الرئيسية / صوت الجهات / العطش يجتاح عددا من جهات البلاد ويؤجّج موجة احتقان

العطش يجتاح عددا من جهات البلاد ويؤجّج موجة احتقان

شريف خرايفي

 عرفت عدة جهات في المدّة الأخيرة موجة احتقان اجتماعي واحتجاجات بسبب النقص في التزود بمياه الشرب، وهي احتجاجات تتكرّر تقريبا كل سنة بل وتتصاعد وتيرة بالنّظر إلى الحاجة المتواصلة لمياه الشرب والرّي بالتزامن مع تراجع نسبي للإمكانيات المتاحة. وهو ما يخلق خللا بين العرض والطّلب.

الشمال الغربي: المناطق الأكثر ثراء في المياه هي الأكثر “عطشا”:

من المفارقات التي تعرفها تونس هو أنّ مناطق الشمال الغربي هي الأكثر ارتفاعا في معدّل التساقطات ومياهها الأكثر عذوبة. غير أنّها من المناطق التي تشهد نقصا فادحا في التزود بمياه الشرب، خاصّة ببعض المناطق الريفية. بل إنّ أحياء متاخمة لمركز الولاية ولبعض المعتمديات (جندوبة الجنوبية، بوسالم، فرنانة) تشهد انقطاعا متواترا لمياه “الصوناد”، وهي التي كانت سببا لاندلاع موجة من الاحتجاجات في الأيام الأخيرة وصلت حدّ إغلاق الطرق بين المدن في محاولة للفت النظر لمعاناتهم خاصّة أيّام الصيام وفي أيام الحرّ الأخيرة.

كما نفّذ أهالي فرنانة اعتصاما أمام مقر المعتمديّة احتجاجا على الانقطاع المتواتر للماء، وهو ما أثّر على محاصيلهم الزراعية وكبّدت الفلاحين خسائر كبرى.

وللإشارة، فإنّ أغلب السدود التي أنجزت بمناطق الشمال الغربي تنقل الماء إلى مدن ساحليّة لخدمات سياحيّة.

احتقان بمنطقة كسرى (سليانة):

في انتظار إنجاز المشروع “الموعود” الذي قد يخفّف من معاناة المواطنين عبر دعم الموارد المائيّة (حفر بئر عميقة ب “بوطويجين” ومد شبكة طولها 5 كلم من القنوات وبناء خزان) والذي مازال يراوح مكانه منذ إقراره، تعيش مدينة كسرى نقصا فادحا في التزود بالمياه تصل إلى انقطاع أربعة أيّام متتالية، وهو ما دفعهم لتنفيذ وقفات احتجاجيّة للضغط على السلط الجهوية من أجل الالتفاف إليهم وتحسين خدمات شركة استغلال وتوزيع المياه. وهو تحرّك شارك فيه مواطنو الجهة وبعض مكونات المجتمع المدني.

احتجاجات بالقيروان: نصر الله والسبيخة:

Sans titre 01

بدعوة من التنسيقية المحلية للجبهة الشعبية بنصرالله ومكونات المجتمع المدني تمّ تنفيذ وقفة احتجاجية يوم الثلاثاء 12 جويلية 2016 أمام مقر المعتمدية احتجاجا على الإنقطاع المتواصل للماء الصالح للشراب على أغلب عمادات وقرى (المنارة، السوالم، الريايشة، البريكات…)

وقد طالبت تنسيقية الجبهة الشعبية في بيانها بتحديد مدّة الانتهاء من أشغال مد قنوات جلب المياه خاصة في ظلّ تواصل الجفاف في المنطقة والانسحاب التام لمؤسسات الدولة عن دورها في إعانة وتسهيل حياة المواطنين ومنحهم الحقّ في الأدنى الحياتي الضروري: الحّق الدستوري في الماء”.

نفس الشيء في مدينة السبيخة، حيث نفّذ مواطنون وقفة احتجاجيّة يوم الإثنين وتم غلق الطريق وإحراق إطارات العجلات المطاطية ما نتج عنه توقف حركة المرور. ولم يتمّ وقف الاحتجاج إلاّ بعد وصول معتمد الجهة ومسؤول “الصوناد” الذين وعدا بحلّ الإشكال في غضون هذا الأسبوع.

مدن الجنوب: صراع يومي من أجل توفير الماء:

يبدو أنّ مناطق الجنوب التونسي هي المناطق الأكثر تهديدا من حيث “الأمن المائي”، وذلك بسبب ضعف التساقطات (الموارد السطحيّة) وضعف المياه الجوفيّة وأساسا بسبب تزايد التصحّر، الذي يأتي على مساحات شاسعة سنويا. وهذا النقص المتزايد سيضطرّ الحكومات (حاليا ومستقبلا) لمزيد “استنزاف” مدن الشمال والوسط لتغطية العجز المحتمل.

ذِكرنا للأمثلة أعلاه لا يعني أنّ بقية المناطق تعيش “بحبوحة” ورفاها، بل إن مدن كبرى مثل صفاقس وقابس وقفصة تعاني الأمرّين بسبب الانقطاعات المتكرّرة لمياه “الصوناد”

“بيع الماء”:

Sans titre

تزامنا مع نقص الماء الصالح للشراب والانقطاع المتواصل في عدّة مدن وأحياء، نشطت في السنوات الأخيرة ظاهرة بيع الماء، حيث يقوم أحد “التجّار” بجلب الماء من أحد الحنفيات العمومية (أو حتى عيون جبلية) ويبيعها للمواطنين. وهذا يعتبر إثقال لكاهل المواطنين من عامة الناس، الذين يعيشون الفاقة والخصاصة بطبعهم. ناهيك على أنّ هذه المياه المستجلبة قد تكون غير صحية بما أنها غير خاضعة لرقابة الهياكل المختصّة.

تونس تتموقع تحت عتبة “الفقر المائي”:

إذا علمنا أن التونسي يستهلك قرابة 105 لتر سنويا من المياه المعدنية (المعدّل العالمي هو 40 لتر) فإنّنا سنقف على حجم تردّي المياه التي تقدّمها “الحنفية” وربّما تخوّفا من الأمراض التي تنجّر عنها، وأيضا بسبب النّقص المتواصل في تزويد المواطنين بالمياه الصالحة للشرب.

ولكن، مؤشّرات عدّة تدفع إلى الاعتقاد أنّ السنوات القادمة ستكون أصعب وأكثر تهديدا خاصّة في ظلّ التهميش والإقصاء التنموي الذي تعانيه أغلب مدن الدّاخل، وفي ظلّ استشراء الفساد (منح التراخيص، تلويث المحيط ببعض المناطق وتصريف الفضلات وإلقائها في المجاري المائية أو في الأودية).

وقد نبّه عديد الخبراء، ناهيك عن هيئات المجتمع المدني، إلى ضرورة الأخذ بجدية هذا التهديد خاصة وأن معدل الموارد المائية للفرد الواحد سينخفض إلى أقل من 350 متر مكعب في السنة (في حدود 450 متر مكعب حاليّا) ومن المنتظر أن يتفاقم المشكل مع حلول سنة 2030 نتيجة تصاعد نسق الاستهلاك وتراجع منسوب المياه المخزنّة..

نموذج تنموي جديد في مجال الموارد المائية:

قضيّة تأمين حاجة الأجيال القادمة للماء الصالح للشرب هي قضيّة سيادة وقضيّة حوكمة رشيدة قبل أن تكون مجرّد خطّة تنمويّة. ولا حاجة للاستدلال أنّ معضلة كهذه لا تحلّ بالوعود ولا بالاجتهادات الوزاريّة، وإنّما بوضع استراتيجيا حقيقيّة  ومنوال تنموي في هذا المجال، تعبّأ فيه الموارد من أجل تطوير الإنتاج وخلق الثروة ودعم التقنيات الفلاحية المقتصدة في الماء وتكثيف البحوث العلمية في اتجاه ضبط أنماط إنتاج تتلاءم أكثر مع مناخنا.

ولكن لن ننجح في ذلك، مهما تقدّمت من برامج ومقترحات إذا لم تكن الإدارة المشرفة (حكومة وسلط مركزية وجهوية وهيئات مختصّة) إدارة ديمقراطيّة وشعبيّة تضع جملة هذه الموارد والإجراءات على ذمّة الشعب، كلّ الشعب، بشكل عادل ومتكافئ، وليس لصالح فئة أو طبقة أو جهة بعينها.

وفي إشارة لا بدّ منها، فقد تقدّمت الجبهة الشعبية بمقترحات ملموسة في هذا المجال، حيث اقترحت إنجاز ثمانية محطّات تطهير (تمّ اختيار مواقعها منذ 1998 ودراساتها منجزة وقابلة للتحيين) والتي ستمكّن المناطق المحرومة من تحسين الوضع البيئي وتوفير كميات هامة من المياه المعالجة للاستغلال في النشاط الفلاحي وكذلك ستوفّر هذه المشاريع مئات مواطن الشّغل…

ولكن… “قد أسمعت لو ناديتَ حيًّا”…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى