حاورتها إيناس ميعادي
في ظل غياب ثقافة الاعتراف وبخس تاريخ وذاكرة مناضلات خضن تجربة السجن، وضعف أرشفة الشهادات الشفوية أو المكتوبة أو المصوّرة والانسحاب التدريجي من تناول مواضيع علمية جريئة، اخترنا عبر هذا العدد الخاص من “صوت الشعب”، أن نخصّص حوارنا مع الطالبة الباحثة بالمعهد العالي للتنشيط الشبابي والثقافي ببئر الباي وجدان النائلي (طالبة سنة ثانية من المرحلة الثالثة ماجستير بحث)، التي قدّمت بحثها العلمي المعنون “محنة ومعاناة تجربة السجن كما عاشتها مناضلات السياسة: دراسة سير ذاتية”.
وتبرز أهمية هذا البحث الأكاديمي المختار لما يشكّله من مادة بحثية تتداخل وتترابط فيما بينها لتكتمل الوقائع والأحداث والفاعلون/ات لنقف على تجربة النضال السياسي عموما ومناضلات السياسة من خلال تجربة السجن خصوص، تجربة تترجم مضامين المحنة والمعاناة والتعذيب والوصم الاجتماعي والآثار وتبعاته على الصعيد النفسي والذهني والعائلي والمهني، كما نقف على استبداد الدولة التي وظّفت السجن كعقاب ردعي وكآلية للتنكيل بمعارضيها الذين اختاروا بكل شجاعة مواجهة السلطة.
بداية، لو تقدّمين موضوع بحثك لنيل شهادة الماجستير بحث في مجالات التنشيط والوساطة
عنوان بحثي هو “معاناة تجربة السجن كما عاشتها مناضلات السياسية: دراسة سير ذاتية”، وهو عمل أكاديمي يندرج صلب اهتماماتي بتقاطع الإنسان، الذاكرة، والوساطة الثقافية. فلم أنظر إلى السجن السياسي بوصفه حدثًا تاريخيًا جامدًا، بل اقتربتُ منه بصفته تجربة وجودية تترك أثرًا عميقًا في النفس والجسد والعلاقات الاجتماعية. وقد اخترتُ أن يكون صوت المناضلات نفسه هو المدخل الأساسي لفهم هذه التجربة، عبر منهج كيفي يعتمد على السير الذاتية والمقابلات المعمّقة.
وقد عملتُ، من خلال هذا البحث، على إبراز كيف يمكن للوساطة الثقافية أن تؤدّي دورًا محوريًا في حفظ الذاكرة الإنسانية، ونقلها للأجيال، وكسر الصمت حول تجارب جماعيّة ظلّت لزمن طويل في ظلّ النسيان.
ما هي الدوافع الذاتية والموضوعية وما هي الضرورات الأكاديمية والمجتمعية التي دفعتك للحفر في هذا النفق البحثي الوعر، وماهي الإشكالية الجوهرية لبحثك؟
انبعثت دوافعي الذاتية من اهتمامي بعلم الاجتماع وبالقضايا الإنسانية المرتبطة بالذاكرة والمعاناة، ورغبتي في الإنصات إلى أصوات نسائية عاشت تجربة السجن السياسي، لكنها لم تحظ بما يكفي من الدراسة من منظور سوسيولوجي. أمّا موضوعيًا، فقد لاحظت ندرة الدراسات التي تناولت السجن السياسي من خلال السيرة الذاتية للمناضلات، مع التركيز على ما بعد السجن وآثار التجربة في تشكيل الهوية والعلاقات الاجتماعية.
وتتمثل الإشكالية الأساسية في محاولة فهم الكيفية التي عاشت بها المناضلات تجربة السجن، وكيف أعادت هذه التجربة تشكيل ذواتهن وتمثلاتهن للعالم، وما هي الآثار النفسية والاجتماعية والسياسية التي استمرت معهن بعد استعادة الحرية.
في صلب عملك تعاملتِ مع مفاهيم ثقيلة ومحمّلة بالألم إجرائيّا وفكريا. كيف تعرّفين ”المعاناة” ضمن سياق بحثك؟ والأهم من ذلك ما هي أبرز المضامين والتمثلات الاجتماعية التي تحيط بتجربة السجن وكيف يشتغل “الوصم الاجتماعي” كأداة ضغط على المناضلات السجينات السياسيات؟
في هذا البحث، لا تُختزل المعاناة في الألم الجسدي، بل تشمل الألم النفسي والاجتماعي والرمزي. فهي تجربة مركبة تبدأ بالاعتقال ولا تنتهي بالخروج من السجن، بل تمتد إلى الحياة اليومية والعلاقات الأسرية والمهنية.
أمّا الوصم الاجتماعي، فقد ظهر من خلال نظرة المجتمع إلى السجينة السياسية باعتبارها مختلفة أو مصدرًا للخوف، وهو ما انعكس على فرص العمل والعلاقات الاجتماعية وحتى على نظرة بعض أفراد العائلة. لذلك يصبح السجين السابق مطالبًا بإثبات ذاته من جديد في مجتمع لا ينسى بسهولة.
ما هي أكثر الصعوبات والمحاذير التي واجهتكِ أثناء جمع الشهادات والنبش في ذاكرة الألم؟ وأين أقمت الحدود الفاصلة بين الحياد العلمي والتعاطف الإنساني؟
أكبر الصعوبات كانت حساسية الموضوع، إذ أنّ استرجاع ذكريات السجن يُعيد استحضار الألم، لذلك تردّدت بعض المناضلات في الحديث، فيما تأثرت أخريات نفسيًا أثناء المقابلات. وقد حرصتُ على احترام خصوصية كل مشاركة، ومنحتها كامل الحرية في التوقف أو عدم الإجابة عن أيّ سؤال. أما على المستوى العلمي، فقد سعيت إلى الحفاظ على الحياد في تحليل المعطيات، مع عدم إغفال البعد الإنساني الذي يفرضه هذا النوع من البحوث.
ما هي الآثار النفسية والاجتماعية والسياسية طويلة المدى التي تخلّفها تجربة السجن على المناضلات بعد استعادة حريتهن الشكلية؟ وكيف يُعدن بناء ذواتهن في عالم ما بعد الزنزانة؟
أظهرت نتائج البحث أنّ آثار السجن لا تنتهي بالإفراج، بل تستمر في شكل صدمات نفسية وقلق وصعوبة في الاندماج الاجتماعي والمهني، إضافة إلى آثار الوصم الاجتماعي. ورغم ذلك، كشفت الشهادات عن قدرة كبيرة على الصمود وإعادة بناء الذات، حيث حوّلت العديد من المناضلات معاناتهن إلى قوة للدفاع عن حقوق الإنسان والمشاركة في الحياة المدنية والسياسية.
بناء على بحثك، هل تفلح آليات القمع واستبداد الدولة في ثني أجيال جديدة من المناضلات السياسيات والمعارضات عن خطاههنّ أم أنّ ثمن الحرية بات يُقرأ اليوم بمعادلات أخرى؟
تبيّن لي من خلال الشهادات أنّ القمع قد يؤخر الفعل النضالي أو يزيد من كلفته، لكنه لا يقضي على فكرة النضال. فالعديد من المناضلات أكّدن أنّ السجن عزّز قناعاتهنّ أكثر ممّا أضعفها، وأنّ الدفاع عن الحرية والكرامة ظل بالنسبة إليهن قضية مبدئية، وهو ما يكشف محدودية القمع في القضاء على الأفكار.
وسط قسوة العزل والجدران تتشكل أدوات مقاومة صامتة. ما هو الدور الفعلي الذي لعبته “الوساطة” حسب بحثك في تخفيف حدة المحنة داخل السجن؟ وإلى أيّ مدى كان “التضامن النسائي” داخليا وخارجياً هو طوق النجاة الحقيقي للمناضلات؟
رغم قسوة السجن، برزت أشكال متعددة من الوساطة الإنسانية، سواء بين السجينات أنفسهن أو من خلال بعض الحارسات أو العائلات أو المحامين. كما لعب التضامن النسائي دورًا أساسيًا في التخفيف من الشعور بالعزلة، من خلال تبادل الدعم النفسي والمعلومات وتقاسم الموارد البسيطة، وهو ما جعل هذا التضامن أحد أهم عوامل الصمود داخل السجن.
إثر اختيارك موضوع البحث وبعد خوضك هذه التجربة ،هل وجدت قبولا واستيعابا في الوسط الأكاديمي خلال الاشتغال على هذا الموضوع الملتزم؟
وجدت اهتمامًا بالموضوع باعتباره يسلّط الضوء على جانب مهم من التاريخ الاجتماعي والسياسي، لكنه في الوقت نفسه كان موضوعًا حساسًا يتطلب الكثير من الحذر المنهجي والأخلاقي. وقد مثّل هذا التحدي دافعًا لمزيد من الالتزام بالمنهج العلمي والاعتماد على الشهادات الموثقة وتحليلها وفق مقاربة سوسيولوجية.
ماهي الرسالة التي يمكن أن يحملها موضوعك للأجيال القادمة سواء الباحثين أو للمناضلين/ت على حدّ السواء؟
رسالتي هي أنّ الحرية والديمقراطية ليستا معطيين جاهزين، بل هما ثمرة نضالات وتضحيات كثيرة. كما أدعو الباحثين إلى الاهتمام بالتاريخ الشفوي والسير الذاتية لأنها تحفظ الذاكرة الوطنية من النسيان، وتمنح الإنسان مكانته في كتابة التاريخ.
حسب رأيك ماهي منزلة هذا البحث ومدى ارتباطه بالمعرفة المُقاومة؟ وما هي رسالتك للقرّاء؟
أعتبر أنّ هذا البحث يندرج ضمن المعرفة التي تمنح الكلمة لمن عشن التجربة، وتسهم في حفظ الذاكرة الجماعية بعيدًا عن النسيان. فالمعرفة المقاومة لا تعني الانحياز الإيديولوجي، وإنما تعني الدفاع عن الحقيقة العلمية، وتوثيق التجارب الإنسانية، وإعادة الاعتبار للأصوات التي همّشتها الروايات الرسمية.
وفي الختام، أتمنى أن يساهم هذا العمل في تشجيع المزيد من الدراسات حول الذاكرة والسجن السياسي وحقوق الإنسان، وأن يكون وفيا لكل اللواتي تقاسمن معي شهاداتهن بكل شجاعة، لأنّ كتابة الذاكرة ليست استعادة للماضي فقط، بل هي أيضًا مسؤوليّة تجاه المستقبل.
صوت الشعب صوت الحقيقة
