الرئيسية / صوت الثقافة / حركة نوادي السّينما: سبعون سنة من النّضال

حركة نوادي السّينما: سبعون سنة من النّضال

 

منير فلاح

في مثل هذه الفترة من سنة 1949 تمّ بعث أوّل نواة لحركة نوادي السّينما في تونس. وكان ذلك على يد أحد الأساتذة اليساريين التروتسكيين يُدعى “أندراي رايمون”. وانطلقت أولى العروض بدار الجمعيّات بتونس (دار الثقافة ابن رشيق الآن). وفي الفترة نفسها تمّ بعث نوادي أخرى في عديد المدن التونسيّة وكانت البداية بمدينة “فيري فيل” التي أصبحت تسمّى منزل بورقْيبة ثمّ مدينة قْابس فصفاقس فسوسة فبنزرت…كانت كلّها تسيّر عن طريق الأساتذة المتعاقدين الفرنسيين اليساريين وبعلاقة بجامعة نوادي السّينما الفرنسيّة. وتوازيا مع تنامي الحركة الوطنيّة أقبل المثقفون التّونسيّون على نوادي السّينما من أجل تونستها واستغلالها كمنصّة لتوعيّة الجماهير. وكلّنا يعرف الدور الإيجابي الذي لعبته نوادي السّينما في الحراك الثّقافي في تونس منذ تأسيسها في أواخر السّنوات الأربعين من القرن الماضي إلى يومنا هذا… فهي التي ساهمت في نشر الثّقافة السّينمائيّة من خلال أنشطة نواديها المنتشرة في كافة أنحاء البلاد والتي وصلت في منتصف السّنوات السبعين من القرن الماضي إلى ما يفوق الخمس والسبعين ناديا ضمتّ ما لا يقلّ عن الثلاثين الف منخرطا دون اعتبار المتفرجين العاديين… وهي التي أرست القواعد الأساسيّة للنّقد السّينمائي في تونس سواء كان شفويّا من خلال النّقاشات المفتوحة التي تعقب عروض الأفلام والتي برزت من خلالها أسماء صالت وجالت في عديد النّوادي نذكر منها المرحوم د.عبد السّلام بن حميدة (سوسلوف) وعزالدّين الحزقْي والمنجي اللّوز ود.أحمد مشارك في صفاقس ود.محمّد علي الحلواني في المنستير والأستاذ عمّار الزّايري في باجة والأساتذة محمّد الهادفي والمولدي الصّابري ود.حمّادي الرّديسي في نادي تونس والأستاذ مختار الطريفي ود.رشيدة النيفر في نادي الصّحفيين الخ.. من الأسماء التي أثرت حلقات النّقاش في كافة أنحاء الجمهوريّة. كما ساهمت الجامعة أيضا في إرساء وإثراء النّقد السّينمائيّ المكتوب بصفة مباشرة أو غير مباشرة من خلال المجلّتين السّينمائيّتين الّتين بعثتهما الأولى تحمل عنوان “نوادي” وتولّى إدارتها الطّاهر شريعة وساهم في إثرائها كوادر الحركة آنذاك، والثانيّة بعنوان “شريط” بإدارة النّاقد المنصف بن مراد.. هذا إلى جانب إحاطة جامعة نوادي السّينما بتجربة مجلّة “جحا” التي بعثها الأستاذ مصطفى نقْبو في نادي سينما القيروان وحوّلها لاحقا إلى مجلّة “الفنّ السّابع” وأيضا تجربتي الشخصيّة صحبة منيرة يعقوب لمّا بعثنا مجلّة “شاشات تونسيّة” سنة 1986 أو عند عودتها للصدور سنة 2009. كما ساهمت الجامعة في إثراء السّاحة السّينمائيّة بعديد النّقاد أذكر من بينهم المرحوم محمّد محفوظ ود. الهادي خليل والأساتذة احمد حاذق العرف وكمال بن ونّاس وغيرهم كثر… وقدّمت للسّينما العديد من المخرجين الذين تعلّموا الف، باء الفنّ السّابع في أحضان نواديها نذكر من بينهم أحمد الخشين ورضا الباهي وابراهيم اللّطيف والمرحوم الحبيب المسروقي بنادي القيروان والنّوري بوزيد والمنصف ذويب ومحمّد دمّق والطّيب الوحيشي بنادي سينما صفاقس وسلمى بكّار والمرحوم نورالدّين المشري بنادي سينما حمّام الأنف وغيرهم كثر… إلى جانب العديد من المختصّين في كافة فروع المهنة السّينمائيّة… ويُذكر أيضا أنّ حركة نوادي السّينما نادت في إحدى جلساتها العامة في منتصف السّنوات السّتين من القرن الماضي بضرورة بعث تظاهرة سينمائيّة كبرى ذات بعد عربي إفريقي وكانت أيّام قرطاج السّينمائيّة التي تولّى إدارتها في دوراتها الأولى رئيس الحركة الطاهر شريعة بالتعاون مع الكوادر الفاعلة في الجامعة يتقدّمهم المرحومين النّوري الجنزوري والمنصف بن عامر. كما قامت الجامعة في نفس الفترة بالتعريف بسينما العديد من المخرجين العرب أمثال توفيق صالح ويوسف شاهين وصلاح ابو سيف وساهمت في انطلاقتهم على المستوى العربي. وللتدليل على ذلك يكفي الرّجوع إلى ما قاله توفيق صالح في العديد من اللّقاءات التلفزيّة والصّحفيّة لعلّ آخرها الشهادة المضمّنة في فيلم محمّد شلّوف عن مسيرة الطّاهر شريعة رحمه الله.

والجامعة هي أيضا عضو مؤسس للجامعة العالميّة لنوادي السّينما وتقلّدت لفترات طويلة منصب الممثل الرّسمي لنوادي سينما البلدان العربيّة والإفريقيّة صلبها، كما احتضنت منذ خمس سنوات مؤتمر هذه المنظّمة لأوّل مرّة في تاريخها في مدينة الحمّامات. ولا يخفى أيضا على المتابعين الدور النّضالي لحركة نوادي السّينما مع جامعة السّينمائيين الهواة وجمعيّة السّينمائيّين التونسيّين في منتصف الثّمانينات من القرن الماضي من أجل فتح ملف السّينما وإرساء قوانين جديدة للنّهوض بالقطاع بعد إقرار الدّولة مبدأ التّخلّي عن مؤسّسة الساتباك، هذه القوانين التي أدخلت حيويّة على القطاع السّينمائي وكانت في حاجة إلى دعمها بقراري إرساء المركز الوطنيّ للسّينما والسّينيماتاك ولكن النّفوس المريضة داخل الإدارة العميقة للوزارة حالت دون ذلك وقوّضت المكاسب التي تحققّت للسّينما. والشيء المؤلم أنّ التصوّرات التي طرحتها الجامعة وشريكيها نوادي السّينمائيّين الهواة والسّينمائيّين التّونسيّين كانت وراء نجاح التجربة المغربيّة، وهذا ما أقرّ به النّاقد والنّاشط السّينمائي ومؤسّس المركز الوطني للسّينما بالمغرب نورالدّين الصايل، حيث قال في افتتاح إحدى دورات أيّام قرطاج السّينمائيّة الأخيرة بوصفه رئيس لجنة تحكيم بأنّهم في المغرب نهلوا من التجربة التّونسيّة الكثير من خلال تعاونهم مع نوادي السّينما التونسيّة وحصولهم على العديد من المقترحات والنّصوص التي أعدّتها الحركة في خصوص بعث المركز الوطني للسّينما. وفي هذا الاتّجاه نذكر استعانتهم أيضا عند إرساء مشروعهم بخبرة نجيب عيّاد أحد الوجوه التاريخيّة لحركة نوادي السّينما الذي تحوّل على عين المكان كخبير…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى