الرئيسية / صوت الاقتصاد / الإجراءات الجبائيّة في مشروع الميزانية البديل للجبهة الشعبية: الواقعيّة والجرأة
الإجراءات الجبائيّة في مشروع الميزانية البديل للجبهة الشعبية: الواقعيّة والجرأة

الإجراءات الجبائيّة في مشروع الميزانية البديل للجبهة الشعبية: الواقعيّة والجرأة

200

المحامي والمستشار الجبائي الأستاذ محمود مطير  

قدّمت الجبهة الشعبية لجماهير الشعب التونسي رؤيتها الاقتصادية والاجتماعية عبر مشروع ميزانية بديل لميزانية حكومة “النهضاويين” لسنة 2014 المتميزة بالتقشف (على حساب قوت الشعب التونسي) وبالالتجاء للاقتراض الخارجي الفاحش لتمويل نفقات الدولة وبغياب التنمية والتشغيل. وقد اعتمد خبراء الجبهة جملة من المبادئ لإعداد المشروع لعلّ أهمّها: التعويل على القدرات الذاتية وعدم الالتجاء للاقتراض الخارجي حفاظا على استقلال تونس المالي وبالتالي السياسي والاقتصادي وحماية للأجيال القادمة من تحمّل أعباء الاقتراض. فالتعويل على القدرات الذاتية يعني بالنسبة لخبراء الجبهة ترشيد أعباء ونفقات الدولة واعتماد الاقتراض الداخلي دون غيره. ولكنه يعني أساسا تطوير الموارد الجبائية. وفي هذا الباب قدّمت الجبهة جملة من المقترحات تتماهى مع رؤيتها الوطنية للمسائل الاقتصادية والاجتماعية وتعلّقها بحماية الوطن من كلّ المخاطر.

تساوي الموارد الجبائية الواردة ضمن قانون المالية لسنة 2014 مبلغ 17.000  مليون دينار (م.د) وتتأتّى هذه الموارد من مجموع الضرائب والأداءات والمعاليم السارية المفعول وخاصة الضرائب المباشرة (الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين والضريبة على الشركات) والضرائب غير المباشرة (الأداء على القيمة المضافة والمعلوم على الاستهلاك ومعاليم التسجيل ومعاليم الديوانة). وقد اقترح مشروع الجبهة إلغاء العديد من الإجراءات الجبائية الواردة ضمن قانون المالية لسنة 2014 مثل التخفيض في نسبة الضريبة على الشركات من 30 إلى 25% واقترح في المقابل تطوير الموارد الجبائية في حدود 20.500 م د أي بإضافة 3.500 م د لما تمّ إقراره بقانون المالية لسنة 2014.

      وتتمثّل الإجراءات الجبائية المقترحة التي كان الهدف منها تطوير الموارد الجبائية لتمويل نفقات الدولة دون اللجوء للاقتراض الخارجي ودون المساس بالقدرة الشرائية المهترئة للطبقات الشعبية والمتوسطة ولضمان قدر أدنى من العدالة الجبائية فيما يلي:

–  الزيادة في نسبة الضريبة على الشركات بصورة استثنائية بالنسبة لمداخيل 2013 وبالنسبة لبعض القطاعات الاقتصادية

–  محاربة التهرب الجبائي

–  مراجعة جدول الضريبة على دخل الاشخاص الطبيعيين

 

أوّلا- الزيادة في نسبة الضريبة على الشركات بصورة استثنائية بالنسبة لمداخيل 2013 وبالنسبة لبعض القطاعات الاقتصادية

 نظرا للظرف الاقتصادي الصعب ولحاجة ميزانية الدّولة لتمويلات استثنائية وتفاديا لتحميل الطبقات الشعبية تبعات الأزمة الاقتصادية اقترحت الجبهة ضمن مشروع الميزانية الزيادة  – بصورة استثنائية – في نسبة الضريبة على الشركات بـ5 نقاط وذلك بالنسبة لمداخيل 2013 التي يتمّ التصريح بها سنة 2014.

وتتعلق الزيادة الاستثنائية في نسبة الضريبة على الشركات ببعض القطاعات الاقتصادية دون غيرها نظرا إلى أنّ هذه القطاعات لم تتأثّر بصورة كبيرة بالأزمة الاقتصادية ونظرا لقدرة هذه القطاعات على المساهمة في دعم ميزانية الدّولة دون التأثير على مسارها العادي. أمّا القطاعات المعنيّة فهي قطاع النفط والمالية والاتصالات وتجارة التفصيل في المغازات (المساحات) الكبرى.

   ثانيا- محاربة التهرّب الجبائي

 التهرّب الجبائي هوعدم دفع الضرائب والأداءات الواجب دفعها للدولة أو الجماعات المحلية. ويمثّل التّهرّب الجبائي بالنسبة للنظام الجبائي في تونس خطرا دائما محدقا بهذا النظام، وإن كان التهرّب الجبائي لا يخص تونس فحسب. فنسبة هذا التهرّب قد تفاقمت وأصبحت السّمة الرئيسيّة لهذا النظام ممّا يمكّننا من الجزم – بالرغم من قلّة أو عدم وجود الإحصائيّات الجدية – بأنّ ما يدخل خزينة الدولة يمثّل القليل في حين يفلت الكثير. وقد بيّنت الدّراسات في بلدان عدّة مماثلة لبلدنا أنّ المحاربة الفعليّة للتّهرّب الجبائي يمكن أن تجعل هذه البلدان تستغني تماما عن الاقتراض، ذلك أنّ مبلغ الاقتراض يساوي على الأقل مبلغ الأموال التي أفلتت من قبضة الدّولة.

إنّ التهرّب الجبائي يكون عادة نتيجة لعدم قدرة الدولة على القيام بواجب المراقبة والمتابعة للمتهرّبين كما يمكن أن يكون نتيجة اختيارات تشريعية. ويتّخذ التّهرّب الجبائي أشكالا عدّة ولكن يمكن تصنيفه بالنسبة لتونس طبقا لما سبق لصنفين أساسيّين:

–       تهرّب المؤسّسات المصرّح بوجودها

–       تهرّب المؤسّسات غير المصرّح بوجودها

وقد قدّمت الجبهة الشعبية ضمن مشروع الميزانية البديل مقترحات عملية لمحاربة التهرّب الجبائي بصنفيه المذكورين.

 أ‌-     تهرّب المؤسّسات المصرّح بوجودها

يمكن تصنيف تهرّب المؤسّسات المصرّح بوجودها إلى صنفين أيضا:

  • ·       التهرّب عن طريق إخفاء (أو التنقيص) رقم المعاملات أوالتّرفيع في الأعباء:

تقوم العديد من المؤسسات (أشخاص طبيعيين أو معنويين) بإخفاء جزء من رقم المعاملات (عادة ما يكون مهمّا) وبالتالي فإنها لا تصرّح إلاّ بالجزء اليسير من رقم معاملاتها وهذا من شأنه أن يؤدّي إلى التّنقيص من المرابيح الخاضعة للضريبة على الدخل أو الضريبة على الشركات وإلى عدم دفع الأداء على القيمة المضافة إن كانت المؤسّسة خاضعة لهذا الأداء.

كما تعمد بعض المؤسّسات إلى التّرفيع في الأعباء القابلة للطّرح ممّا يؤدّي إلى التّنقيص في الأرباح الخاضعة للضريبة. وبالرغم من أنّ القانون يخوّل لمصالح المراقبة الجبائية مراقبة هذه المؤسسات فإنّ هذه المراقبة تنتهي في الكثير من الحالات بعدم اكتشاف الحقيقة.

ولمجابهة هذه الوضعية اقترح مشروع الجبهة تنقيحا للأحكام القانونية المتعلّقة بالسرّ البنكي. ذلك أنّ الأحكام السّارية المفعول حاليّا تنصّ على أنّ البنوك لا يمكنها تمكين مصالح المراقبة الجبائية من تفاصيل العمليّات البنكيّة التي تقوم بها المؤسسات (التجارية والصناعية). وقد اقترح مشروع الجبهة تنقيح الأحكام الحاليّة بما يخوّل لمصالح الجباية الاطّلاع على تفاصيل العمليات البنكية التي تقوم بها المؤسسات الخاضعة للمراقبة وهو إجراء معمول به في كلّ البلدان بما فيها البلدان المسمّاة “ديمقراطية” مثل فرنسا والولايات المتّحدة الأمريكية. كما نلاحظ أنّ هذا الإجراء لا يمسّ بالمعطيات الشخصية للمعنيّين بالأمر نظرا إلى أنّ أعوان الجباية يخضعون للسر المهني ومطالبون بعدم إفشاء المعلومات التي يتحصّلون عليها.

  • ·       التهرّب عن طريق الانضواء تحت النّظام التّقديري

تصنّف مجلّة الضّريبة على دخل الأشخاص الطّبيعيين والضريبة على الشركات مداخيل الأشخاص الطبيعيين إلى 7 أصناف من ضمنها صنف المداخيل الصناعية والتجارية. وتنصّ نفس المجلّة المذكورة على أنّ المداخيل الصناعية والتجارية يمكن أن تخضع:

–        للنظام الحقيقي (régime réel) وهو نظام يعتمد على مسك محاسبة يفترض أنها تبيّن النّتائج الحقيقيّة للنّشاط التجاري أوالصناعي. وقد أقرّ المشرّع كتفريع لهذا النظام إمكانيّة مسك محاسبة مبسّطة.

–       أو للنظام التقديري (régime forfaitaire) وهو نظام يحدّد مبلغ الضّريبة الواجبة بصورة تقديرية على أساس رقم المعاملات المصرّح به والذي لا يجب أن يتجاوز بموجب القانون مبلغ 100.000 دينار بالنسبة لأنشطة الشراء لغرض البيع وأنشطة التّحويل والاستهلاك على عين المكان و50.000 د بالنسبة إلى أنشطة الخدمات.

ويخضع الانضواء تحت النظام التقديري – الموجّه إلى صغار المستغلّين الذين يحقّقون مداخيل في صنف الأرباح الصناعية والتجارية – إلى العديد من الشروط من ضمنها أنّ المؤسّسة يجب أن تكون فردية ذات منشأة واحدة ونشاط واحد، غير مورّدة وغير مصدّرة… لكن الواقع اليوم يؤكّد أنّ عدد المنضوين تحت النظام التقديري أصبح يتجاوز 400.000 شخص وهؤلاء في أغلبهم لا يستحقّون الانضواء تحت هذا النظام لأنهم يحقّقون أرقام معاملات تتجاوز كثيرا المبالغ المحدّدة قانونا أو لأنهم يقومون بأنشطة متعدّدة. وفي كلمة فإنّ الكثيرين لا تتوفّر فيهم شروط التمتّع بهذا النظام.

وتتطلّب عمليّة فرز المستحقّين لهذا النّظام عملا كبيرا من مصالح المراقبة الجبائية، لذا اقترح مشروع الجبهة إعادة النّظر في قواعد الانضواء تحت هذا النظام وذلك بحصر المنتفعين بالنظام التقديري في الأشخاص الذين يقومون بالتّعاقد مع الإدارة لمدّة محدّدة (3 أو 4 سنوات) على إثر زيارة ومعاينة لمحلّ العمل من طرف أعوان الإدارة والتأكّد من جملة من العناصر (عدد العمال – وسائل العمل…) ويتمّ على إثر مرور سنوات التّعاقد مراجعة العقد بصورة أوتوماتيكية.

 ب‌- تهرّب المؤسّسات غير المصرّح بوجودها

يقوم العديد من الاشخاص بأنشطة تجاريّة وصناعيّة دون أن يكون لهم وجود قانوني ودون أن يصرّحوا بوجودهم لدى مصالح الجباية. ويمثّل هذا النّشاط الذي يعبّر عنه بالاقتصاد (أو القطاع) الموازي خطرا كبيرا على الاقتصاد الوطني فإلى جانب الخسارة الثابتة لخزينة الدولة (نظرا لعدم دفع الضرائب) فإنّ المؤسّسات القانونية (المصرّح بوجودها) متضرّرة بصورة جدّيّة نظرا للمزاحمة غير المشروعة (أثمان أرخص ويد عاملة أرخص وأكثر ليونة) وهو ما أدّى في بعض الحالات إلى نقص في نشاط المؤسّسات المتضرّرة أو إلى إغلاق محلاّت. كما أنّ هذا الاقتصاد الموازي -في الظروف الحالية لتونس- قد يكون مرتبطا بالنشاط الإرهابي (تهريب السّلع محمي من الإرهابيين مقابل تمكينهم من جزء من الأرباح أو مساعدتهم على تهريب السّلاح والأشخاص)

     إنّ محاربة هذا الصّنف من التّهرّب الجبائي صعب للغاية ويتطلّب إرادة سياسية ثابتة ويجب أن يتمّ بتعاون وتنسيق مطلق بين المصالح الأمنية (الأمن الداخلي والجيش) والمالية (مصالح الجباية والديوانة). وقد اقترح مشروع الجبهة التّعامل مع هذا الصنف من التهرّب بكثير من الحكمة وذلك بـ:

–       تمكين الأشخاص الرّاغبين في تصحيح وضعيتهم القانونية والجبائية من التمتّع بإعفاءات تتعلّق بالمدّة الزمنيّة الخاضعة للتوظيف أو بمبلغ الضرائب والأداءات.

–       إرساء عقوبات شديدة للأشخاص الذين يرفضون تسوية وضعياتهم القانونية والجبائية.

وفي كلّ الحالات المذكورة فإنّ العبء الثقيل لمحاربة التهرّب الجبائي يقع على كاهل مصالح وزارة المالية المكلّفة بالمراقبة (الجبائية والديوانية) والاستخلاص. لذا اقترح مشروع الجبهة دعم هذه المصالح مادّيّا ومعنويّا واقترح في هذا الإطار انتداب ما لا يقل عن 1500 عون جديد كبداية لبرنامج أشمل على مدى 5 أو 10 سنوات.

 ثالثا- مراجعة جدول الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيّين

 إنّ مراجعة جدول الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيّين يمكن أن يمكّن الدّولة من مداخيل إضافيّة إذا راجعنا الشرائح العليا للجدول. غير أنّ مشروع الجبهة ارتأى أن يعطي بعدا إضافيّا لمراجعة الجدول فاقترح المشروع ما يلي:

–       إضافة شريحة جديدة للجدول (أكثر من 60.000 د) تخضع لنسبة 40./. (عوض 35 ./.)

–       إعفاء الشريحة السفلى (1.500- 5.000 د ) الخاضعة لنسبة 15./

وإذا كان إخضاع الشريحة الجديدة (أكثر من 60.000 د) لنسبة 40 ./. من شأنه أن يساهم بموارد جديدة إضافيّة للميزانية فإنّ إعفاء الشريحة السفلى (1.500 – 5.000 د ) من شأنه أن يؤدّي إلى نقص مهمّ في الموارد.

وقد أرادت الجبهة من خلال هذا المقترح تكريس مبدأ العدالة الجبائية من جهة (تحميل العبء الجبائي حسب مستوى الدخل) والمساهمة في دعم القدرة الشرائية للطبقات الشعبية، ناهيك أنّ هذا الإجراء من شأنه أن يوفّر مبلغ 525 د في السنة لكلّ مطالب بالضريبة يساوي دخله السنوي الصافي أو يفوق 5.000 د.

وفي ما يخص قانون المالية لسنة 2014 فإنّنا نلاحظ ورود إجراء ينصّ على إعفاء الأجراء الذين يقلّ دخلهم السنوي عن 5.000 د من الضريبة على الدخل لكن يعاب على هذا الإجراء اقتصاره على الأجراء فحسب (فالفلاّح وصاحب المهنة الحرّة مثلا غير معنيّين بهذا الإجراء) كما يعاب على الأجراء عدم إدراجه ضمن جدول الضريبة وتطبيقه خارج هذا الإطار وهذا يعني أنّ الشّخص (الأجير) الذي يتجاوز دخله السنوي ولو ببعض الدينارات مبلغ 5.000 د يصبح خاضعا للضريبة. في النهاية نلاحظ أنّ الإجراءات الجبائية الواردة بمشروع الميزانية البديل للجبهة كانت ملامسة للواقع ولم تكن مشطّة كما أنها وضعت اليد على مكامن الدّاء الذي ينخر النظام الجبائي الذي يتطلّب إصلاحا جوهريّا شاملا ليكون عادلا وفعّالا لتمويل ميزانية الدّولة ودفع البلاد نحو التطوّر بتوفير الظّروف المناسبة ماليّا للتنمية والتشغيل.

 * اعتمد مشروع الجبهة على مبدأ التّعويل على القدرات الذاتية وعدم الالتجاء للاقتراض الخارجي حفاظا على استقلال تونس المالي وبالتالي السياسي والاقتصادي وحماية للأجيال القادمة من تحمّل أعباء الاقتراض.

* أرادت الجبهة من خلال مراجعة جدول الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيّين تكريس مبدأ العدالة الجبائية وتحميل العبء الجبائي حسب مستوى الدّخل والمساهمة في دعم القدرة الشرائيّة للطّبقات الشّعبيّة

 

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى