الرئيسية / الافتتاحية / في الذكرى 70 لصدور مجلة الأحوال الشخصيّة: من أجل قانون عائلي جديد يكرّس المساواة
في الذكرى 70 لصدور مجلة الأحوال الشخصيّة: من أجل قانون عائلي جديد يكرّس المساواة

في الذكرى 70 لصدور مجلة الأحوال الشخصيّة: من أجل قانون عائلي جديد يكرّس المساواة

تمرّ اليوم الذكرى 70 لصدور مجلّة الأحوال الشخصيّة التونسيّة. ومثّلت هذه المجلّة في ظرفيّتها التاريخية حدثا هامّا لا في تونس فحسب بل في كافة البلدان العربية والإسلاميّة. ويعود ذلك إلى ما جاءت به من إصلاحات متقدّمة مقارنة بالسائد في تلك البلدان. وتتمثّل هذه الإصلاحات في منع تعدّد الزوجات وتجريمه وإقرار الطلاق القضائي ومنع الزواج القسري وإلغاء سلطة الوليّ على إجبار ابنته على الزواج وتحديد سنّ الزواج لمنع تزويج القاصرات وحماية الأطفال. وعرفت هذه المجلّة بعض التحويرات اللاحقة التي شملت مثلا إلغاء “واجب الطاعة” الذي نُصّ عليه في الفصل 23 من المجلة في نسختها الأولى وعُوّض بمبدأ التعاون على تسيير شؤون الأسرة وتربية الأبناء (القانون عدد74 لسنة 1993 المؤرّخ في 12 جويلية 1993) كما مُنحت المرأة حقّ نقل جنسيّتها لأطفالها بقطع النظر عن مكان الولادة أو جنسية الأب (ديسمبر 2010). ولكن رغم ما جاء في المجلة من مكاسب عند صدورها وما لحق ذلك من تعديلات فإنّها لم ترتق إلى مستوى التنصيص على المساواة التامة في الحقوق بين الجنسين التي طالب بها رموز الحركة الإصلاحية في تونس وعلى رأسهم الطاهر الحدّاد وبقيت رهينة النظام الاجتماعي، التابع والاستبدادي، الذي أنتجها.
كانت مجلّة الأحوال الشخصيّة منذ بدايتها محاولة للتوفيق بين التقليد والحداثة. وحتّى الفصول التي تمّ فيها القطع مع التقليد ونعني بالخصوص منع تعدّد الزوجات فقد سعى المشرّع إلى إيجاد مداخل فقهية/دينية لها (عدم العدل بين الزوجات). ورغم النضالات النسويّة الحاضرة بقوّة منذ سبعينات القرن الماضي والمدعومة من الأحزاب والنقابات والجمعيّات والمنظّمات الحقوقيّة التقدميّة، ورغم المشاركة المكثّفة للنساء في الثورة التونسيّة ودورهنّ في تضمين دستور 2014 مبدأ المساواة وإفشال محاولات حركة النهضة وحلفائها استبداله بمبدأ “التكامل” المزعوم، فقد ظلّ القانون العائلي التونسي دون المأمول ولم يعكس حتى ما جاء في الدستور كما لم يعكس ما تحقّق لنساء العالم من خلال الاتفاقيات والمعاهدات الدوليّة وفي مقدّمتها الاتفاقيّة الدوليّة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة الصادرة منذ عام 1979.

لقد حافظت المجلّة على طابعها الهجين “شبه التقدّمي-شبه المحافظ” في أكثر من مجال. فمؤسّسة المهر قائمة إلى اليوم وكذلك التمييز في الميراث وحصر رئاسة العائلة في الزوج وما يتبع ذلك من احتكار سلطة القرار في أكثر من مجال، كما أن أشكال الطلاق المطروحة وما فيها من تعقيدات كانت ومازالت لغير صالح المرأة. ومع انقلاب 25 جويلية 2021 وسيطرة الشعبوية اليمينية المتطرّفة على السلطة بدعم من المؤسستين العسكرية والأمنية أصبحت مكاسب النساء المحدودة في القانون العائلي عرضة للمخاطر. فسعيّد لم يُخف معارضته للمساواة بين الجنسين بعنوان الالتزام بـ”أحكام الشريعة”. وفي نفس الوقت ما انفكّت تتعالى أصوات بعض أنصاره في برلمان الدمى داعية حينا إلى إيكال إجراء الطلاق بالتراضي إلى عدول التنفيذ عوض المحاكم، وحينا ثانيا إلى إصدار عفو في قضايا النفقة وأخيرا وليس آخرا، دعا أحد النواب إلى “مراجعة عاجلة لبعض المكاسب” (قاصدا منع تعدد الزوجات) بدعوى مواجهة “تحدّ ديمغرافي متصاعد”. وهذا الصوت المسعور ليس منفردا إنّما هو جزء من حملة ماكرة تستهدف مكاسب النساء، “العدوّ” الجديد المرشّح، على ما يبدو، لتلهية الناس عن المتسبّب الحقيقي في متاعبهم وآلامهم.

إنّ منظّمة مساواة إذ تستنكر دعوات هذه الأصوات الناعقة إلى الارتداد عن المكاسب التي تحقّقت للمرأة التونسيّة بفضل نضالاتها ونضالات كافة القوى التقدميّة، فإنّها تؤكّد أنّ ما يفرضه واقع اليوم هو عكس ما تردّده هذه الأصوات، هو توسيع تلك المكتسبات وتطويرها والارتقاء بها إلى مستوى إقرار المساواة التامة بين النساء والرجال لا في مجال الأحوال الشخصيّة فحسب بل في كافة المجالات الأخرى السياسية والاجتماعية والثقافية. إن خروج النساء إلى العمل ومشاركتهنّ النشيطة في إنتاج الثروة وفي الخلق والإبداع وفي الحياة العامة يفنّد كل الأفكار المسبقة التي رُوّجت وتروّج حولهنّ سواء بأغلفة دينيّة أو عِلماويّة مزيّفة أو ثقافويّة وتؤكّد جدارتهن بالمساواة بالمساواة وتفسّر أنّ ما يبدو عليهنّ من تخلف وجهل نابع من ظروف عيشهنّ ومعاملتهنّ وليس من طبيعتهنّ.

إنّ ما يتطلبه النهوض بأوضاع نساء تونس اليوم تماشيا مع تطور مكانتهنّ في المجتمع ليس إدخال تنقيحات جزئية على مجلة الأحوال الشخصية وإنما إعادة صياغتها بالكامل في شكل قانون جديد للعائلة، مدني، يقضي بالزواج المدني القائم على الاختيار الحرّ، ويقرّ المساواة التامة بين الزوجين ممّا يعني إلغاء القوامة وكافة أشكال التبعيّة القانونيّة للزوج وحرية اختيار العمل واللقب والسكن كما ييسّر إجراءات الطلاق الذي يكون حقّا متاحا للطرفين على أساس الرغبة المتبادلة أو طلب أحد الزوجين بعيدا عن التعقيدات الحالية. وبالإضافة إلى ذلك يتولّى القانون الجديد نقل جانب هام من أعباء التنشئة والتربية إلى المؤسسات العموميّة (دور الحضانة، رياض الأطفال، المدارس…) لتخفيف الأعباء عن المرأة العاملة.

إن النضال من أجل تحقيق هذا القانون العائلي الجديد يتطلّب من نساء تونس ومن كافة القوى التقدّمية التصدّي لكافّة محاولات الارتداد عن مكاسب النساء والعودة بهنّ إلى الوراء سواء فيما يتعلّق بمنع تعدّد الزوجات أو بحقوق المرأة داخل العائلة وفي حالة الطلاق. كما يتطلّب منها الخروج من منطقة الدفاع إلى منطقة الهجوم فالدفاع عن المكاسب، سواء في مجال العائلة أو غيره من المجالات، يتمّ عبر دعمها بمكاسب جديدة والعمل على تحويلها إلى منظومة كاملة ومتماسكة على أنقاض المنظومة القديمة القائمة على التمييز الذي يسهم في تأبيد نظام الاستبداد والاستغلال والتبعيّة في بلادنا الذي لن تحقق النساء مطمحهنّ إلى التحرر الكامل من الاضطهاد وتحقيق المساواة إلّا بالتخلّص منه بشكل جذري وكامل وإقامة نظام ديمقراطي، شعبي، بقيادة العمال والكادحين على أنقاضه، وقتها ووقتها فقط يمكن تحقيق المساواة التامة في الحقوق دون الخوف من الارتداد عنها كما يمكن تنزيلها في الواقع الملموس لتصبح المساواة فعلية لا قانونية فقط كما يصبح المجتمع متوازنا ، قادرا على الارتكاز على قدميه لا على قدم واحد.

إلى الأعلى
×