوط التي مارستها السفارة الأمريكية على قيس سعيّد لسحب القانون المجرّم للتطبيع؟ أليست كل هذه النقاط جديرة بتحرير عرائض وطنية في شأنها؟ أليس من الغباء تصديق انتقادات بعض المسؤولين الغربيين في واشنطن أو في بعض العواصم الأوروبية المعروفين بنزعاتهم اليمينية المتطرفة والترويج لها وكأن فيها دعما لنضال الشعب التونسي وقواه الديمقراطية ضد الانقلاب؟

   إن الوطني الحقيقي لا ينبغي أن ينقاد بفكرة مهاجمة كل من يصادق نظام سعيد ومصادقة من ينتقده أو يعاديه حتى لو كان عدوا لتونس وشعبها. إنّ هذا الموقف خاطئ من الأساس فلا ينبغي بأي حال من الأحوال تفضيل وصاية على أخرى فمن يريد أن يكون متماسكا عليه أن يرفض كل أشكال الوصاية والتبعيّة والتدخل الأجنبي في شؤون وطنه ويدعو إلى التحرّر منها. إن حزب العمال يرفض بشكل قطعي ومبدئي كل أشكال الوصاية الهيمنة والتدخل مهما كان مأتاه. وإذا كان  لا بد من اليقظة حيال النظام الجزائري والتعويل على نصرة الشعب الجزائري لنا، فالمطلوب مع الدول الاستعمارية ليس اليقظة فحسب وإنما مقاومتها في الأرض لأنها تهيمن علينا وتتدخل في شأن بلادنا فعليّا. وإذا كان علينا الانتباه إلى محاولات تلك “الدويلة” الخليجية القيام بأدوار قذرة في منطقتنا كتلك التي قامت وتقوم بها في ليبيا والسودان واليمن بتنسيق مع واشنطن وتل أبيب فعلينا الانتباه أيضا إلى الدور الذي تقوم به أنظمة قطر وتركيا ومصر والسعودية ونظام المخزن في المغرب من أدوار لا تقل خطورة عن دور تلك “الدويلة”. فالسيادة الوطنية لا تتجزّأ وواهم من يعتقد في أنّه بإمكانه الاعتماد على خصوم قيس سعيد في التخلص من نظامه الاستبدادي.

 وفي المحصلة فإذا كنّا اليوم نخوض في مسألة السيادة الوطنيّة فالسبب يعود كما قلنا أعلاه إلى كون نظام قيس سعيّد رغم ما يقيمه من ضجيج حول هذه المسألة فإنّه أغرق بلادنا في التبعية شأنه شأن منظومات الحكم التي تعاقبت على تونس قبل الثورة وبعدها وإذا كان له من دور خاص قام به فهو الوصول بتونس إلى درجة غير مسبوقة من الانهيار العام والشامل التي تجعلها موضوع “حفل شواء” دولي، الكلّ تثير مطامعه لهذا السبب أو ذاك في لحظة اضطراب دولي وإقليمي في غاية من الدقة والخطورة. وفي مثل هذه الحال فإن الشعب التونسي، الواعي والمنظّم والمتّحد، هو القادر وحده على وضع حدّ لهذا الانهيار والتصدّي لكافة مخططات الهيمنة على بلادنا والتدخل في شؤونها وهو ما يتطلّب التخلّص من نظام الاستبداد وإعادة بناء وطننا على أسس صلبة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيّا.

 “ما يندبلك كان ظفرك” كما يقول المثل التونسي، “كل واحد شيطانو في جيبو” و”ما ثماش قطوس يصطاد لربّي”، فالجميع لا تهمّه سوى مصالحه ولا تعويل إلّا على الذات وعلى تضامن الشعوب والقوى المعادية للاستعمار والصهيونية والرجعية وصديقك هو من يحترم سيادتك واستقلالية قرارك ولا يتدخّل في شؤونك. ولا بدّ في النهاية من التذكير بعمق العلاقة التي جمعت تاريخيا الشعبين التونسي والجزائري ووحدتهما في مواجهة الاستعمار وما من شكّ أن ما يجمعهما اليوم ويوحّدهما هو أن يعيشا بسلام في ظلّ نظامين وطنيين، ديمقراطيين، يحققان  في ظلهما الازدهار ويعيشان في كنف الحرية.

إلى الأعلى
×