الرئيسية / صوت العالم / النزاع الأذري الأرمني ودور أردوغان حفيد عبد الحميد الثاني
النزاع الأذري الأرمني ودور أردوغان حفيد عبد الحميد الثاني

النزاع الأذري الأرمني ودور أردوغان حفيد عبد الحميد الثاني

جيلاني الهمامي

وفيّ لأحد أجداده السلطان عبد الحميد الثاني (1978 – 1909) يقف اليوم رجب طيب اردوغان الرئيس التركي إلى جانب اذريبدجان في الحرب الدائرة بين هذا البلد وأرمينيا على إقليم ناغرني كاراباغ. اندلع هذا النزاع أواخر شهر سبتمبر الماضي ومازال فتيله مشتعلا حتى الآن بعد عديد محاولات وقف إطلاق النار التي لم تفلح في إسكات فوهات المدافع.

النزاع قديم منذ أن كانت هذه المنطقة مجال صراع بين تركيا وروسيا القيصرية كغيرها من مناطق أخرى كثيرة ظلت على امتداد أكثر من خمسة قرون مجال حروب ومواجهات بين الامبراطوريتين اللتين عاشتا ما لا يقلّ عن 12 حربا، آخرها حرب 1914 – 1917 أو ما يُعرف بحملة القوقاز في إطار الحرب العالمية الأولى. وكانت هذه المنطقة من أكثر الساحات التي عرفت مواجهات حربية دامية.

من أكثر الأحداث دموية التي عرفتها هذه المنطقة الإبادة الجماعية للأرمن التي بدأت على يد جيوش السلطان عبد الحميد الثاني، “السلطان الدموي” كما كان يدعى، الذي استوى على العرش في الباب العالي من 1909 واستمرت لسنوات وعرفت أوجها سنة 1915.
يحيي الأرمن يوم 24 أفريل من كل سنة ذكرى المذبحة التي اقترفتها السلطات التركية سنة 1915 في حق مئات من النخبة الأرمنية المقيمة في تركيا وبالتحديد في القسطنطينية (اسطمبول اليوم).
اعتبرت هذه المجزرة أوّل عملية إبادة جماعية في العصر الحديث. ومازال الأرمن يسعون إلى اليوم إلى اقتلاع اعتراف دولي بهذه الجريمة على غرار الاعتراف الواسع بالهولوكوست. فالدول التي تعترف بإبادة الأرمن لا تتعدّى بضع عشرات فقط فيما ما تزال الكثير من الدول محجمة عن ذلك.

كثيرا ما يتكرر التاريخ بأشكال متنوعة. فكلّ مرة ينفجر فيها الصراع الاثني والعرقي والقومي في المنطقة إلاّ وتشكلت من جديد التحالفات على خلفية الضغائن القديمة.

في الثمانينات من القرن الماضي نشب نزاع مسلح بين البلدين الجارين اذريبدجان وأرمينيا حول مقاطعة ناغرني كاراباغ واستمر من فيفري 1988 إلى ربيع 1994 سقط فيه عشرات الآلاف من القتلى من الجانبين. حصل ذلك في إطار مسار التفكك الذي دبّ في كيان الاتحاد السوفياتي وكان الحدث الذي أذن باشتعال فتيل الحرب هو إعلان إقليم ناغرني كاراباغ الانفصال عن دولة اذريبدجان الذي ظلّ تابعا لها من 1923 للانضمام إلى أرمينيا بناء على استطلاع للرأي أيّدت فيه الأغلبية الأرمينية التي تسكن الإقليم هذا القرار.

في ماي 1994 تمّ التوصّل إلى اتفاق سلام يقضي بأن يبقى الإقليم تحت السيطرة الأرمينية بعدما كان ولأكثر من ثمانين سنة جزء من أذريبدجان. وبعد حوالي ثلاثين سنة من الهدوء اندلع لهيب الحرب من جديد في شهر سبتمبر الماضي، تبادل خلالها الطرفان المتحاربان كلّ التهم بخصوص من بادر بالحرب ومن هاجم المدنيين. وتناقلت وسائل الإعلام في البلدين الأنباء عن الانتصار لكل منهما في ظل التعبئة العامة وحالة الأحكام العرفية من الجانبين. ولكن اتّضح يوم عقد الاتفاق الجديد يوم أمس 10 نوفمبر 2020 برعاية روسية القاضي بوقف القتال على جميع الواجهات أنّ القوات الآذرية قد سيطرت على مواقع كثيرة في الإقليم المتنازع عليه وبسطت سلطتها على ثان أكبر مدنه، مدينة “شوشة”.

والواضح من التصريحات التي تمّ تناقلها عن الجانبين أنّ أرمينيا وأرمن مرتفعات ناغرني كاراباغ قبلوا بوقف القتال من موقع الهزيمة ودرء لمزيد الخسائر، إذ اعترف رئيس الحكومة الأرميني أنّ هذا الاتفاق “مؤلم جدا، بالنسبة إليّ شخصيا وبالنسبة إلى الشعب الأرميني” في المقابل من ذلك اعتبر الرئيس الأذري، إلهام علييف، الاتفاق ذا “أهمية تاريخية” ويرقى إلى “استسلام” أرمينيا.

صحيح أنّ الصراع الأذري الأرميني صراع قديم ويستند إلى عداء قومي صنعه التاريخ ورسّخته الاصطدامات المتتالية ولكنه يخضع بدرجة ما إلى صراعات القوى الإقليمية في المنطقة. فوراء هذا الصراع المسلّح تختفي مصالح روسيا وإيران وتركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وحسابات الربح والخسارة ومخططات الهيمنة والنفوذ.

تركيا بقيادة أردوغان تدخلت، ككل مرة، في هذا النزاع لتغذيه وذلك بالوقوف إلى جانب أذربيجان التي مدتها بالأسلحة (طائرات ف 16) وبالمرتزقة الذين استقدمتهم من سوريا خصّيصا. فدخول تركيا طرفا في هذا النزاع – دخول بصورة غير مباشرة – تحرّكه ضغائن التاريخ القديم ونزعة انتقامية من تهمة الإبادة الجماعية التي تلاحقها في المحافل الدولية وتحرجها أيّما إحراج من جهة. ولكن أيضا تمليه المصالح الاقتصادية والتجارية التي تربط تركيا بأذربيجان والمطامع في التمدد شرقا في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى عموما. فأذربيجان توفّر أكثر من 30% من احتياجات تركيا من الغاز. ويربط بين البلدين خط المحروقات وخط جديد للسكك الحديدية ومعاملات تجارية نشيطة منها مبيعات مهمة للأسلحة. بينما بالمقابل ما تزال الحدود التركية الأرمينية الطويلة مغلقة منذ ما يزيد عن الأربعين سنة.

ما من شكّ في أنّ الأنشطة العسكرية العدوانية لنظام اردوغان في سوريا وليبيا وفي ناغورني كاراباغ وعرض القسم الشرقي للبحر الأبيض المتوسط هي تعبير عن النزعة التوسّعية لنظام دموي مثير للحروب والنزاعات في المنطقة ولكنه يعكس في الوقت نفسه مساعيه إلى طمس معالم الأزمة التي تهزّ نظامه وتتسبب له في مصاعب متراكمة. فالأزمة الاقتصادية بلغت درجات مقلقة بالنسبة إلى النظام التركي بعد أن خسرت العملة المحلية (الليرة) أكثر من 40% من قيمتها ودبّ الخلاف إلى الفريق الحاكم أدّى إلى تنحية وزير المالية – صهر أردوغان والشخصية الثانية في حزبه – وإزاحة محافظ البنك المركزي.

من المفارقات التي حوّلتها المصالح إلى قواعد خاصة باللعبة في هذه المنطقة أن تجد اذريبدجان الشيعية في تركيا السند السياسي والعسكري وأن تجد من الجهة المقابلة أرمينيا المسيحية في إيران الشيعية سندها. روسيا التي تلعب دور “أب” الجميع مع ميل واضح نحو أرمينيا مازالت تتمتع بما يسمح لها بالتحكم ولو بقدر في مآلات هذا النزاع. ومعلوم أنه منذ سنة 2015 تاريخ غلق القاعدة العسكرية الأمريكية في قرغيزيا (قاعدة ماناس) والتحاق هذا البلد بمنظمة حلق الأمن الجماعي (OTSC) التي تضمّ إلى جانب روسيا التي تتزعّمها كل من بيلاروسيا وأرمينيا وطاجكستان وكازاخستان، منذ ذلك التاريخ بدأ تأثير الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة ينحصر لفائدة القوة العسكرية الروسية التي استعادت نفوذها هناك.

في ضوء كلّ هذه الرهانات والحسابات يبقى الصراع القومي والسياسي بين أذربيجان وأرمينيا من القنابل القابلة للاشتعال في كلّ وقت، وتبقى الجماهير الشعبية في هذين البلدين وفي منطقة مرتفعات ناغورني كاراباغ هي الضحية الأولى والأخيرة في مثل هذه النزاعات المسلحة. الأرقام المعلن عنها بخصوص القتلى والمشردين والذين أجبروا على النزوح عن ديارهم من وإلى البلدين المتقاتلين تكفي وحدها للتدليل على حجم المآسي التي تحلّ بعموم الناس في مثل هذه الحرب.
يبدو الآن أنّ فوهات المدافع قد صمتت ولكن لا يعرف بعد ما إذا كان اتفاق “السلام ” برعاية روسيا بتاريخ 10 نوفمبر الجاري سيصمد في وجه تصاعد مشاعر العداء القومي في المنطقة أم لا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى